الأربعاء 16 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1441

للعام الثاني على التوالي.. الحرب على الفساد تتصدر برنامج عمل الاتحاد الإفريقي

الخميس 11/يوليه/2019 - 05:30 م
الهلال اليوم
الهلال اليوم
طباعة
للعام الثاني على التوالي، حتَّم التحدي الكبير الذي يفرضه الفساد على التنمية في القارة الإفريقية وضع مهمة مكافحته في مقدمة أولويات برنامج عمل الاتحاد الإفريقي الذي تتولى مصر رئاسته على مدى العام الحالي، وصولا للمكافحة الشاملة الجماعية لآفة الفساد التي باتت ظاهرة تعني الدول الإفريقية بطريقة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة، ما يعكس إدراك دول الاتحاد بخطورة الظاهرة وأثرها في تقويض جهود التنمية، ومدى ما تحتله من أهمية لدى الكثير من دول القارة التي تسعى للتصدي للفساد لتحقيق تطلعات شعوبها في العيش الكريم.

مكافحة الفساد في إفريقيا تركزت أهدافه في التشديد على أهمية تفعيل الآليات والأطر القانونية والتنظيمية التي وضعتها دول القارة لمكافحة الفساد، وتشجيع وتعزيز الجهود المبذولة في هذا الصدد، والتي تضمنتها اتفاقية الاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد، وبروتوكول "سادك" لمكافحة الفساد، وبروتوكول "الإيكواس" لمكافحة الفساد.

وتعمل دول القارة من خلال الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الفساد على مناهضة الفساد بالآليات اللازمة، والقضاء عليه، وتعزيز التعاون بين الدول الأطراف لضمان فاعلية التدابير والإجراءات الخاصة بمنعه، والجرائم ذات الصلة في إفريقيا، وتنسيق وموائمة وتسهيل السياسات والتشريعات بين الدول الأطراف، حيث تدرك الدول الإفريقية بوضوح أن الفساد يمثل تهديدا خطيرا للمبادئ والقيم الأساسية، ويعيق الديمقراطية والنمو الاقتصادي، ولذلك فإن هناك قبولا عاما لضرورة معالجة المشكلة بطريقة مستدامة.

ورغم تكثيف الدول الإفريقية جهودها في السنوات الأخيرة لمكافحة الفساد، وتزايد التعاون الإقليمي في هذا المجال فيما بينها، إلا إن العام الماضي كان نقطة فاصلة في هذا الميدان، وذلك بحسب ما أكده رئيس اتحاد هيئات مكافحة الفساد في إفريقيا إيمانويل أوليتا أوندونجو، حيث اختارت القمة الإفريقية التي عقدت بالعاصمة الموريتانية نواكشوط في العام الماضي يوم 11 يوليو يوما للحرب على الفساد في إفريقيا على مستوى القارة.

ويرجع الاهتمام المتزايد بمكافحة الفساد إلى تكلفته الاقتصادية والتنموية الباهظة، حيث قدرت الأمم المتحدة كلفة الفساد في إفريقيا بنحو 148 مليار دولار سنويا، من بينها 50 مليار دولار جراء التدفقات المالية غير المشروعة، الأمر الذي يؤكد ضرورة المعالجة الشاملة لهذه القضية التي تحظى بأهمية قصوى بين أولويات قضايا التنمية في القارة.

ويؤثر الفساد بالسلب على إيرادات الموازنات العامة للدول، والكفاءة الاقتصادية للمؤسسات، وكفاءة وفعالية التنظيمات الإدارية العامة، فضلا عن تأثيره على بيئة الاستثمار، وما يترتب عليه من اتساع الاقتصاد الخفي، إلى جانب تقييد فرص النمو الاقتصادي وتزايد معدلات الفقر.

وتمثل الحرب على الفساد مهمة قتالية، وواحدة من أهم وأشرس معارك الشأن الداخلي، وتخصيص يوم 11 يوليو للحرب على الفساد يأتي ليزكي الاهتمام المتزايد من قِبل دول القارة بمكافحة الفساد، وتعزيز التعاون الإقليمي في هذا المجال، حيث تؤكد التقارير العالمية أن جهود مكافحة الفساد تعطي دفعة هائلة باتجاه تحقيق التنمية المستدامة.

