الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440

من كتب حكم تيران وصنافير؟!

الإثنين 30/يناير/2017 - 11:57 ص
 يوسف القعيد
يوسف القعيد
طباعة

بقلم –  يوسف القعيد

كان التدوين شاهداً على حضارة مصر، ولولا التدوين ما قرأنا شكاوى المصرى الفصيح. ولا ملحمة: الطلوع إلى النهار التى نعطيها عنواناً لا يمت لها بصلة: كتاب الموتى. ولولاه ما وقفنا أمام مصر التى اخترعت التاريخ، ولا قرأنا الكتب المقدسة.

ما إن صدر حكم مصرية تيران وصنافير، ورغم فرحى الشديد واعتبارى أن اليوم الذى صدر فيه ١٦ يناير يطاول أياما مجيدة حجزت لها مكاناً فى تاريخ الوطن منذ مينا موحد القطرين وحتى الرئيس عبد الفتاح السيسى، اهتمامى كان موجهاً لمن دوَّن الحكم. من صاغه؟ من أعطاه نكهة الإحساس بالوطن، وجعله ليس مجرد حكم محكمة يُعلن ويمضى. ولكنه واحد من مواثيق الوطنية المصرية.

عند قراءة فقرات الحكم، جرى بداخلى إحساس جعلنى أتجه لقاضٍ واحد من قضاة مصر، لابد أن صاحبه المستشار محمد عبد الوهاب خفاجى. لم أره حتى الآن، وما جرى بيننا اتصالات تليفونية،
لكن، من حفائر وجدانى حُكم أصدره فى ١٢/١/٢٠١٥، الخاص بمولد أبو حصيرة الذى كان يقام فى قرية دمتيوه، مركز دمنهور، بمحافظة البحيرة. وفى حكمه حكم القاضى بإلغاء مولد أبو حصيرة الذى كان يقام فى ديسمبر من كل عام. يومها كتبت فى هذا المكان، وفى سياق هذا المقال ما كان عنوانه: بداية مفرحة لسنة جديدة. كان الاستهلال هكذا:

- يكفى ذكر كلمة قاضٍ فقط، لا توصف بأية صفات، لا أكتب قاضيا شريفا أو نزيها أو وطنيا أو محترما أو مهنيا، لأن كلمة قاضٍ تحتوى كل الصفات دون حاجة للتذكير بها أو الإشارة إليها.

صدق حدثى، وتأكد إحساسى، فالمستشار خفاجى الذى كان رئيس المحكمة التى أصدرت حكم أبو حصيرة هو العضو اليمين والمستشار المقرر فى قضية تيران وصنافير. وهو الذى كتب الحكم، ثم أصدرته المحكمة بإجماع الآراء. والحكم يقع فى ٥٩ فلوسكاب، وفى كتابته روح مصر ووجدان مصر وتجليات الكتابة الأدبية التى تلتزم بالقانون ولا تغفل الإحساس بالوطن.

سيسألنى القارئ عن رئيس المحكمة، وهذا حقه علينا. وعلى المستشار خفاجى. إنه المستشار أحمد الشاذلى، ذهلت عندما عرفت عنه ما لم تكتبه صحفنا. فأحمد الشاذلى ابن شقيق سعد الشاذلى، أحد وجوه العسكرية المصرية المشرقة والمتألقة، والتى حفرت لنفسها مكاناً عند قمة وجدان مصر. ولد أحمد الشاذلى في أسرة ريفية لأب مزارع، فى قرية شبراتنا، مركز بسيون، محافظة الغربية، في ٥ يناير ١٩٥٥، إنه في الثانية والستين من عمره.

التدوين مسألة فردية. ومن يكتب لابد أن يترك من ذاته أثرا فيما يكتبه، حتى لو كان نصاً قانونياً صارماً. ولو كان حيثيات حكم محكمة. ينطق به باسم الشعب. ويعبر عن جزء من إرادة الوطن. مستحيل جلوس هيئة محكمة لتدون حكماً. لكن التاريخ سيقف ليحدق فيمن ستوكل له المحكمة كتابة الحكم. والتى نسميها نحن العامة: حيثيات الحكم.

