الإثنين 23 يوليه 2018 الموافق 10 ذو القعدة 1439
عبد القادر شهيب
عبد القادر شهيب

30 يونيو والأمريكان!

الجمعة 06/يوليه/2018 - 02:44 م
طباعة
بدون انحياز الجيش للشعب فى ٣٠ يونيو ما كان يمكن أن ننجح فى التخلص من كابوس مخيف مفزع عشناه لمدة عام كامل، وهو حكم الإخوان الفاشى المستبد، ولكنا الآن قد فقدنا دولتنا الوطنية ومعها هويتنا الوطنية.. وهذا ما فطن إليه مبكرا الكثير من المصريين وقتها ولذلك خرج الآلاف منهم قبل ٣٠ يونيو إلى الشوارع وتحديدا أمام وزارة الدفاع يهتفون: انزل ياسيسى.. وجاءهم هم وبقية جموع الشعب المصرى منه فى شكل بيان عام للقيادة العامة للقوات المسلحة يطمئنهم بأن القوات المسلحة لن تسمح لأحد بالاعتداء عليهم أو النيل منهم وأنها سوف تحمى تظاهراتهم، كما تمنح للجميع مهلة لمدة أسبوع وإلا مارست دورها فى حماية الأمن القومى للبلاد.



أما قرار انحياز القوات المسلحة للشعب فى ٣٠ يونيو والذى اتخذه المجلس الأعلى لها بالإجماع، فهو لم يكن قرارا سهلا أو بسيطا، وإنما كان قرارا شديد الصعوبة، فى ظل المعلومات التى توفرت لدى القيادة العامة للقوات المسلحة حول المخطط الكبير الذى أعدته جماعة الإخوان التى أعلنت النفير العام لإنقاذ حكمهم، وفى ظل الدعم الواسع والكامل واللامحدود الذى حظى به الإخوان من الأمريكان، الذين تحركوا مبكرا لحماية حكم الإخوان والمحافظة عليه من السقوط، غير مكترثين بغضبة الشعب المصرى الكبيرة ورغبته العارمة التخلص من حكمهم الفاشى والمستبد.



لقد كان مخطط الإخوان الذى كشفته أجهزة المخابرات واسعا ومركبا وشاملا، ويتضمن إعلانا بحرب واسعة على الشعب المصرى كله.. فهو كان يقتضى فتح أربع جبهات فى وقت واحد.. جبهة من الجنوب، حيث تهاجم مجموعات إرهابية غير مصرية البلاد، وتتعاون معها جماعات إرهابية مصرية أهمها الجماعة الإسلامية لفرض السيطرة على الصعيد كله، وإحكام قبضتها على الجهاز الإدارى وإسقاط سلطة الدولة به، وطرد قوات الشرطة منه، وذلك باقتحام مبانى المجالس المحلية ومقرات المحافظات والمدن ومراكز الشرطة والكنائس وممتلكات الأقباط وإحراقها.. وهدا ما حاول الإخوان تنفيذه بالفعل فور فض اعتصامى رابعة والنهضة.. أما الجبهة الأخرى فقد كانت فى الشمال الغربى.. حيث تهاجم مجموعات إرهابية غير مصرية أيضا عبر الحدود مع ليبيا مصر وتتعاون معها جماعات جهادية وإرهابية مصرية وعدد من المسلحين المؤيدين للإخوان والمنتمين لهم، وذلك للسيطرة على المنطقة الغربية، وإحكام قبضتها إداريا عليها، وإسقاط سلطة الدولة فيها من خلال استمالة عدد من شيوخ القبائل.. بينما كانت الجبهة الثالثة فى سيناء، حيث كان من المقرر أن تهاجم مجموعات مسلحة عبر الحدود مع غزة أراضى سيناء وتتعاون معها المجموعات المسلحة المصرية التى استوطنت سيناء خلال سنة حكم الإخوان. وكان الهدف هو السيطرة على شمال سيناء وتحقيق أكبر إيذاء نفسى وبدنى للقوات المسلحة وقوات الشرطة الموجودة فيها على غرار ما حدث فى مذبحة رفح الثانية.. ويتبقى بعد ذلك الجبهة الداخلية، وقد خطط الإخوان لتفجير واسع لها من خلال مجموعات مسلحة من عدد من مدن وقرى مصر، تقوم بعمليات قتل وتخريب وترويع للمصريين، حتى يتوقفوا عن التظاهر والاحتجاج، والأهم حتى يسقط منهم عدد كبير من القتلى فى الشوارع، ويكون ذلك مسوغا لطلب تدخل قوات أجنبية أمريكية وأوربية ومن حلف الناتو بعد تصوير تدخل القوات المسلحة لحماية الشعب وإنفاذ إرادته على أنه انقلاب عسكرى، وهذا ما بادر به علنا عصام الحداد القيادى الإخوانى والذى كان يعد وزير خارجية الإخوان فور إعلان عزل مرسى عصر يوم الثالث من يوليو.



