الثلاثاء 20 فبراير 2018 الموافق 04 جمادى الثانية 1439
ads
ads
ads
حمدي رزق
حمدي رزق

كيرياليسون ..

الجمعة 02/فبراير/2018 - 01:34 ص
طباعة

بقلم - حمدى رزق



وكم كتبت محزوناً، نادراً ما أكتب فى حالة فرح، ضنّ الزمان علينا بفرحة، بليلة من ألف ليلة، وكلما جنّ علينا ليل الفتنة بظلام يغشى القلوب التى فى الصدور، أنطقها بزفير، يا رب رحمتك، كيرياليسون، وأذهب ملهوفاً إلى «موعظة الجبل ، وما أدراك ما موعظة الجبل، ظفرت منها بهذه الوصية الخالدة من وصايا السيد المسيح عليه السلام، «أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم»!



وكنت كلما ألمّ بإخوتى فى الوطن عارض، أو لفهم حزن، أعود إلى جبل الموعظة، أجمع من ثمارها، هدية ما يرطّب قلوبهم، ويبلسم جراحهم، ويرد الروح إلى نفوسهم المعذبة، وكلما طالعت الموعظة فوق جبل اكتشفت أن السيد المسيح -عليه السلام- كان يتحسب ليوم، كما كان رسول الله -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام- فى «حجة الوداع يتحسب ليوم، وكم نحتاج إلى مراجعة الموعظة والخطبة لنواجه معاً اليوم الذى نعيشه، والغد الذى ننتظره، ونستشرف أفقاً بعيداً تتحلى فيه المواطنة الكاملة .


إذا أردت أن تدخل إلى قلب وعقل القبطى، عليك بالباب، والباب هنا موعظة الجبل، وإذا سعيت لمحبة قبطى عليك بينابيع المحبة تتدفق رقراقة من هذا النص النادر، وإذا نويت أن تفهم قبطياً عليك بموعظة الجبل، وإذا قرأت موعظة الجبل بقلبك فأنت طيب مسرور، وبعقلك فأنت واعٍ ومدرك، وبالقلب والعقل فأنت منصف لإخوتك، فالموعظة خلاصة الخلق القبطى، ما يجب أن يكون عليه القبطى فى أهله، وهم أهلنا ومن جلدتنا، ونحن أولى بهم، وهم أولى بنا، نحن أولياء بعض وطنياً.


مراجعة الموعظة هى ما يحتاجه الأقباط، ومراجعة خطبة الوداع هى ما يحتاجه المسلمون، والأقباط والمسلمون فى حاجة إلى مراجعات حقيقية لوصايا الأنبياء والرسل ، ودون هذه المراجعات تظل الفُرَج بين الأقدام واسعة تنفذ منها الشياطين إلى تقليب القلوب، وتأليب المشاعر، وفتن الناس فى وطنهم.


ليس أخطر على هذا الوطن من الفتنة الطائفية، باب جهنم الذى يؤمه كلاب النار، والفتنة الطائفية من مستصغر الشرر، والحوادث الطائفية الكبيرة التى كادت تحرق وجه الوطن نشبت من مستصغر الشرر، ولولا حكمة أصحاب القلوب المؤمنة بالوطن، والعيش المشترك، وتقاسم اللقمة، وعندك عيد فأنا سعيد، وإذا ألمَّ بك قرح فقلوبنا حزينة لا تسع الخرق على الراتق .


***


صغيراً شببت على صوت يزعق فى شوارع «العزبة القبلية» فى مدينة منوف (وسط الدلتا): «محمد نبى، وعيسى نبى، وموسى نبى، وكل من له نبى يصلى عليه» فنؤمّن بالصلاة والسلام عليه، كل يقول آمين، نداء جامع شامل ملهم، أنتجته العبقرية الشعبية المصرية التى ما فتئت تعبر عن سماحتها وذكاوتها فى التعامل مع الاختلاف الدينى الذى ولدنا عليه، فصار هذا مسلماً وصار هذا قبطياً، ولايزال يعيش بين ظهرانينا يهود بكامل الأهلية الوطنية.


لا أذهب فى هذه المحبة  إلى أقوال المؤرخين والرواة الثقاة، ولكنى اتقفى المحبة بين الناس الطيبة، أتعلمون محبة المسلمين للعذراء مريم، يسمون بناتهم باسمها الجميل، أتدرون أن سورة «مريم» تحتل مكانها الطيب فى نفوس المسلمين، يستعذبونها فى سرادقات العزاء، ويطلبونها من المقرئ الطيب ليطربوا لسيرة أم النور، ما تيسر من سيرة العذراء البتول، أتعلمون أن بعض الطيبين من المسلمين يزورون الكنائس طلباً لبركة القديسين، ولو تعلمون أن بعض المسيحيين يعتقدون فى كرامات وبركات الأولياء الطيبين، من منكم يصدق أن مداحين أقباطاً يمدحون فى حب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومسلمون يرون فى عيسى -عليه السلام- نور من رحم سيدة النور، وهلم جرا من قصص وحكايات ومرويات..


وأحب من أفلام السينما القديمة فيلم «حسن ومرقص وكوهين»، وحزنت على أيامنا أن اختفى «كوهين»، وصار فيلم عادل إمام وعمر الشريف «حسن ومرقص» فقط، وخشيت أن تأتى علينا أيام يبقى «حسن» ولا نرى «مرقص» مجدداً على الشاشة، مضى زمن كان الشعار «الجار للجار.. والنبى وصى على سابع جار»، الآن يحرّمون السؤال على الجار القبطى، ويفتون بحرمة تهنئته فى الأعياد، ويمنعون أولادهم من اللعب فى الحوش مع مرقص وعزيز، ويغمزون فى قناة إخوتنا بسخرية مريرة، وإذا ابتسموا فى وجوههم غصباً، يقولون فى سرهم، اللى فى القلب فى القلب يا كنيسة، هلا شققت عن قلبه، ماذا فى القلب المصرى غير الحب، كلمة الحب اللى بيها / تملك الدنيا وما فيها / واللى تفتح لك كنوز الدنيا ديه / قولها ليه قولها للطير.. للشجر.. للناس.. لكل الدنيا / قول الحب نعمة / مش خطية / الله محبة / الخير محبة / النور محبة.. بحب سيدة النور


من مقدمة كتابى


« كيرياليسون .. فى محبة الأقباط»