الجمعة 15 ديسمبر 2017 الموافق 27 ربيع الأول 1439
ads
ads
ads
عبدالقادر شهيب
عبدالقادر شهيب

أهداف سياسية لإرهابيى مسجد الروضة

الأحد 03/ديسمبر/2017 - 12:54 م
طباعة

بقلم - عبدالقادر شهيب


تنافس المحللون فى البحث عن أسباب لتلك المجزرة، التى قام بها الإرهابيون فى داخل مسجد الروضة ببئر العبد، الذى استشهد فيه نحو ٣٠٥ شهداء، بينهم ثلاثون طفلاً وأصيب فيه بجراح أكثر من ثلث هذا العدد.. وتنوعت واختلفت الاجتهادات حول أهداف هؤلاء الإرهابيين من القيام بتلك المجزرة البشعة وهذا العمل الخسيس، لكنها كلها، أو فلنقل أغلبها، تجاهلت الأهداف السياسية الواضحة لهم ولكل الإرهابيين، رغم أن هذه الأهداف شديدة الوضوح وليست جديدة، وإنما يتبناها الإرهابيون من كل الإرهابيين على خلاف انتماءاتهم التنظيمية، ويسعون لتحقيقها منذ أن انتفض ملايين المصريين ضد حكم الإخوان الفاشى المستبد ونجحوا حينما انحازت القوات المسلحة لهم فى الإطاحة بهذا الحكم.



فهناك من قالوا إن الإرهابيين قاموا بهذا العمل الوحشى البشع؛ لأن المسجد الذى اقتحموه وقتلوا المصلين داخله ولاحقوا بنيران أسلحتهم من حاولوا الخروج التماسا للنجاة من أكبر عملية قتل إرهابية نظمها الإرهابيون فى بلادنا هو مسجد صوفى وقرية الروضة التى يسمى المسجد باسمها هى قرية أهلها صوفيون، بينما تنظيم داعش المصرى هو تنظيم مثل كل فروع داعش التنظيمية يناصب الصوفيين العداء مثل الشيعة ويراهم كفاراً يستحقون القتل.. رغم أن مسجد الروضة يقع على الطريق الرئيسى الساحلى ويرتاده مع الصوفيين من أهل سيناء غير الصوفيين أيضا من أهلها أو من الذين يعملون فيها.. مما يجعلنا نستنتج أن الصوفيين لم يكونوا وحدهم هم المستهدفين من قبل هؤلاء الإرهابيين وإنما كان المدنيون بشكل عام وأوسع هم المستهدفين بهذه المجزرة البشعة، سواء كان منهم الصوفى أو غير الصوفى .. فإن نيران أسلحة الإرهابيين لم تفرق بين مدنى وآخر مثلما لم تفرق بين شيخ وطفل أو بين سليم معافى ومعاق أيضاً كل ما كانوا يبتغونه هو قتل أكبر عدد، ولذلك اقتحموا المسجد لقتل المصلين المتواجدين فيه وتربصوا بكل من حاول الفرار والنجاة خارج المسجد، وأيضاً منعوا سيارات الإسعاف للوصول إلى منطقة المسجد لإسعاف المصابين حتى يلفظوا أنفاسهم، بل وأشعلوا النيران فى سيارات المواطنين المتواجدة فى منطقة المسجد حتى لا تستخدم فى نقل المصابين إلى المستشفيات.


وهناك من قال إن هدف الإرهابيين فى هذه الجريمة النكراء البشعة هو الانتقام من قبيلة السواركة لتعاونها مع الجيش وقوات إنفاذ القانون فى ملاحقة أعضاء التنظيمات الإرهابية والتكفيرية، حيث ينتمى أهل قرية الروضة إلى هذه القبيلة التى تعد إحدى القبائل الأساسية الكبيرة فى سيناء.. لم يجد هؤلاء الذين قالوا بذلك تفسيراً لحقيقة أخرى تقول إن قبيلة الترابين فى سيناء هى التى تبنت وقادت دعوة شيوخ ورجال القبائل لتكثيف التعاون مع الجيش وقوات إنفاذ القانون فى مطاردة الإرهابيين وملاحقة عناصر التنظيمات الإرهابية.. أى أنها بهذا المعنى كانت هى المفروض أن تكون الأولى باستهداف الإرهابيين إذا كان هذا هو هدفهم الأساسى.. فضلا عن أغلب قادة تنظيم داعش المصرى ينتمون لقبيلة السواركة.


