الإثنين 23 يوليه 2018 الموافق 10 ذو القعدة 1439
حلمي النمنم
حلمي النمنم

ثورة ٣٠ يونيو: حين استبق الشعب النخب

الجمعة 06/يوليه/2018 - 02:40 م
طباعة
الثورات حق الشعوب، هى كذلك فعل عام يقوم به الشعب، ولا تقوم به فئة بعينها، إذا تحركت فئة وحدها، تصبح حركة فئوية، وفى هذه الحالة فإن المصطلح والمعنى الدقيق لكلمة ثورة لا ينطبق عليها، قد تتحرك فئة بعينها من المجتمع لأغراض خاصة ونيل امتيازات محدودة دون سائر المواطنين، أو للشكوى من ظلم تعرضت له، وهذه أيضًا لا تصبح ثورة، بل هى فى أفضل أحوالها هبة أو انتفاضة، يمكن أن تصبح ثورة إذا استنهضت بقية المواطنين إلى جوارها من هذا المنطلق، تتملكنا الدهشة من محاولة البعض، أن ينسب إلى نفسه ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣, لا أن ينتسب هو إليها.



نعرف أن الهزيمة أو الفشل يكون يتيما بلا أب، أو أشبه بطفل لقيط الكل يتبرأ منه ويتهرب من مسئوليته ويلقى باللائمة على الآخرين، أما الانتصار والفوز فهو كثير الآباء، كل يدعى الفضل فى تحقيقه وإنجازه، وأنه مسئول عنه ولولاه ما تحقق؟ وهذا هو حال ثورة ٣٠ يونيو، هذه الثورة التى كان قوامها أكثر من ٢٤ مليون مواطن ومواطنة مصرية خرجوا إلى الشوارع والميادين العامة فى أنحاء مصر يهتفون ضد جماعة الإخوان ويطالبونها بالرحيل عنا، وبعض التقديرات تذهب إلى أن المواطنين الذين ذهبوا وصلوا إلى ٣٠ مليوناً وهناك المؤسسات الوطنية المصرية العميقة، وعلى رأسها الجيش المصرى ورجال الشرطة، التى تحركت لمساندة هذه الملايين، وحماية حركتها من فرق الاغتيالات التابعة لجماعة الإخوان، والتى نجحت فى تخزين كميات ضخمة من الأسلحة فى أنحاء البلاد لاستعمالها وقت اللزوم ضد الشعب المصرى أولا وضد مؤسسات الدولة، لم تكتف تلك الجماعة بمخازن الأسلحة، بل أطلقت كل الإرهابيين من السجون واستعادت الإرهابيين الذين كانوا خارج البلاد، بدءًا من اولئك الذين تورطوا فى اغتيال الرئيس السادات، مرورًا بمن اغتال فرج فودة والذين حاولوا اغتيال نجيب محفوظ، فضلاً عن أولئك الذين قتلوا عشرات المواطنين المصريين، أثناء سنوات الثمانينيات والتسعينيات، وصار هؤلاء الإرهابيون نجوم عصر الإخوان، بعون فى الفضائيات، حتى أن طارق الزمر المتورط فى اغتيال الرئيس السادات، كان ضيفا يوميًا على أحد البرامج، الغريب أن مقدم البرنامج كان أحد الساعين فى أروقة لجنة السياسات قبل ذلك.



لم تكتف جماعة الإخوان بذلك بل استوردت إرهابيين من الخارج، وضعتهم فى سيناء ليحاربوا الجيش المصرى ويعملوا على اقتطاع شمال سيناء من مصر.



وما أن نجحت ثورة ٣٠ يونيو، حتى راح كل فصيل ينسبها إلى نفسه، ونسمع ذلك بين الكلمات ونقرأه خلف السطور، ويقال جهارا مرارًا، حين تعرض زميلنا الأستاذ خيرى رمضان للمساءلة أمام النيابة العامة، قبل شهور، وفور انتهاء الأزمة بسلام وعودة خيرى إلى بيته وعمله، صاح أحد الزملاء فى أحد برامج التوك شو، مخاطبًا أجهزة الدولة أنتم نسيتم.. احنا اللى عملنا ٣٠ يونيو.. والحق أن هناك عددا من الإعلاميين لديهم اعتقاد ثابت أنه لولاهم ما كانت ٣٠ يونيو.



وفى الوسط الثقافي، تسمع من يحدثك عن الاعتصام أمام مبنى وزارة الثقافة، فى شارع شجرة الدر بالزمالك، والذى يضم مكتب الوزير، سوف يقول لك هؤلاء إن ذلك الاعتصام هو الذى فجر ثورة ٣٠ يونيو، وكأن الشعب المصرى كان مستكينًا وسعيدًا بالإخوان وحكمهم وجاء الاعتصام ليحول موقفهم، دعك الآن من أن هؤلاء المتحدثين أو بعضهم شارك فى الاعتصام أم لم يشارك، وهل كان من المتأخونين أو من الذين ترقبوا أين تستقر الأمور ثم يعلن عن نفسه أو كان معاديًا بالفعل للإخوان وشارك عمليًا فى الاعتصام.



