الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
حمدي رزق
حمدي رزق

وسواد القلوب كارف ع السطور..

الجمعة 06/يوليه/2018 - 02:35 م
طباعة
الكتابة نوعان، أسود وأبيض، أسود يلون كل أبيض بالسواد، وأبيض يضيء الكون، ويرسم البسمة، ويلون الحياة بألوان الطيف السبعة، قوس قزح يمرق من نافذة زجاجية فيملأ النفس سرورا.



والكُتاب جمع كاتب، نوعان، نوع متصالح مع نفسه، يرى الجمال جمالا، والصباح نعمة، والمساء ونسة، وصوت أم كلثوم فى الأسحار يسرى، وقلبه أخضر مزهر بورد وفل وياسمين، يحب الحب فى أهله، ويرفل فى ثياب القناعة، وشعاره القناعة كنز لا يفنى.



وكاتب أسود القلب، أسود من جوه، جوانى، ممتلئ حقد وغل وحسد، لا يرى إلا فى مرآة نفسه سوى سواد بتخبط فى حوائطه السوداء، ينفث من سناج صدره فيوسخ وجه الكون، لا يرى المليحة يرى فقط القبيحة، لا يسمع شدوا، فى آذانهم وقر، يلهج بالنقيصة، لا يعرف الاكتمال، ناقص منقوص لا يعرف القناعة، نهر المحبة لم يمر ببابه.



للأسف مر بنا وقت مستقطع مر علينا كدهر، سنوات عجاف، لم نعرف فيها الحبر الأبيض والكتابة البيضاء والكُتاب المحبين لله والخير والحق والعدل والحرية، معلوم الحبر عادة أسود أو أزرق، للأسف لون الحبر ( أزرق أو أسود ) كرف على الكتابة الصحفية، خلّا أيامنا البيضاء سوداء أو زرقاء، لم يكذب من توعد وقال «هخلى أيامكم سوداء.. وترفق قليلا وقال أيامكم زرقاء أبدا لا تسر الناظرين).



ع الصبح، ع الريق، وجبة صباحية خبرية فيسبوكية تويترية سوداء، سودة بلون الحبر سوداء، أو زرقاء، اختفت الكتابة البيضاء تحت وطأة سواد يغشى النفوس، سواد القلوب كارف على السطور، كل هذا السواد، كله أسود فى أسود، سودتم العيشة فى وجوه الناس، إلهى يسود عيشتكم يا بُعدا.



الكتابة بالحبر الأسود صارت طقسا مرعيا، تجلب إلكترونيا إعجابات، وتسجل أكثر قراءات، وكلما اسودت سطور المقال، راجت فى الأسواق، ورحبت بها المواقع والمنتديات، سوق الكتابة البيضاء جبر، ورق الصحف لا تسوده إلا السطور السوداء، مارق من يكتب بالحبر الأبيض، الكتابة السوداء يظنونها كذبا وزورا وبهتانا شجاعة، قال إيه معارضة، الكتابة البيضاء صارت فى عرفهم المعوج موالسة، الكتابة السوداء تكسب كثيرا من اللايكات.. كات.. كات.



لماذا تشيع الكتابة السوداء هكذا، وتخيم على الأجواء هكذا، وتنذر بسوء العاقبة هكذا، لكل ظاهرة أسبابها، وبعيدا بعيدا بعيدا تماماً عن التخوين، أو الاتهامات المعلبة بالعمالة وغيرها من المصطلحات المصكوكة صكا مؤامراتيا، يقينا هى تعبر فى الغالب عن حالة مزاجية سوداوية تغشى قطاعات واسعة من الكتاب، نحسن الظن بالجميع، ولسنا برآء.



معدلات السواد فى المجتمع تنتج كتابتها وكتابها، الأقلام تملأ بطونها من حبر المجتمع، تفرز من هذا الحبر، وتنسج على منواله، الشكوى من الحال جد شائعة، كل يشكو حاله لحاله، وكل يغنى على مواله الحزين، وكل يعزف على لحن حزين، لماذا الكتابة كتعبير عن الحال لا تكون سوداء، الأبيض خلص ما تبقى فى المحبرة سوى أخبار سوداء.



الأديب يوسف القعيد صك تعبيرا «الكتابة بحبر القلب»، هل اسودت القلوب إذ فجاة فصار حبرها أسود، الكتابة السوداوية طقس يجمع بين الأضداد، لا تيار يجمعهم، ولا تنظيم يلمهم، وليس هناك توجيه يقين بالكتابة البيضاء لكى يكون ماثلا هناك توجيه بالكتابة السوداء، كل يكتب على حاله، ويملأ قلمه بالحبر الذى يهواه أو يهوى إليه أو يهوى فى سواده.



إحالة الكتابة السوداء إلى مخططات مؤامراتية، نوع من الخبل والاضطراب فى الأحكام، فاذا تجمعت السحب السوداء فى السماء، لا تخشى، إنه المطر ينهمر من اصطكاك السحاب، يسقى الأرض العطشى للأمل، سودوها أنى شئتم، ستمطر خيرا بإذن الله.



يسأل سائل حاذق، وما ضرك يا هذا بالكتابة السوداء وأنت تقترفها أحيانا، ولماذا تضيق بالكتابة السوداء إذا كنت من مدرسة الكتابة البيضاء، وإذا كنت تكتب بالأبيض، من أين تستقى الأسود فى بعض كتاباتك، الكتابة عندى وعند الأصحاء نفساويا أبيض وأسود، والبياض غالب، أحب الأبيض رغم إغراء الأسود، وعندى الكتابة بين أبيض وأسود، أبيض لكل مظلوم، أسود على كل ظالم.



ألم نجعل له عينين، عيناً ترى الأبيض أبيض، ترى الجمال والإنجاز، وعيناً ترى الأسود أسود، خلوا من العدالة، والكفاية، والرحمة بالفقراء، وعين ترى الخير تستملحه وتحبذه وتلح عليه، وعين ترى الأسود تكرهه، وترفضه وتتمنى زواله، وفى الحالتين، ما كنا معذبين للقراء.



الكتابة السوداء تروق لنفر من الزملاء، والكتابة البيضاء لا تروق للكثير منهم، أخشى من الخشية والقلب منى واجف، الأبيض خلص من زمان، هذا زمن الكتابة السوداء، نفر من الكتاب لا يرى سوى السواد، يمتهن السواد، حتى نظرية نصف الكوب الآخر لا تجوز عليه، ولا يعتد بها، ينكرها، لا يراها، نذر نفسه للسواد.



ونفر من الزملاء لا يرى سوى سواد كتابة هؤلاء، فيبتدرهم بالعداء وينبرى لتسويد صفحتهم، وينعتهم بفاحش الأوصاف، وينسى، ولا يعنى بإبراز البياض، فتترى فى سوادهم دون أن ينفذ إلى القراء بخيط أمل يبدد هذا الظلام أو ينير شمعة ليرى بها السوداويون ما خفى عنهم من فرط سوداويتهم.. للأسف جميعا نعمه فى السواد!
ads
ads
ads
ads