لذلك هناك من قال إن هدف الإرهابيين الآن ليس فقط هو النيل من الصوفيين أو الانتقام من قبيلة السواركة، وإنما المدنيون بشكل عام، لترويعهم وإخافتهم وإثارة الذعر بينهم، خاصة أنهم هدف سهل دوماً في كل مكان لأى تنظيم إرهابى لا يمكن لأية دولة أو سلطات أمنية توفير حماية وتأمين كامل لهم طوال الوقت.. فضلاً عن أن استهداف العسكريين سواء من قوات الجيش أو الشرطة «قوات إنفاذ القانون» لميعد سهلاً بالنسبة للإرهابيين وصار مكلفاً جدا وقابلا للإخفاق .. وبالتالى اعتبر هؤلاء أن الإرهابيين فى مصر قد غيروا تكتيكهم ليتجهوا بأسلحتهم ومتفجراتهم صوب المدنيين.. غير أن هؤلاء ربما لا يتذكرون أن الإرهابيين سبق أن استهدفوا المدنيين فى العديد من العمليات الإرهابية التى قاموا بها من قبل حتى فى قلب القاهرة، وسبق أيضا أن هددوهم.. بل إنهم سبق أيضا أن استهدفوا أيضا المساجد عندما فجروا شحنة متفجرة أمام مسجد الحسين، لكنها بالفعل المرة الأولى التى يقتحمون فيها مسجدا لقتل المصلين، إلا أنهم سبق أن اقتحموا كنائس من قبل وقتلوا المصلين داخلها أيضا .. أليسوا يستحلون دماء غيرهم ممن لاينتمون إلى تنظيماتهم، بل إنهم يتقاتلون مع التنظيمات الإرهابية والتكفيرية الأخرى .. فهم وحدهم من وجهة نظرهم المؤمنون الوحيدون وعداهم كفار يستحقون القتل والقضاء عليهم.


غير أن المثير للدهشة أن يحاول أحد تبرئة الإرهابيين من هذه الجريمة النكراء وهذا العمل الإرهابى الوحشى بالادعاء أن الذين قاموا به هم مجموعة من تجار المخدرات والمهربين للسلع والبشر يستهدفون الانتقام من المدنيين الذين يساعدون قوات إنفاذ القانون فى التضييق عليهم وحرمانهم من الأرباح الهائلة والضخمة التى يحققونها فى تجاراتهم هذه، أو ترويعهم وإخافتهم حتى لا يساعدوا فى الإرشاد عنهم مستقبلا.. ولعل ذلك هو الذى جعل البعض يقول إن أحد الإرهابيين أمام المسجد خاطب أحداً بالتليفون المحمول منادياً له ياريس وليس يا أمير كما اعتاد أعضاء الجماعات والتنظيمات الإرهابية مخاطبة قادتهم، وتلقى منه تعليمات بقتل أكبر عدد من المصلين .. غير أن هؤلاء يتغافلون - سواء عن غفلة أو عمداً - أن الإرهاب مارس كل أنواع التجارة المشروعة بدءاً من تجارة المخدرات إلى تجارة البشر، والتنظيمات الإرهابية الكبيرة والصغيرة كانت تعتبر تلك التجارة مصدراً أساسياً من مصادر تمويلها.. وقد كان تنظيم القاعدة قبل تنظيم داعش من أكبر تجار المخدرات فى أفغانستان .. وقبلهما مارست جماعة الإخوان منذ النشأة استلاب وسرقة أموال الغير، وفى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى انخرطت بشكل مباشر فى تجارة النقد الأجنبى، وسيطرت فيما بعد على نسبة كبيرة من السوق السوداء للعملة.


وهكذا ذهب البعض بخياله بعيداً فى البحث عن أحداث تلك المجزرة البشرية البشعة التى قام بها مجموعة من الإرهابيين فى مسجد الروضة ببئر العبد، رغم أن الأهداف السياسية للإرهابيين فى بلادنا واضحة ولا تحتاج استجلاء أو بحثاً عنها أو اكتشافها.


نعم الإرهابيون يريدون ترويعنا وإخافتنا والنيل من معنوياتنا وإظهار أنهم مازالوا أقوياء وقادرين على إيذائنا وإيلامنا، وأنهم لم يتراجعوا رغم الضربات الموجعة التى تعرضوا ومازالوا يتعرضون لها من قبل قواتنا المسلحة وقوات الشرطة معها، ورغم إجهاض العديد من عملياتهم الإرهابية وتصفية العديد من كوادرهم.. ولذلك اختاروا هدفا سهلاً وهم مواطنون عزل اجتمعوا فى مسجد لتأدية صلاة الجمعة وانطلقوايقتلونهم.. وتمادوا فى عمليات القتل ليرتفع عدد الضحايا إلى أكبر رقم تسجله عملية إرهابية واحدة تعرضت لها بلادنا منذ أن أطل الإرهاب الأسود بوجهه الكئيب علينا فى العصر الحديث، منذ أن تأسست جماعة الإخوان التى أفرخت لنا كل التنظيمات الإرهابية على مختلف مسمياتها واختلاف أشكالها.


ولكن وراء ذلك كله فى نهاية المطاف أهدافاً سياسية واضحة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها.. وهذه الأهداف صاغتها التطورات التى شهدتها بلادنا قبل أربعة أعوام مضت، حينما انتفضت جموع الشعب بالملايين فى كل أنحاء البلاد ضد حكم الإخوان الفاشى المستبد، الذى كان يسعى لطمس الهوية الوطنية لمصر ويساهم فى تقويض كيان دولتنا الوطنية بتقزيم جيشها وإضعاف شرطتها وأخونة كل مؤسساتها بالتحالف مع بقية فصائل ومجموعات تيار الإسلام السياسي، وأتاح لتنظيمات تكفيرية إرهابية أن تتمدد وتبسط نفوذها على مساحات من أراضى سيناء، التى تعد مطمعاً لكثيرين، الإسرائيليون الذين أرادوا مع الأمريكان توطين فلسطينيي غزة فيها بعد اقتطاع مساحة منها وضمها لدويلة فلسطينية ضعيفة هزيلة.. والإرهابيون الذين رأوا أنهم يمكنهم إقامة دولة لهم فى أرض سيناء على غرار ما فعلوه فى أراضى العراق ثم فى أراضى سوريا والآن فى أراضى ليبيا.