وخلال رئاستها للاتحاد الإفريقي، عززت مصر هذا المبدأ بتنظيم واستضافة المنتدى الإفريقي الأول لمكافحة الفساد الذي عُقد في مدينة شرم الشيخ في شهر يونيو الماضي، وحظي بمشاركة واسعة من الدول الإفريقية، وتناول بالبحث والمناقشة كافة الجوانب المتعلقة بهذه القضية، وشدد على الاهتمام المتزايد الذي توليه الدول لقضايا مكافحة الفساد في إطار سعيها لتعظيم الاستفادة من كافة الموارد المتاحة ورفع كفاءة استخدامها، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لجهود تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

ولمصر تجربة واقعية وناجحة في منع ومكافحة الفساد تقودها هيئة الرقابة الإدارية، ويعطي الرئيس عبد الفتاح السيسي أكبر دعم ومساندة لها، حيث يتم توجيه ضربات موجعة للفاسدين أيا كانت مناصبهم، وبهذه التجربة أصبحت مصر دولة إفريقية نموذجية في مكافحة الفساد، حيث طالبت العديد من الدول الإفريقية بالاستفادة من التجربة المصرية بعد التعرف على الجهود الوطنية في تنفيذ أهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ونشر قيم النزاهة والشفافية بوحدات الجهاز الإداري للدولة، والتي تتوافق مع محاور الآلية الإفريقية.

ويمكن للدول الإفريقية الاحتذاء بتجربة مصر الواقعية في مجال مكافحة الفساد والضرب على أيدى الفاسدين، مع التركيز على أهمية دعمها بإرادة سياسية، حيث أخذ هذا الموضوع منحى شديد الجدية منذ تولي السيسي رئاسة مصر، وذلك بإطلاقه المعركة ضد الفساد حتى لا يؤثر على التنمية.

وفيما يعد الفساد ظاهرة عالمية، والتحدي الأكبر للحكم الرشيد والنمو الاقتصادي المستدام والسلام والاستقرار والتنمية، فإن القارة الإفريقية دائما ما يُنظر إليها باعتبارها المنطقة الأكثر فسادا في العالم، وبالتالي فإن معالجة الفساد يجب أن تتم بطريقة استراتيجية وشاملة، وأن تحظى بأهمية قصوى في أولويات التنمية في القارة، حيث تشير الأرقام التي أعدها الخبراء إلى أن الموارد المحولة جراء الفساد بأفريقيا يمكنها لو تم استثمارها أن تعوض اللجوء للمساعدات الخارجية.

ولقد تضمنت الخطط والاستراتيجيات الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة في العديد من دول القارة -ومن بينها مصر- محاور خاصة بمكافحة الفساد في إطار الاستراتيجيات الأممية والإقليمية والوطنية للتنمية المستدامة، وتضمنت جهود مكافحة الفساد المصرية على المستوى الوطني -وفقا لرؤية مصر 2030- إيلاء الدولة اهتماما كبيرا بتكثيف جهودها لتعزيز كفاءة المؤسسات، ومكافحة الفساد في خطتها الوطنية لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، وإجراء إصلاحات تشريعية، وإجراءات تحقق الشفافية والحوكمة وتمنع الفساد وفقا للقانون وإصلاحات مؤسسية وإجراءات وقائية، فضلا عن الإجراءات التي ترتبط ببناء الإنسان وزيادة الوعي وثقافة مكافحة الفساد.

وفيما يمثل محور الشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية بندا أساسيا في تلك الجهود، فإنه تحقيقا لأهدافه، تقوم مصر حاليا بإجراء خطة شاملة لإصلاح وحوكمة الجهاز الإداري تشرف على تنفيذها وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، بالتعاون والتنسيق مع مختلف الجهات المصرية، وتهدف الخطة إلى رفع كفاءة المؤسسات وتعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد.

وتسلط خطة الاتحاد الإفريقي للقضاء على الفساد الضوء على ظاهرة تدفق أموال القارة للخارج ونهب ثرواتها وحرمانها من الاستفادة منها، والسعي لتوحيد الجهود من أجل القضاء على ظاهرة غسل الأموال، بالتنسيق مع الدول المستقبلة لتلك الأموال حتى تسد الطريق في وجه الفاسدين، وتمنعهم من الاستفادة من الأموال المنهوبة وإضافتها لثرواتهم الخاصة، والتنبيه إلى ضرورة تحويل الجهود المبذولة إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع حتى تؤتي أثرها، وذلك من خلال ترجمتها إلى إجراءات وقوانين تنفيذية يسهم في تطبيقها الجميع (الحكومات والمؤسسات والأفراد).