الأربعاء 22 نوفمبر 2017 الموافق 04 ربيع الأول 1439
ads
ads
ads
مجدى سبلة
مجدى سبلة

٢٧ عاما فى المصور

الخميس 02/نوفمبر/2017 - 02:05 م
طباعة

بقلم : مجدى سبلة

٢٧ سنة فى مجلة المصور محررا ومشرفا ومديرا لتحريرها..أعتبر سنواتى العشر الأولى من أهم سنوات عمرى من حيث التربية الصحفية الرصينة، التى تعلمت فيها فن التحقيق الصحفى والخبر والقصة الصحفية وفن الحوار على يد أستاذ الأساتذة مكرم محمد أحمد صاحب أفضل مدرسة تحقيقات فى مصر، التى تتسم بالموضوعية التى لا تخلو من الرأى الآخر، وطرح الحلول واختيار الصورة المعبرة عن الرسالة، والبعد عن منهاج الإثارة والصحافة الصفراء، هكذا تعلمنا فى مجلتنا ذات الـ ٩٣ ربيعا بالتمام والكمال فى أكتوبر الجارى، وأعتبر سنوات عملى جزءا مهما من عمر المصور المديد.

كانت الأعمدة الصحفية من الأسماء التى تملأ صفحاتها واقفة على عودها، وكنا نرنو إليهم إذا تكلموا معنا، كنا نذهب إلى أهالينا فرحا بأننا نناقشهم، فما بالك إذ علمونا الحرفة الصحفية على أصولها فى مجلتنا التى نحتفل بعيد ميلادها الـ ٩٣ حيث كان الأستاذ عبد المنعم الجداوى مؤسس صحافة الجريمة فى مصر، هو من كلفة مكرم لقراءة موضوعى الأول، وكان عن (البلطجة فى الحى الشعبى ) وبعد أن انتهيت منه وقرأه الأستاذ الجداوى ذهب إلى مكرم قائلا « الواد ده هيبقى صنايعى « ومن شهادته استقر حالى محققا صحفيا فى مجلة المصور.

الانتماء فى اللغة يعنى الزيادة فى الولاء وفى الاصطلاح هو الانتساب الحقيقى للنسب وللمكان وفكراً تجسده الجوارح، والانتماء شعور داخلى يجعل العامل يعمل بحماس وإخلاص للارتقاء بعملة ومكانه والدفاع عنه، أو هو إحساس تجاه أمر معين يبعث على الولاء له، واستشعار الفضل فى السابق واللاحق، ومن مقتضيات الانتماء أن يفتخر الفرد بمكانه الذى يعمل به، ويدافع عنه ويحرص على سلامته وله شرف الانتساب إليه ويشعر بالأمان فيه.

والمكان هنا هو مجلة المصور فى قلب دار الهلال، ذلك المبنى العجوز الذى بنى سنة ١٩٤٦ وخلال السنوات الـ ٢٧ مرت فيها مجلة المصور بمناهج صحفية فى التناول أهمها منهاج الأستاذ مكرم حيث تعلمنا أن يكون التحقيق الصحفى أشبه ببحوث الدراسات العليا فى كل التخصصات، وتعلمنا فى هذه المدرسة توثيق المصادر وتأصيل الرسالة أو الفكرة التى كان يدور حولها التحقيق.

ولم تذق الصحافة المصرية حلاوة ردود أفعال التحقيق الصحفى عند الحكومة أو على أى مستوى إلا فى زمن مكرم محمد أحمد، وأنا شاهد على هذه التحقيقات عندما حققت قضية مساجد وزوايا للإيجار التى كانت تمثل أوكارا للدعوة السلفية والجهادية، وكنت منفذا لموضوع شروخ هضبة المقطم التى انهارت بعدها، وكنت منفذا لحملة هدم القصور والفيلات بصحبة الأستاذ الكبير سليمان عبد العظيم مدير التحرير العام لإصدارات دار الهلال، استوجبت بعدها أمرا عسكريا لحظر هدمها من الدكتور الجنزورى، ووقتها كنت منفذا لحوار عمر عبد الرحمن عقب فتواه بضرب السياحة فى بداية التسعينات، وكشفت مجلتى التى أنتمى إليها عن فساد محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والذى بدأه فى مشروع إسكان الشباب الذى طرح أعماله على أصدقائه الذين كوَّنوا شركة وهمية وحصلوا على أعمال بالمليارات وطرحوه لمقاولى الباطن فى ذلك الوقت، وما أذكره هو قليل من كثير لأعمال لزملائى فى مجلة المصور ذات تاريخ الـ٩٣ عاماً عطاء فى كل المجالات أهمها المجال السياسى المتوازن الذى يصب فى خانة الدولة فى مدرسة تحقيقات يندر التناول بمثلها فى هذا الزمان.

مناهج صحفية مرت بمجلة المصور بعد مكرم حتى الآن، لكنها من وجهة نظرى المتواضعة لا ترقى أبدا إلى المنهاج الذى أوصلنا إليه مكرم بالرغم من أنهم زملاء وأساتذة ولكن لكل منهاجه وطريقته.

الانتماء لمجلة المصور ليس حكرا لفرد ولا لفئة بعينها، ولكن معظمنا كان يعمل بحب والانتماء لعب الدور الأساس فى تشكيل وجدان وعقل كل من عمل فى مجلة المصور.

