الإثنين 25 يونيو 2018 الموافق 11 شوال 1439
عــزت بــدوي
عــزت بــدوي

الألاعيب القانونية تفسد فرحة أصحاب المعاشات

الأحد 04/مارس/2018 - 08:50 م
طباعة
يا فرحة ما تمت.. لسان حال ٧ ملايين من الغلابة المطحونين من أصحاب المعاشات الذين أفنوا زهرة شبابهم فى خدمة بلادهم ثم تخلى عنهم الجميع فى شيخوختهم لتهاجمهم الأمراض بدون رحمة وتزداد أعباء حياتهم المعيشية بفعل عوامل الزمن والتضخم، ثم يفاجأوا بحصولهم على الملاليم التى لا تغنى ولا تسمن من جوع كمعاشات فى نهاية خدمتهم ولا تسعفهمفى مواجهة أعباء الحياة التى كشرت عن أنيابها فى وجههم بعد أن انهارت قوتهم ولم يعد لديهم القدرة على عمل إضافى لسد رمقهم أو علاج أنفسهم، فمن كان يتقاضى ١٠ آلاف جنيه شهرياً كراتب وكانت لديه القدرة على العمل الإضافى لزيادتها أصبح لا يتقاضى أكثر من ١٥٠٠ جنيه شهرياً كمعاش، ربما لا يكفى لشراء العيش الحاف أو سداد إيجار سكنه الذى يؤويه وأسرته.. إنها معادلة صعبة مقلوبة، فمن كان ملء السمع والبصر ذا منصب وجاه واعتاد العيش الكريم أصبح بين ليلة وضحاها يتسول علاجه بعدما زادت أعباء معيشته وتكاليفه انهارت فجأة مصادر دخله وأصبح معاشه لا يتجاوز أكثر من ١٠ إلى ٢٠ فى المائة من 
هذا الدخل!!.


أصحاب المعاشات الذين أتعبتهم الحيل فى زمن زادت فيه أعباء المعيشة على الجميع أسقط فى يديهم اعتراض الحكومة على بصيص الأمل الذى بدا لهم ليساهم ولو بقدر ضئيل فى سد رمقهم بصدور حكم تاريخى من محكمة القضاء الإدارى فى الأسبوع الماضى بقبول الدعوى المرفوعة من أصحاب المعاشات شكلاً وفى الموضوع بإلغاء قرار جهة الإدارة وهى الحكومة المدعى عليها السلبى بالامتناع عن زيادة المعاش عن الأجر المتغير لأى محال للمعاش بنسبة ٨٠ فى المائة من قيمة العلاوات الخاصة «الخمس» الأخيرة من حياته غير المضمومة للأجر الأساسى دون تحمله عبء الحصول على حكم قضائى وألزمت جهة الإدارة بالمصروفات.


فرحة أصحاب المعاشات التى خطفتها الحكومة هذا الأسبوع بعد قيام هيئة قضايا الدولة الممثل القانونى للحكومة بالطعن على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، ولأن الدستور المصرى الصادر عام ٢٠١٤ حرص على 
تحقيق العدالة الناجزة فى مصر وفطن إلى الحيل والألاعيب القانونية التى كانت تلجأ إليها الحكومات قبل ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ لتفويت الفرصة على خصومها السياسيين فى الانتخابات البرلمانية والمحلية والطعن على ما يحصلون عليه من أحكام من مجلس الدولة ومحاكم القضاء الإدارى لصالحهم بالطعن على هذه الأحكام أمام محكمة القضاء المستعجل فنص بعدم الطعن على أحكام مجلس الدولة والقضاء الإدارى إلا أمام محاكم مجلس الدولة والقضاء الإدارى، ولأن حكم أصحاب المعاشات الأخير تضمن إلزام الحكومة بتنفيذه بمسودته الأصلية دون إعلان فلم يكن الحكومة وهى تطعن عليه أمام المحكمة الإدارية العليا سوى اتباع الأساليب القديمة التى تصدى لها الدستور بالاستشكال لوقف تنفيذه أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة حتى تأخذ فرصة لتدبير أمرها وبحث مصادر وتمويل تنفيذ هذا الحكم، خاصة أنه يتطلب موارد ضخمة لا تتضمنها الموازنة الحالية ولم تضعها الحكومة فى حساباتها ولاسيما أن الاستشكال الحكومى لوقف التنفيذ رغم أنه أمام محكمة غير مختصة، إلا أنه جاء متزامناً مع طعنها الموضوعى على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، الذى ترى فيه أنه من الممكن أن يلغى حكم أول درجة وفى أضعف الإيمان يعطى فرصة للحكومة للبحث عن مصادر تمويل هذا الحكم فى حالة تأييده.


