الإثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440
عمرو سهل
عمرو سهل

خطوات قبل اللا مبالاة

الخميس 27/ديسمبر/2018 - 11:06 م
طباعة

مازالت كلمات الرئيس السيسي الغاضبة خلال افتتاحه مشروع بشاير الخير 2 بالاسكندرية يرجع صداها في نفسي حين أشار إلى تعود المسئولين على التعايش مع المخالفة والمخالفين ..وهنا تساءلت كيف يصير المؤتمن خائنا بين يوم وليلة؟! هل يألف المسئول "تكبير الدماغ بين عشية وضحاها؟!

بالتأكيد لا.. بل هناك خطوات وخطوات في مشوار التحول وانتكاس الفطرة السليمة التي جبلت على الأمانة والصدق والشرف لتعتاد وتألف الخيانة والكذب والخسة.

ولا يمكن لعقل أو منطق يقول إن الدولة حين تختار مسئولا لا تكترث إن كان شريفا او غير شريف فبالتأكيد تختار أفضل العناصر لتمنحهم المسئولية ليكونوا شهداء عليها فلا أحد يولد لصا أو مرتشيا أو خائنا.

إذن من أين يبدأ قطار التحول من مسئول طموح مجد مثابر مبتكر إلى متكاسل متراخٍ مفرط غير مبالٍ يبدأ هذا القطار من محطة الإحباط حين تنهار قوى رجل مخلص يمنح مسئولية ليحافظ عليها وينميها فيلتف حوله فاسدون يعرقلون طموحه ويعاقبونه على شرفه وجده واجتهاده .. نعم سيقاوم أي شريف ذلك الإحباط الذي يواجهه .. نعم سيطلب العون في مواجهة هؤلاء الفسدة من كل من يلتمس فيه تقديرا لشرف أو تعظيما لأمانة أو إخلاص.. لكن إلى متى يظل يقاوم وحيدا وإلى متى يلهم من حوله الثبات على الحق؟!

لاشك أن قواه ستخور وحماسه سيفتر وستدور بذهنه مجموعة أسئلة منها هل أنا من سأخوض المعركة وحدي.. لماذا لا يستأصل فساد أشرت إليه وأثبته وبات كنار على علم؟ لماذا أبقى في تصريف أمور لا أستطيع تحويل دفتها من مسار خاطئ إلى آخر صحيح ولماذا يخجل الحق في مواجهة الشر ومن يضع العراقيل في طريق هذا البلد ومقدراته؟!

وخطوة خطوة حين يرى المسئول المخلص أنه وحده من يدفع كلفة مواجهة الفسدة وأن هناك من يخشى جرح إحساسهم وفضح خبثهم ينتقل المسئول من مرحلة الإحباط إلى مرحلة الخوف على نفسه بدلا من أن كان خوفه على ما أسند إليه من أمانة أن يهتز أو يضطرب وهنا تحدثه نفسه التي تعرضت لصدمة شديدة في عبارات الإخلاص ووصايا المخلصين عن التلون عن اصطناع الشرف عن القدرة على التحدث بعباراته صباحا والعيش بنقيضه مساء وهنا سيدخل المسئول في صراع نفسي مع مبادئه القديمة فتارة ينحاز لها وأخرى يلعنها وبمرور الوقت وغياب المحاسبة يألف المسئول الإهمال وينشغل بجمع المال وتوسيع قاعدة معارفه من الفسدة حتي يحفظوا له وقتا أطول في موقعه دون قلق.

الأمر الخطير أن ذلك الفساد لا ترصده أجهزة الرقابة لأنه فساد داخلي بني على أطلال معاناة في طريق نصرة الحق فمن ذا الذي يستطيع رصد تقاعس عن الإبداع في موقعه ..عن إعمال العقل في موقعه.. عن المجاملة القلبية لهذا أو ذاك كلها أمور لا ترصدها عدسات ولا تلتقطها مكبرات صوت.

ثم تأتي المرحلة الأخيرة ليستقر قطار انتكاس الفطرة السوية داخل كل منا إلى محطة اللامبالاة وهنا نكون أمام فريقين أحدهما شريف والآخر غير ذلك الفريق الأول سيرفع راية اللامبالاة من باب قلة الحيلة وهوان الحق فيقرر أن يبقى في موقع قيادته وحيدا يرقب انهيار سفينة قيادته لحظة بلحظة وساعتها سيكون مرتاح الضمير لأنه جهر بالحق لكن لم يكن له أنصار يقدمون له العون.

الفريق الآخر سيركب قطار اللامبالاة انتقاما من مبادئ أربكت حياته ومن رفقاء تخلو عنه وساعتها سيكون المسئول هو أحدث المنضمين إلى فريق الفسدة من حوله يرقبهم ويسمع لهم ويوسع لهم الطريق.

 

لقد وضع الرئيس السيسي دائرة ضوء كبيرة على هؤلاء حين قال "أنا لوحدي ما أقدرش" "هفضل أنا اللي اتكلم لوحدي" عايزني أسكت أسكت .. فإذا كان كل هذا الغضب يصدر من أعلى قيادة تنفيذية في الدولة فما بالنا بإحباط من دونه نتيجة عجزهم عن التغيير واستئصال المعرقلين.

إن بناء شخصية سوية أمر سهل  لكن المحافظة عليها هو الاختبار الحقيقي ..هو المحك الحقيقي ودون ذلك سنبقى في دائرة إعدام معنوي تجذرت داخل الدولة ومؤسساتها تفرم بأسنانها الحادة أي جهد مسئول قرر أن يواجهها وهنا سنجد العشرات من المسئولين الذين حذر منهم الرئيس الذين يألفون الخطأ ويعشقون المخطئين.

وقليل هم يا سيادة الرئيس من يرفعون شعار الحق حق وإن هجره الجميع والباطل باطل وإن سار خلفه الجميع        

ads
ads
ads
ads
ads
ads