لذلك كان يتعين أن يسبق إعلان القيادة العامة للقوات المسلحة بيان مهلة الأسبوع نشر القوات فى مواقع ستة لتأمين كل الحدود المصرية، شمالا وجنوبا وشرقا مع توجيه تحذيرات صارمة لمن يفكر فى اقتحام هذه الحدود على غرار ما حدث فى يناير ٢٠١١، فضلا عن السيطرة على كل المواقع الحيوية فى البلاد، خاصة مقار الحكومة ومقار المحافظات ومعظم المنشآت الرسمية، والمحاور الرئيسية والمهمة فى كل ربوع البلاد. وتم ذلك كله قبل ٣٠ يونيو، وأكملت القوات المسلحة سيطرتها على ما تبقى من مواقع قبل إعلان الفريق السيسى خارطة المستقبل، التى أشار إليها فى بيان القيادة العامة للقوات المسلحة الأول من يوليو، بعد أن خرج طوفان من الشعب المصرى فى شوارع محافظاته المختلفة مطالبين بسقوط حكم المرشد.



غير أن هذا المخطط الذى أعده الإخوان بإعلان حرب شاملة على الشعب المصرى، ليس وحده الذى أضفى صعوبة على قرار القوات المسلحة بالانحياز للشعب فى٣٠ يونيو، والتحرك لإنفاذ إرادته وصياغة خارطة للمستقبل تنقذهم من حكم الإخوان الفاشى والمستبد.. كان هناك أيضا الانحياز الأمريكى للإخوان والدعم الذى منحوه لحكمهم والمساندة له فى مواجهة الرفض المصرى له.. بل والقتال، وهذا ليس تعبيرا مجازيا، من أجل استمرار فرض هذا الحكم الفاشى المستبد على الشعب المصرى.. والمثير للدهشة أن الأمريكان فعلوا ذلك قبل وأثناء وأيضاً بعد ٣٠ يونيو، رغم أنهم نصحوا الإخوان بتقديم بعض التنازلات لاحتواء الغضب المصرى قبل ٣٠ يونيو مثل تغيير حكومة هشام قنديل والقبول بتغيير بعض مواد دستور الإخوان (دستور٢٠١٢)، وعدم الإفراط فى استخدام العنف، وكلها لم يستجِب لها الإخوان فى حينه.



ومع ذلك استمر الأمريكان فى دعمهم وحماية حكمهم، بوسائل شتى من بينها مطالبة القوات المسلحة المصرية بالنأى عن نفسها عما يحدث وعدم الانحياز للشعب المصرى، بدعوى أن تكون كما قالت ذلك بوضوح المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية وقتها أن تكون القوات المسلحة المصرية داعمة للاستقرار فى البلاد وخلق التهدئة وليست قوة ضد الاستقرار!



وهذا الدعم الأمريكى الكبير والضخم للإخوان فى ٣٠ يونيو ليس أمرا مفاجئا أو مثيرا للدهشة فى ظل ما تكشف بوضوح عنه، وسردت العديد منه فى بعض كتبى خاصة كتاب اغتيال مصر بجزءيه، حول سعى الأمريكان لتمكين الإخوان من حكم مصر منذ وقت مبكّر جدا قبل الانفجار الشعبى فى ٢٠١١، والذى تمخض عنه تنحى مبارك عن حكم البلاد، ولم يزعج واشنطن وقتها انحياز القوات المسلحة المصرية لإرادة الشعب المصرى، بينما انزعجت بشدة عندما تكرر ذلك بعدها بعامين فى ٢٠١٣، بل وفعلت كل ما فى وسعها لتحول دون حدوث هذا الانحياز.



