الإثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440

في ذكرى رحيله.. يوسف وهبي ونهاية صديقة الشيطان

الأربعاء 17/أكتوبر/2018 - 06:40 م
الهلال اليوم
خليل زيدان
طباعة

تحل اليوم ذكرى رحيل عميد المسرح الفنان يوسف وهبي الذي أثرى السينما والمسرح بروائع أعماله وأدواره ، وقد حصل على البكوية في العهد الملكي نظير ما قدمه من خدمات للفن ونهضته ، وفي ذكرى رحيله نسرد مغامرة له رواها بنفسه لمجلة الكواكب في 8 عدد  فبراير 1949 .


اعترف يوسف بك وهبي بمداومته على رهانات سباق الخيل وارتياده نوادي القمار في بداية حياته وفي عز مجده الفني أيضاً، فقد روى بنفسه في حكايته هذه بأنه هم بارتياد كازينو ضخم على ساحل الريفيرا بمونت كارلو في صيف 1947 تدور فيه عجلة الحظ على الموائد الخضراء، وفيه تذهب الثروات الضخمة في لحظات، وبينما كان يصعد الدرج الرخامي للكازينو رأى إمرأة محطمة بالية الثياب، التقت عينه بعيناها ولمح فيهما وميضاً يشبه الذعر ، ما جعل يوسف وهبي يتوقف عن السير ويراقبها وهي تختفي عن ناظريه عند المنحنى، وأخذ يتذكر أين رأى تلك المرأة من قبل، وتقدم منه أحد البوابين وسأله: هل تعرف هذه المرأة ؟ فأفاق وهبي من شروده قائلاً : يخيل إليّ أني رأيتها من قبل .. فقال الآخر: بلا شك ، فهي ملكة الجمال في عام 1930 وقد دمرتها الخمر وتخلى عنها الحظ فهوت عن عرشها وضاعت ملايينها .

 

انهالت الذكريات فجأة على رأس يوسف وهبي وتذكر تلك المرأة، فهي صاحبة أعجب مغامرة واجهها في حياته، فاستند إلى أحد الأعمدة وراح يستعيد ذكرياته مع تلك المرأة ، ففي عام 1930 سافر مع فرقة رمسيس إلى أمريكا الجنوبية ، وفي بوينس آيرس استقبلتهم الجالية اللبنانية بترحيب شديد، وأعدت لهم موكباً فخماً في الفندق الكبير الذي سيقيمون فيه، وقد لوحظ أن الفندق يموج بالنزلاء فعرف أن ملكات جمال العالم يزرن عاصمة الأرجنتين، وبدأ وهبي حفلاته المسرحية على مسرح البلدية وصدرت الصحف في اليوم التالي تفيض بالثناء على فرقة رمسيس.


وفي أصيل ذلك اليوم جلس وهبي في ردهة الفندق فإذا به يلمح إمرأة فائقة الجمال، وعلى حد قوله لم ير لها شبيهاً، وتساءل كيف وضع الله كل هذه الفتنة في إمرأة واحدة، فقد كانت جميلة كفينوس وجمالها مخيف، فقد شعر وهبي أن الشيطان يسكن جسد هذه المرأة ، فالعيون تحاصرها في ذهول وكأنهم يرون حلماً من أحلام قدماء الإغريق يعود إليهم بجمال الماضي بما فيه من جمال وجلال، واقترب من المرأة رجل بدين أسمر البشرة تحدث معها وردت عليه ثم قامت وانصرفا معاً، وقد رآها وهبي عدة مرات مع ذلك الرجل، الذي تقدم في أحد الأيام من يوسف وهبي وفي يده جريدة تصدر في بلاده ، وأخبر وهبي بأدب بأن صورته منشورة في الجريدة مع مقال به ثناء على فرقته المسرحية، وقام بترجمة المقال بالفرنسية، ثم أخبر وهبي بأنه من المعجبين بشخصه وفنه هو والسيدة التي معه، فعرف وهبي بأنها السيدة الفاتنة ليست زوجته.

