الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

في ذكرى إنشائه.. لماذا أصر «شامبليون» على إقامة المتحف المصري ؟

الإثنين 29/يونيو/2020 - 04:11 م
الهلال اليوم
خليل زيدان
طباعة

في مثل هذا اليوم من 185 عاما أصدر محمد على باشا أمرا بإنشاء المتحف المصري ومصلحة الآثار، ورغم أن محمد علي يعتبر باني مصر ونهضتها قديما وأكمل النهضة المعمارية من بعده الخديو إسماعيل، إلا أن فكرة إنشاء دار لحفظ الآثار المصرية لم ترد على ذهن أي منهما، بل كاد إسماعيل أن يفرط في بعض الآثار الفرعونية للإمبراطورة "أوجيني" لولا رفض "أوجست مارييت" .. فكيف ولدت فكرة إنشاء المتحف أو دار الآثار.. نرصد التفاصيل في السطور التالية من خلال ما نشر بهذا الشأن في عدد الهلال أول يونيه 1974.

 

الحملة الفرنسية تضر وتفيد

تفتحت أبواب مصر على العالم الخارجي في أعقاب الحملة الفرنسية عام 1799، فوفد إلينا الكثير من الأجانب لمشاهدة أطلال معابدنا القديمة واستهوتهم آثارنا، التي حملوا الكثير منها عند مغادرتهم مصر، فامتلأت قصور ملوك أوروبا وأمرائها وأثريائها ببعض من آثار مصر، ورغم الضرر الواقع الذي ألحقته الحملة بمصر ومنها نقل الكثير من آثارنا الفرعونية إلى فرنسا وفتح الباب للأجانب لسلب الكثير منها، إلا أنه ظهرت لهم حسنة مفيدة وهي اكتشاف حجر رشيد وفك رموزه على يد العالم "شامبليون"، ما جعل العالم يتمكن من قراءة وترجمة الكتابة الموجودة على جدران المعابد والمقابر الفرعونية وأوراق البردي.. بل وزاد اهتمام العالم بآثارنا بعد ظهور كتاب "وصف مصر" الذي ألفه علماء الحملة الفرنسية ونشر في باريس بين عامي 1809 و1813.

 

شامبليون ينتفـض

بدا العالم يعرف قيمة الآثار المصرية، فأتي المنقبون من شتى بقاع العالم لمحاولة العثور على ما خفي من الآثار ومحاولة اقتنائها بشتى الطرق، وشجعهم قناصل دولهم الأجنبية على التنقيب وساعدوهم على نقل الكثير مما وجدوه إلى بلادهم لتصبح نواة للأقسام المصرية في المتاحف الأوروبية .. ومع عودة شاملبيون إلى مصر عام 1828 هاله ما رآه من نبش المقابر الفرعونية والحفر في المعابد بحثا عن الكنوز، فسارع بكتابة مذكرة إلى والي مصر محمد على باشا يقترح فيها إنشاء دار لحفظ الآثار الفرعونية، وعارض قناصل الدول الأجنبية تنفيذ تلك الفكرة التي تسد عليهم طرق سلب الآثار والكنوز المصرية، وبعد خمس سنوات استجاب لها محمد على وأصدر قرارا في مثل هذا اليوم عام 1835 بإنشاء دار لحفظ الآثار، وحدد لها مكانا في مبنى صغير على ضفاف بركة الأزبكية، وعين رفاعة الطهطاوي رئيسا لهذا المتحف.

 

ضياع أول متحف للآثار

لم يكن المتحف كبيرا ليستوعب ما عثر عليه من آثار آنذاك، ولم تكن الطبقة الحاكمة نفسها تهتم بالمحافظة على الآثار الفرعونية، فكان الكثير منها عند العثور عليه يضل طريقه إلى المتحف ويقع في أيدي التجار، كما أسرف الولاة في أهداء الأجانب الوافدين إلى مصر العديد منها، وكان ذلك سبب قلة محتوى المتحف بدلا من زيادته، وتم نقل ما تبقى منها إلى إحدى حجرات القلعة وبقيت هناك حتى عام 1845، وعند زيارة الأرشيدوق النمسوي ماكسمليان إلى مصر، طلب من الوالي أن يهديه بعض من تلك الآثار، فأمر بإعطائه كل ما كان بالقلعة من آثار، وبذلك نسف محمد على أول متحف لحفظ الآثار.