ربما أن الانتماء للمصور اختلف بتداعيات تطور الزمان وطريقة العمل لبعض الزملاء، لكنه يسير فى الاتجاه الإيجابى مدعما بالحب، يستشعره الأغلبية تجاه مؤسسته، يشير إلى وجود ارتباط وانتساب نحو مجلتنا المصور، باعتبارهم أعضاء فيها، ويشعرون نحوها بالفخر والولاء، ويعتزون بهويتها وتوحدهم معها، ومنشغلون ومهمومون بقضاياها وعلى وعى وإدراك بمشاكلها، لكنهم فى النهاية ملتزمون بالمعايير والقيم المهنية التى تعلى من شأنها وتنهض بها، ومحافظون على هويتها، ومتفاعلون مع زملائهم، ولا يتخلى عنهم حتى وإن اشتدت بها الأزمات.

الولاء والانتماء جوهر الالتزام الذى يدعم الهوية الذاتية، ويقوى الجماعية ويركز على المسايرة فى العمل ويدعو إلى تأييد الصحفى لمطبوعته ويشير إلى مدى حبه إليها، ومع أنه الأساس القوى الذى يدعم والهوية التى تتفرد بها مجلة المصور.

والانتماء لا يولد مع الإنسان، وإنما يكتسبه من مجتمعه، ولذلك فهو يخضع لعملية التعلم، فالفرد يكتسب الولاء والانتماء من بيته أولاً، ثم من مدرسته ثم من عمله ثم من مجتمعه بأكمله، حتى يشعر الفرد بأنه جزء من كل، صدر العدد الأول من مجلة المصور فى أكتوبر ١٩٢٤ وهى واحدة من أقدم المجلات السياسية فى مصر والوطن العربى، وشهدت مجموعة من الأحداث، وتابعتها بالكلمة والصورة بشكل أكسبها شعبية كبيرة بين القراء، وقد تولى رئاسة تحريرها عدد من رواد الصحافة فى مصر أحمد بهاء الدين وفكرى أباظة وعلى أمين وشكرى وإميل زيدان وأمينة السعيد وصالح جودت ومكرم محمد احمد وعبد القادر شهيب وحمدى رزق وعزت بدوى وغالى محمد وأحمد أيوب آخر العنقود.

تعلمنا فى مجلة المصور أصول المهنة من أساتذة مثل فاروق أباظة وكمال سعد ويوسف القعيد وأحمد أبو كف وعبد القادر شهيب وحلمى النمنم وسلوى أبو سعدة وبثينة البيلى وليلى مرموش وعاطف عسكر وسيد زكى وسلامة مجاهد وربيع أبو الخير وغيرهم من الأسماء التى ملأت أسماؤهم صفحات مجلة المصور.

مجلة المصور التى كانت تتميز بالانفرادات إبان عهد مكرم، كانت تنتظرها الصحف اليومية لكى تعمل على انفراداتها بقية الأسبوع، عادت للتميز من جديد فى التغطية الإخبارية السياسية والقصص الصحفية التى تنقل واقع الشارع المصرى، وتميزت كذلك فى الصحافة الرياضية وعمل الملاحق المتخصصة للكيانات العلمية ذات التاريخ القديم.

فاتورة التوزيع المتراجع لمجلة المصور فى الفترة الماضية لا يتحملها جيل من الصحفيين هم الذين نهضوا بتوزيعها الآن، ولكن كانت تتحملها سياسة تحرير الفرد الواحد فى غياب تام من شورى مجالس التحرير التى يجب أن تدير المجلة أى مجلة؛ لكى تكون أكثر تعبيرا عن الشارع بكل مفرداته خاصة وأنهم صحفيون أصحاب فكر متحضر والوطنيون المحبون لبلدهم ومستقبلها وأصحاب النظرة المستقبلية، وهذا فى رأيى الرهان الرابح لإنجاح الإصدار أى إصدار.

أتوقع غدا سيجنى أبناء المصور ثمارا زرعت بذورها فى ظروف مهنية متميزة وأنا على ثقة بأن الأجيال الجديدة تعى أن مصلحة مصر دائما فى الصدارة.

أجيال صحفية تعرف جيدا أن تلك الزوايا الغائبة فى التناول المتوازن هى التى توقظ فيها الاحتياج للحلم، ربما لأنها قادرة على الإصغاء لها، وهى التى تدفعها حتما إلى التفكير قليلا بحقيقة ما إذا كانت تستطيع إحداث الفرق فى تطويرها وجعلها فى يد كل القراء،
لأن انتماءها للمجلة وحرصها الكبير
على معانقة كل التفاصيل بشكل يومى يدفعها إلى البحث عن لغة مشتركة، تربطها أكثر بملامح تلك المجلة التى ظلت تلمس أحداث مصر والمنطقة العربية والعالم ٩٣ عاما وتجعلها أقدر على التفاعل مع محيطها، الذى يلمح بين خفايا روحها الشفافية والصدق والكثير من الحب لكل الأشياء التى تحرص على أن تبقى حاضرة روحياً وفكرياً، لعلها تتعلم من المواقف كيف تكون صلبة حازمة لا تقبل الانكسار وتنأى بنفسها عن تناول كل الأفكار المحبطة.
تلك الحياة التى تستطيع استيعاب كل تطلعاتهم والعمل على
تطويرها حتى يتمكنوا جميعا من ترك بصمات مميزة تخصهم وتعكس صورتهم الحقيقية، ومن ثم يقررون الاحتفاظ بها هناك فى ذاكرة دار الهلال التى لا تزال حاضنة لأحلامهم وأمنياتهم المتنامية.