لقد رأى الأمريكان منذ وقت مبكّر أن تمكين الإخوان من حكم مصر هو الأفضل لهم ومفيد لتأمين مصالحهم فى المنطقة.. ومن خلال اتصالات بدأت سرية ثم تحولت إلى العلنية بين الأمريكان والإخوان على مدى سنوات عديدة وتكثفت بدءا من نهاية عام ٢٠٠٥، اتفق الطرفان على خطة تمكين الإخوان تفصيلا من حكم مصر، وذلك بعد أن وافق الإخوان على كل طلبات الأمريكان وشروطهم، وفيما بعد عام ٢٠١١ سجل الإخوان موافقتهم على كل شروط الأمريكان فى وثيقة مكتوبة وقعها كل من مرشد الجماعة محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر، تم تسليمها للرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر حينما زار مقر الإخوان فى منطقة المقطم، ولذلك خرج ليشيد بهم علنا وبالنجاح الذى حققوه فى الانتخابات البرلمانية، ورآه يشى بحب المصريين لهم، وليس بمهاراتهم فى خداع المصريين الذى لم يدُم طويلا، فانتفضوا ضدهم بعد شهور قليلة من توليهم الحكم.. ومن وقتها لم يكن الإخوان يتخذون قرارا بدون التشاور فيه مع الأمريكان.. بل إنهم لم يقرروا المشاركة فى الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٢ إلا بعد أن حصلوا على موافقة الأمريكان، وجاءتهم الموافقة عبر السيناتور كيرى الذى لم يكن تولى بعد مسئولية وزارة الخارجية الأمريكية، عندما طلب منهم المشاركة فى هذه الانتخابات خلال زيارة قام بها للقاهرة فى بداية عام ٢٠١٢



ولأن الأمريكان خططوا لسنوات من أجل تمكين الإخوان من حكم مصر، كان أمرا مفهوما أن يقاتلوا من أجل حماية حكمهم، رغم أنهم لا يعفونهم من الوقوع فى أخطاء كثيرة أودت بحكمهم فى نهاية المطاف، وهو ما عبرت عنه بوضوح هيلارى كلينتون فى مذكراتها أو كتابها، خيارات صعبة، عندما كتبت تقول :(وطدت جماعة الإخوان المسلمين سلطتها، ولكنها فشلت فى الحكم بطريقة شفافة أو شاملة، تصادم الرئيس مرسى كثيرا مع القضاء، وسعى إلى تهميش خصومه السياسيين بدلا من بناء توافق وطنى واسع، ولم يقم بما هو فاعل لتحسين الاقتصاد، وسمح باضطهاد الأقليات، بما يشمل المسيحيين الأقباط ).. غير أنه ما دام الحبيب يبلع الظلم لحبيبه، فقد غفر الأمريكان للإخوان كل ذلك الإخفاق الذى أشارت له هيلارى كلينتون للإخوان، وقاموا بدعمهم بقوة للاحتفاظ بهذا الحكم على غير إرادة الشعب المصرى عندما انتفض ضدهم فى ٣٠ يونيو كطوفان هادر غطى مصر كلها من الإسكندرية إلى أسوان، قوامه ملايين البشر التى لم تشهد مصر خروجها بهذا العدد الضخم من قبل فى تاريخها القديم أو المعاصر.



ومن أجل احتفاظ الإخوان بالحكم أوقف الأمريكان المساعدات العسكرية لمصر المقررة منذ اتفاق كامب ديفيد، وسعوا لتحريض دول أوربية وإفريقية على حصار مصر، بل إنهم حاولوا مع بعض الدول العربية الخليجية أن تخفف مساندتها لمصر.. والأهم من ذلك كله أنهم حرضوا الإخوان على عدم القبول بالواقع والتسليم بما حدث والانصياع لإرادة الشعب المصرى.. بل إنهم طالبوهم بالاستمرار فى اعتصامهم فى رابعة والنهضة، وتوسيع نطاق هدا الاعتصام، وأيضاً الانخراط فى العنف، وعدم الاستجابة لأى وساطات تنصحهم بوقف العنف والقبول بالواقع الجديد والتعايش معه مقابل استمرار نشاط جماعتهم، رغم أن هناك بعض قياداتهم كانت مستعدة للقبول بهذه الوساطات، وهو ما سوف أتناوله تفصيلا فى كتابى الجديد عن الفترة الانتقالية التى تولى فيها المستشار عدلى منصور رئاسة البلاد مؤقتا وأشرف على تنفيذ بندين أساسيين من خارطة المستقبل، هما الدستور الجديد وانتخاب رئيس جديد للبلاد عام ٢٠١٤.



وهكذا وقف الأمريكان موقفا معاديا ورافضا لإرادة الشعب المصرى فى ٣٠ يونيو، عندما ساندوا بقوة الإخوان وسعوا لفرض حكمهم الفاشى المستبد علينا، وحاولوا حماية الإخوان من الجرائم التى ارتكبوها فى حق الشعب، بل وحرضوهم على الاستمرار فى ممارسة العنف الذى طال المواطنين العاديين فى البلاد.. ومع ذلك انحازت قواتنا المسلحة للشعب وقامت بحماية إرادته.. وهذا موقف لا يمكن أن ننساه لها ولقيادتها وللرئيس السيسى.
ads
ads
ads
ads
ads