ولذلك فإن أول الأهداف السياسية للإرهابيين هو الانتقام منا نحن جموع المصريين بصفة عامة، ومن قواتنا المسلحة بصفة خاصة، ومن الرئيس عبدالفتاح السيسى بتحديد أكبر.. إنهم ينتقمون منا لأننا أطحنا بحليفهم الأكبر وهى جماعة الإخوان من حكم مصر.. وهذا يبين لنا أننا سواء كنا مدنيين أو عسكريين، كبارا أو صغارا، رجالاً أو نساء، مسلمين أو مسيحيين، مستهدفون منهم.. كنا مستهدفين أمس واليوم مستهدفون وغداً أيضاً مستهدفون منهم.. إنهم يتعاملون معنا جميعاً كأعداء يجب قتالنا وقتلنا أو على الأقل إن لم يستطيعوا قتلنا جميعاً إخضاعنا لهم ولإرادتهم.


ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الذى يذكرهم بوصول عبدالفتاح السيسى إلى موقع رئيس الجمهورية برغبة جماهيرية جارفة عام ٢٠١٤ فإن رغبتهم فى الانتقام منه ومن الجيش والشرطة ومنا جميعاً تزداد أكثر وأكثر.. ولذلك علينا أن نتوقع مزيداً من الغدر الإرهابى، مزيداً من العمليات الإرهابية سواء داخل سيناء أو خارجها.


أما آخر وأهم الأهداف السياسية التى يسعى إليها الإرهابيون فهى تقويض كيان دولتنا الوطنية.. فهم يتصورون أن عملياتهم الإرهابية، خاصة إذا اقترنت بزيادة أعداد الضحايا على غرار ما حدث فى العملية الإرهابية الخسيسة التى استهدفت المصلين فى مسجد الروضة، سوف لا تروع عموم المصريين وتنشر الذعر فى المجتمع فقط، وإنما ستزرع فى نفوسهم غضباً على الحكم القائم وعلى قواتهم المسلحة وعلى شرطتهم حينما يفقدون الأمن والأمان وتتعرض حياتهم وحياة أبنائهم للخطر الداهم، وأن هذا الغضب سوف يتراكم ويتصاعد ليحركهم ويدفعهم للخروج فى الشوارع بل والاصطدام أيضاً بقوات إنفاذ القانون وأيضاً تخريب بعض المنشآت العامة على غرار ما حدث من قبل فى يناير ٢٠١١ وما بعدها.


ويشارك فى هذا الهدف دول وحكومات وأجهزة مخابرات إقليمية ودولية أيضاً خططت وراهنت على تقويض كيان الدولة الوطنية فى منطقتنا بإضعاف جيوشها وتقسيم دولها إلى دويلات صغيرة قزمية يسهل السيطرة وفرض الهيمنة عليها، مما يوفر الأمن لإسرائيل، ويتيح لبعض القوى الإقليمية مثل تركيا وإيران التمدد وتوسيع النفوذ فى منطقتنا على حساب العرب.


ولعل هذا يفسر لنا لماذا يلقى الإرهابيون حتى الآن دعماً ومساندة إقليمية ودولية، تمويلاً، وتسليحاً، وتدريباً، وتوفيراً للملاذ الآمن والغطاء السياسى أيضاً، مثلما يفسر لنا لماذا نحارب نحن فى مصر وحدنا الإرهاب ولا تمد دول وحكومات أيديها بالتعاون معنا فى هذه الحرب، رغم أنها ذاقت مرارة طعم الإرهاب وطالها الإرهاب وسقط منها ضحايا لعمليات إرهابية، كما يفسر لنا لماذا لا تسمى أجهزة إعلام غربية وأمريكية المجرمين الذين قتلوا أبناءنا فى الواحات أو فى بئر العبد بأنهم إرهابيون وتصفهم بالمسلحين أو المتمردين، وكأننا لا نحارب إرهاباً هو الأكثر وحشية من أى إرهاب سبق أن واجهناه، وإنما نتصدى لمنشقين سياسيين.


هذا هو الهدف النهائى للإرهاب المعلوم الذى نحاربه.. ولذلك فإن حربنا ضده طويلة وسوف نفقد فيها المزيد من الضحايا.. ولكننا مهما طال زمن هذه الحرب ومهما زاد عدد الضحايا سوف ننتصر فيها وسوف نسحق هذه التنظيمات الإرهابية ونصفى هؤلاء الإرهابيين ما دمنا لا نهتز بعد أية جريمة إرهابية ونحتفظ بثباتنا وتماسكنا الوطنى.