والحق أن هذا الادعاء ينطوى على تجاهل كثير من الوقائع والحقائق.. الثورة على الإخوان بدأت فى نوفمبر ٢٠١٢، حيث أصدر الرئيس المعزول محمد مرسى، قراراته وإعلانه الدستورى الذى جعل من قرارات رئيس الجمهورية محصنة ولاتراجع من أى جهة، وفي ٤ ديسمبر حاصر المواطنون قصر الاتحادية مما دفع حرس الرئيس إلى إخراج مرسى من القصر وإخفائه فى جهة سرية ونعرف الآن أنه طلب من قائد الحرس الجمهورى إطلاق الرصاص على المتظاهرين، ورفض القائد، وهو حالياً وزير الدفاع الفريق محمد زكى.



ومن هنا فإن ثورة ٣٠ يونيو بدأت يوم ٤ ديسمبر، أى قبل مجيء الوزير الإخوانى علاء عبدالعزيز إلى وزارة الثقافة أصلاً.



وفى الأزمة الأخيرة الخاصة بسفر عدد من الفنانين إلى روسيا لتشجيع المنتخب الوطني، سمعنا من يقول ويعاتب من هاجموا سفر الفنانين «احنا كنا شعلة ثورة ٣٠ يونيو» ولا أعرف لماذا يتم الزج بثورة ٣٠ يونيو، فى هذه الأزمة.. غضب الجماهير ليس لأن الفنانين سافروا للتشجيع، ولكن لأن بعضهم سافروا على نفقة المال العام، والدليل أن هناك عددا من الوزراء وكبار المسئولين السابقين سافروا، ولم يتعرض أحدهم لأى ملاحظة أو مؤاخذة، لأنهم سافروا كل على نفقته، وتصرفوا هناك كمشجعين فقط، ولم يذهبوا كنجوم ليزاحموا «نجوم» المنتخب.



والحق أن محاولة كل فئة أو فصيل لتأميم الثورة لحسابه، هو نوع من التفتيت لها والقضاء عليها، لقد قامت ٣٠ يونيو احتجاجاً على محاولة جماعة الإخوان الإرهابية تزوير التاريخ المصري، واعتبار ثورة ٢٥ يناير ثورتهم هم, قامت من أجلهم، وقامت بهم، وكان ذلك جريمة، وأن تحاول بعض مجموعات من النخبة اعتبار الثورة خاصة بها، هو تكرار وإن كان بغير قصد لخطيئة جماعة الإخوان، لا يصح أن يتم تجاهل الشعب المصري، واعتباره غير موجود، لولا هذا الشعب وجماهيره، ما كانت الثورة ولكنا كمن يؤذن فى مالطة.



عقب تخلى الرئيس السابق حسنى مبارك عن الحكم فى ١١ فبراير ٢٠١١، تصور بعض الشباب أنهم هم الذين قاموا بالثورة وحدهم، وتجاهلوا تمامًا ١٤ مليون مواطن كانوا فى الميادين صباح الجمعة ١١ فبراير، وذهب بعضهم إلى الادعاء بأن ثورة ٢٥ يناير هى أول ثورة فى مصر على طول تاريخها، وكأن الشعب المصرى كان خاملا طوال التاريخ، وبلا صوت وبلا وزن، حتى جاء هؤلاء الشاب، ولما لم يستجب الشعب لهم فى بعض نزواتهم السياسية الخرقاء لتدمير مؤسسات الدولة، تحت ادعاءات الثورة لابد أن تهدم كل ما قبلها لم يتورعوا عن سباب الشعب كله، فكتبوا وعلقوا اللافتات بميدان التحرير تقول «آسفين يا شهيد الشعب طلع عبيد».



وبسبب هذه التصرفات وتلك العبارات البذيئة لمعظم الشعب المصرى، وأصدر عليهم حكماً قاسياً.



والآن نجد البعض يصر على إسقاط دور الشعب فى ثورة ٣٠ يونيو، أو تهميش هذا الدور وعدم التركيز عليه، صحيح أن هؤلاء لا يفعلون ذلك عن تصورات شريرة، لكن هناك من لا يمكنهم النظر خارج المرآة، ولا بمقدورهم رؤية الآخرين وتقدير أدوارهم، هؤلاء يعيشون فى قوقعة الذات، إما الذات الفردية أو الذات الفئوية وليس الذات الجماعية.



فى الثورات المصرية، كان الشعب دائمًا هو الأسبق، وهو المحرك للانتفاضات والهبات وكذلك الثورات، ربما تكون ثورة ١٩١٩ هى النموذج الأدق فى ذلك، ولنا أن نتخيل أن سعد زغلول ورفاقه، الذين ذهبوا لمقابلة المعتمد البريطانى فى نوفمبر ١٩١٨، ثم خرجوا من عنده ولم يجدوا المساندة والدعم الشعبى الكامل، هل كانت ثورة ١٩ لتقوم وتهز أسماع الدنيا، بدءًا من بريطانيا الإمبراطورية العظمى التى لم تكن الشمس تغيب عنها؟! وحتى حينما دب الخلاف بين قادة الثورة، فإن تماسك الشعب المصري، هو الذى حافظ على زخم تلك الثورة وضمن لها الاستمرار.



