الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 الموافق 24 ربيع الأول 1439
ads
ads
ads
حمدى رزق
حمدى رزق

كتاب حياتى يا عين..

الأحد 03/ديسمبر/2017 - 05:12 ص
طباعة

بقلم - حمدى رزق


فيه ناس تخاف م القدر / وترضى بالمكتوب


وناس قدرها أمر / وتنفذ المطلوب


وناس ف ليل القمر / تعيش ظلام الكون


أكره هذا المقطع من أغنية «الضباب» للراحل عماد عبدالحليم، ومطلعها «الشمس غامت/ والدنيا لفتها الغيوم. والخلق نامت/ وقلبى سهران ف الهموم. والحيرة طالت/ والشكوى مرة ع المحروم» . وختمها. بـ»أنا اللى عشقت الليل/ عشان أمل كداب. تنزل دموعى سيل/ تملى كتاب وكتاب. أشوف بعينى الويل/ وأعيش ويا الضباب/ الضباب الضباب الضباب».


 


مثلها تنكد عيشتى أغنية حسن الأسمر «كتاب حياتى يا عين» وكأنه يرثينى شخصيا، كتاب حياتى يا عين/ ماشفت زيه كتاب. الفرح فيه سطرين/ والباقى كله عذاب.. عذاب.. كتب الزمن جوه همى/ من غير ما يرحم ويسمي. كتب عليه البكا والنوح/ وهان عليه دمعى ودمي.


ومثلى كثير ممن رزقوا بمزاج حزين، لا يعرف الفرح طريقا إلى قلوبهم إلا نادرا ولسويعات ما يلبث الحزن أن يسيطر ويتوغل وينتشر ويسرى فى عروقهم مسرى الدم، أخشى أن عامة الشعب يقتاتون هذا الحزن العميق الذى لا سبب ظاهرى لشيوعه، ليس أدل على ذلك من انتشار أغانى الغدر والنحيب والولولة والعديد، وكأنها جنازة ونازلين فيها لطم، وإذا تحسنت أمزجتهم قليلا وراق المزاج واعتدل يجتاحهم الحنين إلى الحزن، فيرددون نشيدهم الجماعى «آه لو لعبت يا زهر واتبدلت الأحوال».


الحالة المزاجية المعكرة للشعب المصرى تحتاج إلى دراسات نفسية متقدمة، المصرى فى تجلياته فرفوش، ابن نكتة، ضحوك، يضحك مقهقهاً حتى يستلقى على قفاه، بشوش مستبشر، راض بالقسمة والنصيب، قنوع، يقبل يديه وش وظهر على النعمة ولو كانت بصلة وجبنة قديمة وعيش بتاو، وإذا ظفر بظفر (طيور) يتعشى ويتهنى، وكل يا أبو العلا على طريقة العظيمة سعاد حسنى فى فيلم «الزوجة الثانية».


غارت مياه الرضا من الوجوه بعيدا، فى غيابات الجب، وحل القنوط محل الاستبشار، والشكوى بديلا عن الحمد، واعتل المزاج وتعكر، واللى نبات فيه غما نصبح فيه حزنا، وصارت روحنا فى مناخيرنا، الأخ مش طايق أخيه، والأم تدعو على ابنها العاق، والأب فى غبشة الفجر يترقرق الدمع من عينيه عجزا وألما، ولولا رحمة من الله وقلوب عامرة بالإيمان لا ستبد بهم اليأس.


كيف هذا، وكيف سلكنا الطريق إلى الحزن هكذا، أسميه الحزن القومى، ويتلطف الدكتور أحمد عكاشة فيسميه الإحباط العام، ويوصفه البعض نفسانيا بالاكتئاب العام، ودعنا الفرحة وطعم الفرحة، غصة فى الحلوق، مرارة فى النفوس، لم تزرنا عصافير الجنة منذ زمن، وغابت المشرقة سعاد حسنى، يا تجيب لى شكلاته/ لا بلاش يا وله/ روح رجع البطاطة/ لا بلاش يا وله، أغنية منعشة طالعة من قلب منتعش، كتبها العظيم صلاح جاهين، فاتت من جنبنا سعاد، وماتت حزينة مقهورة فى بلاد الضباب.. ومات جاهين بالاكتئاب!


تكالبت علينا الهموم تكالب الأكلة على قصعتها ونحن كغثاء حطه السيل من عل، وشخنا قبل الميعاد، ووهن العظم منا واشتعل الرأس شيبا، وعلى كثرة وانتشار وصفات استعادة الشباب، ومحلات الصبا والجمال، الوجوه مكرمشة ترونها فى الطرقات ليست عن عجز ولكن من أثر الضيق والحزن والألم رسم بصماته على الوجوه، شباب صاروا شيوخا، وبنات زى الورد المفتح تم قمعهم وراء نقاب، وكل خطوة بحساب، والنظرة الأولى والأخيرة لك، ونار الآخرة تلاحقنا تلفح وجوهنا، وخطيب المسجد لا يمر على آيات الجنة أبدا، يخوفنا من الثعبان الأقرع، وينذرنا بجحيم مقيم، والقرآن فيه جنات والجنات فيها نخيل وأعناب، وتين ورمان، وما تشتهى الأنفس، وزيارة الحور العين، وأنهار من خمر وعسل لذة للشاربين.


الأغانى فى التحليل الأخير تعبر عن مزاج شعب، يعرف الشعب من أغانيه، أتذكر أن الصباح كان يروق ويحلى مع أغنية أم كلثوم يا صباح الخير ياللى معانا، وتغنى فيروز أنا على بابى الندى و الصباح، ويغنى محمد قنديل ياحلو صبح، أغانى تشرح القلب، وتروق المزاج، وترفع منسوب البشر والاستبشار، وبالسلامة يا حبيبى بالسلامة تروح وترجع بالسلامة، وصوت يشرح القلب من الإذاعة، بصبح عليك.


يقينا غنى المصريون لليل أكثر من الصباح، وشحيحة أغانى الفرح، وحزينة مجمل الأغاني، الوقوف على الحالة المزاجية للمصريين ليس ترفا، ومزاج المصريين لا يصفو إلا بفرحة كبيرة، والفرحة الكبيرة كالعيد الكبير كل سنة مرة، وحرام تنسونى فى فرحكم إذا كنت فى حزنكم مدعو.


عذابات المصريين تحتاج إلى نطاسى حكيم، أن يكون الحزن قد أصابهم فصار مزمنا، وحزنا على حزن، حزن على اللى راح، وخشية من اللى جاى، حزنا على الشهداء، والأحياء، ويكفينى امرؤ القيس ختاما من معلقته الشهيرة:


وليل كموج البحر أرخى سدوله ** علىَّ بأنواع الهموم ليبتلـــــي


فقلت له لما تمطى بصلبــــه ** وأردف أعجازاً وناء بكلكلِ


ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ** بصبح وما الإصباح منك بأمثــــل.