لم يختلف أمر الحكومة وهى تماطل فى رد حقوق أصحاب المظالم من الغلابة أصحاب المعاشات المطحونين فى المجتمع عن حال دفاع المتهمين وأساليبهم القانونية الملتوية لإطالة أجل المحاكمات وهى الحيل 
القانونية التى «وصمت» العدالة المصرية بالعدالة البطيئة وشكلت العديد من اللجان القانونية والقضائية المتخصصة لمواجهة هذه الأساليب والألاعيب القانونية التى يلجأ إليها المتهمون فى القضايا الجنائية والمدنية من أجل المماطلة وإطالة «أمد» المحاكمات حتى ييأس أصحاب الحقوق والمظالم من استرداد حقوقهم وتفقد الأحكام التى تصدر بعد ذلك هيبتها وردعها فى المجتمع.

بل دفعت البعض من أصحاب الحقوق إلى القصاص لأنفسهم واقتضاء حقوقهم باستخدام العنف والقوة والبلطجة أحياناً بعدما غابت العدالة الناجزة والسريعة فى اقتضاء الحقوق صحيح أن التكلفة المالية لتنفيذ الحكم الأخير لنحو ٧ ملايين من أصحاب المعاشات وإن كانت حقا مشروعا لهم وتخفيفاً لمعاناتهم فى الحياة إلا أنه لا ينكر أحد أنه يتكلف مليارات الجنيهات التى لم تكن الحكومة تتوقعها ولا تستطيع الموازنة الحالية مواجهتها إلا أن ذلك لا يبرر 
مطلقاً أن تلجأ الحكومة إلى نفس الأساليب القانونية البالية التى تخطاها الدستور المصرى العصرى وهى تعلم مسبقاً أن وقف تنفيذ هذا الحكم لا يتم إلا من خلال محكمة القضاء الإدارى الأعلى درجة، وليس أمام محكمة الأمور المستعجلة غير المختصة أصلاً، لأن ذلك ترسيخ لمبدأ ضرب الحائط بالقانون، فالمبررات هنا لا تتيح مطلقاً مخالفة القانون والدستور.. العدالة الناجزة مطلب رئيسى لمصر الحديثة ومسعى حقيقى وجاد لتحقيقه والتعديلات الجارية الآن فى قانون الإجراءات الجنائية ومكافحة الإرهاب هدفها الحقيقى سد الثغرات 
التى ينفذ منها محترفو تعطيل العدالة الناجزة بالقانون وسد الذرائع التى تؤدى إلى يأس أصحاب المظالم والحقوق، فلا يعقل فى ظل ذلك أن تسلك الحكومة ذاتها هذه الذرائع من أجل كسب الوقت والمماطلة، بل كان عليها أن تبحث عن مخرج قانونى يرد لأصحاب المظالم حقوقهم دون أن يرهق الخزانة المصرية كمواردحقيقية لتدبير تمويل تنفيذ الحكم مثل فرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء والأثرياء فى المجتمع واسترداد حقوق الدولة المنهوبة والإسراع فى استرداد متأخرات الضرائب وغيرها من الأساليب القانونية، فالغاية لا تبرر الوسيلة ولا يمكن أن يكون عجز موارد الدولة سبباً فى مخالفة الدولة للقانون.


إذا كانت أسر الشهداء تموت فى اليوم ألف مرة وهى ترى القتلة والإرهابيين يرتعون فى السجون وتعاد محاكمتهم مرة تلو الأخرى بحيل وأساليب قانونية ملتوية دون القصاص منهم لأبنائهم وينشدون العدالة الناجزة كردع للإرهابيين وتخليص البلاد من «شر» الإرهاب، فإن عدم التلاعب بالقانون وخاصة فى القضايا التى تكون الحكومة طرفاً فيها بداية لتحقيق العدالة الناجزة فى المجتمع.
ads
ads
ads
ads
ads