ولدينا شهادة مهمة عن تلك الفترة، يقولها د.طه حسين فى الجزء الثالث من كتابه البديع «الأيام» فقد مرت حوادث الثورة الأولى وهو فى باريس، وكان هو ضمن الطلاب المصريين الذين استقبلوا سعد زغلول حين وصل فرنسا، ثم عاد إلى مصر، ليشارك فى أجواء الثورة.



وكان د.طه حسين درس على عالم الاجتماع الفرنسى «اميل دور كايم» وكان الأخير يشرح لهم مذهب الفيلسوف الفرنسى سان سيمون، الذى يقوم على أن أمور الحكم الصالح يجب أن تصير إلى العلماء، أى النخبة، أو جانب منها، وعاد إلى مصر مشبعا بذلك الرأي، وهو وزملاؤه يعدون من العلماء، لكنه بعد أن أدرك أبعاد الأمور فى مصر، يقول «كان أول ما لاحظ بعد أن أقام وقتا قصيرًا فى مصر، أن الأمر كان مختلفًا بين الذين كانوا يرون أنفسهم علماء ومفكرين وبين عامة الناس والشباب منهم خاصة.



ثم يقول طه حسين «فأما أولئك - يقصد العلماء والمفكرين - فكانوا يؤمنون بالثورة، ولكنهم كانوا يؤمنون بأنفسهم أيضًا، وهم من أجل ذلك لا ينظرون إلى الأحداث ولا يشاركون فيها خالصين لها فى غير تردد، وإنما كان يقدرون بواضعها قبل الخطوة ولا يتحرجون من نقد الساسة والقادة والتندر بهم حين يقولون وحين يفعلون، وكان هذا الموقف يعرضهم للانقسام على أنفسهم ومشاركة الساسة فى الاختلاف حين يتورطون فيه.



ثم يتطرق عميد الأدب العربى إلى الحديث عن الشعب والثورة، فيقول «وأما عامة الناس، والشباب منهم خاصة، فكان المؤمنون بالثورة، قد خلصوا لها نفوسهم وقلوبهم وأيديهم أيضاً، لا يفكرون فى عاقبة ولا يخافون هولا مهما يكن، وهم كانوا يعرضون صدورهم لرصاص الإنجليز، ويغامرون بحياتهم مغامرة رائعة».



هذا التوصيف الدقيق من د.طه حسين لموقف النخبة وخطواتها وموقف عامة الشعب، يمكن أن نطبقه بدقة على كل الثورات المصرية، وخاصة ثورة ٣٠ يونيو، لأن بعض النخبة المصرية ساندت، بل تواطأت مع الإخوان، حتى تولوا الحكم قسرًا سنة ٢٠١٢، مشهد مجموعة «فيرومنت» ليس ببعيد عنا.



الشعب هو السباق دائمًا، وفى الثورات، فإن الشعب المصرى يسبق نخبه ويتقدم عليها، ولعل الشاعر حسين السيد كان دقيقًا وصادقاً، فى أغنية له سنة ١٩٦١ تغنى بها محمد عبدالوهاب، هى «دقت ساعة العمل الثوري» إذ جاء فيها «الثوار هم الشعب والأحرار هم الشعب».



مقتل أى ثورة، أن يتم التنكر لدور الشعب فيها وأنه هو محركها الأكبر، حين يتصور بعض النخب أنهم هم من صنعوا الثورة، ويحتكرونها لحسابهم وينكرون الفضل على الشعب، هذا هو الذى أحبط ثورة ٢٥ يناير وهو نفسه الذى قضى من قبل على الثورة الروسية سنة ١٩١٧.



لا يعنى هذا أننا ننكر دور مجموعة من الإعلاميين ومن المثقفين والفنانين، لعبوا دورًا طليعيًا، فى ثورة ٣٠ يونيو، وكانوا شجعانًا، امتلكوا جسارة أن يواجهو مبكراً وطوال الوقت الجماعة الإرهابية، لكن هذه الثورة أكدت على معنى مهم، فقد أتاحت للمثقفين أن يخرجوا من “الجيتو الذائف والمقيت الذى وضعوا فيه لعقود تحت مسمى “جماعة المثقفين”، فى ٣٠ يونيو التحموا بالجماهير وبالشعب، ومن أسف أن البعض من الإعلاميين ومن المثقفين والفنانين يحاولون استعادة الجيتو والتخندق فيه ثانية, حين يتحدث كل منهم عن أنه كان صاحب الشعلة فى الثورة وأنهم هم الذين “عملوها”.



أيها السادة الثورة لا تكون بدون الشعب، والفضل الأكبر فيها للشعب وجماهيره، ومن يقول بغير ذلك لديه حول سياسى وفكري.

ads
ads
ads
ads
ads