الإثنين 30 نوفمبر 2020 الموافق 15 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

في مئويتها.. كيف أنقذ الصبي مصطفى أمين مذكرات ثورة 1919؟

الخميس 21/فبراير/2019 - 11:44 م
الهلال اليوم
خليل زيدان
طباعة

في مثل هذه الأيام من عام 1919 بدأت المناوشات التي أدت إلى أحداث لتصبح وقوداً لثورة 1919 والتي بدأت وتأججت في التاسع من مارس من نفس العام، بعد أن وقع للثورة شهداء وخرجت الجماهير من شتى أنحاء مصر تعبر عن غضبها وسخطها، وهي تعتبر أول ثورة شعبية تجمع بين كل أطياف المجتمع وفئاته سواء دينية أو عمرية وشاركت فيه النساء بحضور واضح .. وقبل أن نتطرق إلى أحداث ثورة 1919 بنوادر الصور، وجب الوقوف أولاً على مصير يوميات الثورة وأحداثها التي دونها سعد زغلول بخط يده من المناوشات الأولى حتى يوم رحيله في مذكراته.

 

مونولوج سعد زغلول

"ويل لي من الذين يطالعون من بعدي هذه المذكرات" .. تلك هي الجملة التي كتبها سعد باشا زغلول في مذكراته التي كتبها بخط يده في الكراس رقم 28 صفحة رقم 1581 من المذكرات، فقد كتب سعد زغلول تلك المذكرات لنفسه فقط، ليفرغ فيها شحنات همومه اليومي وانفعالاته، سواء كانت تلك الإنفعالات في صورة قلق أو غضب، أو خوف أو أمل، أو حزن أو فرح، وبحسب ما كتبه المؤرخ الكبير عبد العظيم رمضان الذي قدم تحقيقاً عن مذكرات سعد زغلول ونشر الجزء الأول منها عام 1987 ، بعد أن دقق فيها سبع سنوات عندما كلفه الشاعر صلاح عبد الصبور بنشر تحقيق عند المذكرات، وقد كان عبد الصبور رئيساً للهيئة، أن المذكرات كتبها سعد زغلول بخط غير واضح، ولم يستخدم فيها علامات الترقيم، وكأنما كان يكتب لنفسه، فهو يسر إليها بأدق خلجات شعوره في أمان تام، واطمئنان إلى كتمان السر، فقد اعتبر الورق خله الوفي وأتمنه على أدق أسراره، وكانت المذكرات بمثابة الصديق لسعد زغلول، فكلما أراد الإنتفاضة قرأ منها آخر ما كتبه، ليبدأ نشاطه بجولة جديدة من الجهاد في سبيل حرية الوطن.

 

مصطفى أمين ينقذ المذكرات

كتبت مذكرات سعد زغلول في 53 كراسة، وصفحاتها مرقمة من 1 إلى 3018، كان هذا هو الترقيم الظاهر للمذكرات، بينما الترقيم الفعلي فيختلف تماماً، لأن من قام بالترقيم هي الآنسة فريدا كابي الألمانية، وقد عاشت في منزل سعد زغلول وعملت كمترجمة له، وأيضاً كوصيفة لأم المصريين، وروت فريدا بأن الكراسات كانت مبعثرة مابين غرفة مكتب سعد زغلول في الدور الأول ببيت الأمة وغرفة المكتبة في نفس الدور، وظلت هكذا حتى وفاة سعد زغلول، وقد وقع حادث كاد يؤدى إلى فقدان إحدى عشرة كراسة، فقد تعود زغلول أن يكتب المذكرات في كراسات مدرسية، ويترك في أولها وآخرها صفحات بدون كتابة، وبعد رحيله هم أحد الموظفين بتنظيف المكتبة، وقد وجد تلك الكراسات القديمة فنظر في أولها وآخرها وظنها بدون كتابة وألقى بها في سلة المهملات، وتصادف أن رأى مصطفى أمين وهو إبن رتيبة، بنت أخت سعد زغلول، وكان عمره آنذاك إثني عشر عاماً، هذه الكراسات في السلة ، فأخذها لاستعماله الخاص، ولكنه اكتشف وجود المذكرات بها فأعادها إلى السيدة صفية زغلول.