وهكذا جلس محمد عبد الوهاب خفاجى وحده، وأمامه سنوات طويلة من كفاح المصريين من أجل الحرية، يرى أطياف الشهداء يمرون أمامه فى مواكب الخلد، ومن قبل ذلك حوَّم حول هيئة المحكمة: أحمس طارد الهكسوس، وكل من جادوا بأرواحهم دفاعاً عن تراب مصر، عن حريته ووحدته واستمراره. فالمعجزة الحضارية المصرية تلخصها كلمات: تحدى الاستمرار، التحدى والاستجابة، ورموز هذه الملحمة لابد أن نستحضرهم فى وجداننا.

رأى المستشار محمد عبد الوهاب خفاجى، أحمد عرابى، وعبد الله نديم، ومحمد عبده، وقاسم أمين، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول، وعلى عبد الرازق، ومصطفى النحاس، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وبيرم التونسى، والشيخ زكريا أحمد، والشيخ محمد رفعت، ومحمود مختار، وسيد درويش، وليلى مراد، ونجيب الريحانى، وفاتن حمامة، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر وصحبه ورفاقه من أبطال يوليو العظام، حتى وصل إلى الرجل الذى يحمل على كتفيه عبء الوطن آناء الليل وأطراف النهار الرئيس عبد الفتاح السيسى.

من صنعوا لمصر وجهها النبيل، ومن جعلونا نردد فى كل لحظة: لا مصر إلا مصر، ونقول: لكم مصرنا، ولنا مصرنا. المستشار الذى عهدوا إليه بكتابة الحكم لابد أنه عاد للمكتبات، وقرأ آلاف الصفحات، وتوقف فى منتصف المسافة الحرجة بين عذوبة الأدب والفن، وصرامة القوانين، وجفاف الدساتير، وحاول أن يستخرج منها الحكم الذى عشناه كأنه عيد من أعياد الوطنية المصرية.

لحظة النطق بالحكم أحسست أن مصر تعود لنا سليمة من معارك التطرف والإرهاب، ومن مواجهة الأعادى، ومن أطماع الغرباء، كما أننى لم أتوقف لحظة أمام نصوص القوانين، ولم أنظر إلى الخرائط، ولم أجرِ وراء دروب التاريخ، ولم أعطِ أذنى ووجدانى لأحد.

تعلمت منذ ستينيات القرن الماضى أن الوطن هو الوطن. وأن كل ما يخص الوطن يعلو على الجدل والنقاش، ويسبق الخرائط، ويلغى دروس التاريخ، لأن ذرة تراب من رمال الوطن تساوى أعمار أجيال من أبنائه. يقولون فى دنيا القضاء: الحكم عنوان الحقيقة. وفى قضية تيران وصنافير أكتب: أن الحكم يصلح أن يكون عنواناً جديداً لمصر، يشير نحوها ويدلنا عليها ويأخذنا إليها لكى نغتسل ونتطهر ونعود لمصر كما لو كنا نعيش معها اللحظة الأولى فى الدقيقة الأولى فى الساعة الأولى فى اليوم الأول، ليس من عمر مصر، ولكن من عمر الدنيا.

محمد عبد الوهاب خفاجى، مولود فى الرمل بالإسكندرية، المدينة التى أضاءت للدنيا فجر الحضارة، ميلاده كان فى ٢/١٢/١٩٦٠، وتخرجه كان سنة ١٩٨٣ من كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، ورغم أن الرجل يصف نفسه بكلمة مستشار ولم يحدث من قبل أن أسبق اسمه بالدال نقطة، التى يحرص عليها الآخرون ويعتبرونها العنوان الذى لا عنوان غيره.

خفاجى حاصل على الدكتوراه فى مبدأ الفصل بين السلطات، بحث فى الأساس الفلسفى والتاريخ عبر العصور، ولم يسبق اسمه بلقب الدكتور.

أتمنى طباعة الحكم، وأقرأ منه: الحفاظ على تراب الوطن والدفاع عنه فريضة محكمة وسُنَّة واجبة. تراب ارتوى بدماء الشهداء، لابد أن يبقى ثابتاً بحدوده شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً.

 

 

ads
ads
ads
ads