 

وقف يوسف وهي في المساء على المسرح يؤدي دوره فإذا به يجد السيدة تجلس في المقصورة الأولى ترتدي فستانا أسود وفي عنقها عقد من الماس لم ير مثيله، فأخذ يجيد التمثيل وهو يلقي بنظراته نحو المرأة الفاتنة التي لم يجد منها أي علامة إعجاب أو تصفيق في نهاية المشهد أو نزول الستار، لكنه في الليلة الأخيرة له في بيونس آيرس شاهد المرأة في المقصورة الأولى تصفق له لأول مرة مع ابتسامة ساحرة، وعند عودته إلى الفندق وجد زوجته تعاني من برد شديد فاتصل بصديق له من الجالية اللبنانية كي يرسل زوجته لتكون بصحبة زوجته في مرضها، فعلى الفرقة أن تذهب غداً لتقديم عروضها لمدة أسبوعين داخل الأرجنتين.

 

سافر وهبي إلى مدينة روراريو بصحبة فرقته وبعد أن قاموا بعرض مسرحية "كرسي الاعتراف"، اتجه إلى الفندق وطلب مفتاح حجرته التي يقيم فيها فإذا بالموظف يخبره أن زوجته حضرت منذ ساعتين وهي في الحجرة تنتظره هناك، فصعد إلى حجرته فوجد المرأة الغامضة تنتظره بعد أن علمت بتخلف زوجته ومرضها، فبدأ تعرفه بنفسها وهي تملك قصراً في الريفيرا ومنزلاً آخر في ضواحي باريس ويسعدها أن تلتقي به هناك، فأخبرها أنه أوشك على ترك الأرجنتين وسيغادر إلى فرنسا قريباً ، وأكدت له هي أيضاً أنها ستغادر وتعود إلى باريس وطلبت منه أن يحتفظ بحقيبة صغيرة كأمانة معه وسوف تأخذها منه في باريس.

 

فتحت الحسناء الحقيبة الصغيرة فإذا بها مملؤة بالجواهر الثمينة والماس، وقالت لوهبي أنها تريد الهرب من صديقها الذي يحتجز جواز سفرها ، وسوف تهرب بمساعدة بعض الأصدقاء وربما يكون الطريق محفوفا بالمخاطر فتضيع الثروة التي معها، لذا طلبت منه أن يحتفظ بالمجوهرات ويسلمها لها في باريس، وراود الشك يوسف وهبي، لعلها لصة وتريد منه مساعدتها في تهريب المجوهرات، فرفض بأدب شديد ، وهنا غضبت المرأة وانصرفت بسرعة ، وبعد أسبوعين عاد إلى بيونس آيرس وقد وجد رجال الشرطة في انتظاره.

 

بدأ رئيس الشرطة في استجواب يوسف وهبي وسأله عن صلته بالمرأة الغامضة، فتردد وهبي وقبل أن يجيب قدم له الشرطي صحف المدينة التي صدرت وبها صورة المرأة، وأخبر وهبي بأن تلك المرأة هي أخطر جاسوسة زارت أمريكا الجنوبية، فقد أوقعت بجمالها العديد من رجال الدولة وحصلت منهم على العديد من الوثائق وأغدقوا عليها بالهدايا الثمينة والمجوهرات وقد اختفت منذ أسبوعين بعد أن كشف أمرها .. طافت كل تلك الذكريات برأس يوسف وهبي وهو مازال مستنداً إلى أحد الأعمدة وأفاق على صوت البواب وهو يقول أنها تحضر أحياناً إلى هنا لتجرب حظها، لقد فقدت كل شئ، قصرها على الريفيرا ورصيدها الضخم في البنوك حتى مجوهراتها فقدتها على الموائد الخضراء .. فهمس وهبي لنفسه .. لقد سكن جسدها الشيطان وأفقدها ثروتها وقصرها وتركها حطاماً بعد أن ذبل جمالها .. وما الدنيا إلا مسرح كبير.