 

حبس المذكرات في البنك

تميزت مذكرات سعد زغلول بأنها يوميات، تكتب يوماً بيوم، وبالتالي تحتفظ بكثير من دقة الحوادث وتفاصيلها، وهذا مالا تملكه المذكرات التي تكتب بعد انقضاء الأحداث بسنين، فالأخيرة يطلق عليها "ذكريات" لأنه بالفعل تغيب عنها التفاصيل ويكثر الخطأ، كما يكثر الخلط أحياناً، أما مذكرات ثورة 1919 التي كتبها سعد زغلول فقد كان يكتبها لنفسه وليس للجمهور، لذا اتسمت بنبرة الصدق والأمانة، فلا أحد يكذب على نفسه، ولم يصف فيها زغلول نفسه بالمدافع أو البطل، بل لام نفسه كثيراً في العديد من أحداثها، وأدان نفسه في كثير من المسائل، وهو يقدم رؤيته الخاصة لأحداث ثورة 1919، والوقائع التي شارك فيها، ورسم زغلول في المذكرات صورة حية وأمينة عن الصراع الذي كان يدور بين المثلث الجدلي الذي يحرك الأحداث التاريخية في ذلك الوقت، أي الصراع بين الحركة الوطنية وقوات الإحتلال والقصر، وعندما فاجأ الموت سعد زغلول وفتحت وصيته، أوصى فيها بأن تكون مذكراته في حوزتة خليفته في حزب الوفد، بالإشتراك مع إبن شقيقته فتح الله بركات، وأن تنشر المذكرات في الوقت الذي يراه .. وقد وقعت المذكرات في يد مصطفى النحاس الذي أودعها في خزانته الخاصة، وفي عام 1930 تعرض الوفد للإضطهاد على يد وزارة إسماعيل صدقي فخشي عليها النحاس ونقلها من خزانته إلى خرينة خاصة في بنك مصر.

مصطفى وعلى أمين يرفضان نشر المذكرات

ظلت مذكرات سعد زغلول عن ثورة 1919 حبيسة في بنك مصر من عام 1930 حتى عام 1948، وفي ذلك العام بدأ إسماعيل صدقي في نشر ذكرياته بمجلة المصور الصادرة عن دار الهلال، وتناول فيها قصة تأليف الوفد المصري، وحاول أن يسبغ فيها على نفسه الفضل الأول في ثورة 1919 ، وهنا طلب الوفد بشخص محمود سليمان غنام من مصطفى النحاس الإطلاع على مذكرات سعد زغلول للرد على إسماعيل صدقي، فوضعها النحاس تحت تصرفه، ونشر منها غنام سبع مقالات في جريدة صوت الأمة وكانت اقتباسات من المذكرات .. وقد كان الأستاذان مصطفى وعلى أمين من ورثة سعد زغلول، وفي نفس الوقت كانا في خصومة سياسية مع الوفد، واعترضا على نشر المذكرات، ولكن النحاس لم يأبه باعتراضهما، فقد تحرر بينه وبين الورثة جميعاً اتفاقاً يمكنه من النشر، لكن غنام خشي من فرد الحراسة القضائية على المذكرات، فأعاد الكراسات التي اقتبس منها إلى خزائن البنك .

 

بقي أن نشير إلى أن المذكرات ظلت في خزينة النحاس ببنك مصر حتى قيام ثورة 1919 وألغيت الأحزاب، فرفع ورثة سعد زغلول قضية يطالبون برفع حيازة النحاس عن المذكرات، وحكم القضاء باستمرار الحيازة حتى أبريل 1963 وقد رأى النحاس إعطاء حق الحراسة للدكتور محمد بهي الدين بركات بوصفه أحد الورثة، وأيدت المحكمة التنازل وانتقلت المذكرات من خزانة بنك مصر إلى منزل بركات، وفي نفس العام قررت لجنة من وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للوثائق إظهار المذكرات للنور فتسلمتها من بركات كي تتولى لجنة كتابة التاريخ رصد الوقائع التاريخية من خلال مذكرات سعد زغلول.

الكلمات المفتاحية