 

مارييت يقيم متحفا جديدا

أوفدت الحكومة الفرنسية العالم الفرنسي "أوجست مارييت" إلى مصر لشراء بعض المخطوطات القبطية عام 1850، ونسي مهمته التي جاء من أجلها، وأسرع في التنقيب عن الآثار فكشف مدفن العجول المقدسة "السرابيوم" بسقارة، وطلب من الخديو سعيد المحافظة على ذلك الكشف الأثري وما يتم العثور عليه من كنوز أخرى، ونجح في إقناع سعيد بإنشاء دار لحفظ الآثار، وعين "مارييت" أول مدير لدار الآثار الجديدة، واختار لها مكانا على ضفاف النيل في بولاق، وضع في أربع حجرات منه الآثار الصغيرة، أما الكبير منها فقد تم وضعه في حديقة المتحف، وفي عام 1859 تم العثور على تابوت الملكة "اياح" وكان به مجوهراتها وحليها الذهبية، وأراد مدير قنا التقرب إلى الخديوي سعيد فأمر بنقل الصندوق بمجوهراته إليه، وفور علم "مارييت" بالحدث استشاط غضبا وحاول اللحاق بالصندوق قبل وصوله إلى الخديوي ولم يفلح، فذهب إليه وروى له ماحدث فسر الخديوي بما سمع واحتفظ لزوجاته بجزء من الحلي وأعطي الباقي لـ "مارييت" ليصبح النواة الأولى لصالة الحلي بالمتحف المصري.

 

أوجيني تطمع في آثارنا

أدى "مارييت" للخديوي سعيد خدمة أسعدته، فقد سلمه دعوة رسمية بخط نابليون لزيارة فرنسا لمناقشة إقراضه ما يحتاج من أموال يسدد بها ديونه الي غرق فيها، وأراد سعيد مكافأة "مارييت" بملبغ كبير من المال، فرفض "مارييت" وطلب فقط مبنى جديد يتسع للمزيد من الآثار، وانتهى العمل منه عام 1863، وكرس "مارييت" بقية حياته لخدمة المتحف والنهوض به، وفي عام 1867 أقيم معرض عالمي بباريس، وتمكن "مارييت" من الحصول على موافقة المسئولين بإرسال بعض الآثار لتعرض في الجناح المصري الذي بني على الطراز الفرعوني، وطوال ستة أشهر لاقت آثارنا إقبالا وتهافتا شديدا ، وبعد انتهاء المعرض طلبت الإمبراطورة "أوجيني" بقاء هذه الآثار بفرنسا، فوافق الخديو إسماعيل وكان قد تولى الحكم خلفا لسعيد، وعلق موافقته بموافقة "مارييت"، إلا أن الأخير رفض وعادت الآثار إلى مقرها في مصر، وفي العام التالي كان فيضان النيل الذي أغرق المتحف، وتوفي "مارييت" فجأة، وبعد فترة قصيرة عثر على خبيئة الدير البحري، ما جعل "جاستون ماسبيرو" الذي خلف "مارييت" يحدث توسعات في المبنى القائم ليستوعب ما عثر عليه.

 

ماسبيرو ينشئ متحف التحرير

في عام 1890 نقل المتحف من بولاق إلى الجيزة، وشغل أحد قصور الخديوي إسماعيلـ الموجود بحديقة الحيوان ، وشغلت الآثار حجراته التسعين، وتداعى المبنى نظرا لقدمه، ما جعل "ماسبيرو" يلح في إقامة مبنى جديد للمتحف، فاختيرت الأرض المقام عليها حاليا في ميدان التحرير، ولبناء المتحف أقيمت مسابقة عالمية فاز فيها مشروع المهندس الفرنسي "مارسيل دبروين".. وبعد انتهاء البناء نقلت الآثار من الجيزة إلى المبنى الحالي بميدان التحرير والذي احتفل بافتتاحه عام 1902.