السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 07 ربيع الأول 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

في ذكرى رحيله.. هيلا سيلاسي حافظ الود بين مصر وأثيوبيا

الخميس 27/أغسطس/2020 - 10:14 م
الهلال اليوم
خليل زيدان
طباعة

يجد الباحث في كتب التاريخ وأروقة الماضي أن العلاقات المصرية الأفريقية وخصوصا الأثيوبية تضرب بجذورها في عمق التاريخ، إن لم تكن بسبب شريان الحياة التي يربط بينهما وهو نهر النيل فقد كانت هناك عوامل أخرى منها الإنسانية  والتي ظهرت جليا في عهد الخديو إسماعيل، فلم يكن الرجل فقط حامل لواء النهضة المصرية في العمارة والتحضر خلفا لمحمد على باشا، بل امتدت طموحاته لبسط النفوذ المصرية على ساحل البحر الأحمر عبر الدول الأفريقية، وكثيرا من المدن في تلك الدول حولها إسماعيل من عشش للصيادين إلى مدن حضارية ربطها بالموانئ المصرية كما جاء في كتاب "مصر في أفريقيا الشرقية" الصادر عام 1939 للدكتور محمد صبري.

 

خطط الخديو إسماعيل لجعل مصر مركزا للتجارة العالمية من خلال إنشاء قناة السويس وبسط نفوذ المملكة المصرية ليشمل كامل الساحل الغربي للبحر الأحمر مخترقا السودان وإريتريا وأثيوبيا والصومال، ليصبح مينائي زيلع وبربرة على المحيط الهندي تحت الحكم المصري ومعها "كسمايو" في عمق الصومال وأيضا مدينة "هرر" في أثيوبيا ، منافسا بذلك انجلترا وفرنسا وإيطاليا في مد نفوذها في العمق الإفريقي .

 

ومن المعروف في العصور السابقة إن تجارة الرقيق الأفريقي كانت منتشرة بشكل يقشعر له الأبدان، ومن منطلق الحفاظ على آدمية الإنسان الذي كرمه الله واصطفاه دون المخلوقات، فقد كلف الخديو إسماعيل الجنرال صموئيل وايت بيكر والذي تم تعيينه في الجيش المصري عام 1873 في منطقة منابع النيل وحاكما للسودان بالقضاء على تجارة الرقيق في مناطق منابع النيل والتي تمتد عبر مدينة "هرر" الإثيوبية، ولم يكن أمام وايت بيكر إلا تشكيل بعثة ضم إليها محمد رؤوف باشا لمطاردة تجارة الرقيق عبر مديرية خط الإستواء ، وعند وصول رؤوف إلى هرر ضمها إلى المملكة المصرية وأصبح حاكما لها بعد ترقيته إلى رتبة اللواء عام 1875 كما عين أيضا حاكما عاما للسودان .. ومن يذهب إلى مدينة "هرر" الإثيوبية يجدها المدينة الإسلامية الوحيدة في إثيوبيا التي تدين جميعها بالديانة المسيحية، فهل امتدت أيادي الخديو إسماعيل بالعمارة الإسلامية وبناء أكبر المساجد بـ "هرر" الإثيوبية التي كانت تحت حكم المملكة المصرية والتي تعتمد اللغة العربية لغة ثانية لها حتى الآن؟

 

ورغم تراجع نفوذ الدولة المصرية وخروج تلك الموانئ والمدن من حكم المملكة المصرية فقد ظلت الروح المصرية والعربية فيها حتى الآن، أما العلاقات المصرية الإثيوبية فقد كانت بدايتها القوية والوثيقة مع تولي الإمبراطور هيلا سيلاسي حكم إثيوبيا والذي حرص مع توليه الحكم أن يكون مطران الكنيسة الأثيوبية مصريا، وعند تتويجه إمبراطورا أوفد الملك فؤاد الأول ستة من كبار رجال القصر لتهنئة سيلاسي، وأهداه الملك فؤاد أيضا بعض الهدايا منها صالون كامل من مصنوع على الطراز العربي، وفي عهد الملك فؤاد انهالت المطالب الإثيوبية على مصر عبر الكنيستين المصرية والإثيوبية، لتلبي مصر مطالب سيلاسي المتمثلة في تعليم بعثات الطلبة الإثيوبيين مجانا في مصر مع كفالتنا لمصاريف إقامتهم وملابسهم، وأيضا إيفاد المدرسين المصريين لتعليم الشعب الإثيوبي وتتحمل مصر أجورهم.

 

ازدهت أيضا العلاقات المصرية الإثيوبية مع بداية ثورة يوليو 1952، متمثلة في شخص الإمبراطور هيلا سيلاسي الذي دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للمشاركة في منظمة الوحدة الإفريقية، وجعل إديس أبابا مقرا لها، واستمرت يد العون المصرية ممتدة بالمحبة والإخاء لهيلا سيلاسي والشعب الإثيوبي، وطوال سنوات حكم الرئيس عبد الناصر لم تنقطع زيارات سيلاسى السنوية لمصر، والتي أتاح له فيها عبد الناصر الاطلاع والاستفادة من خطط التنمية المصرية المتمثلة في إقامة المصانع الكبرى وأيضا زيارة ثكنات الجيش المصري والكلية الحربية .. وكان الرئيس أنور السادات منذ توليه الحكم أيضا حريصا على دوام العلاقات الوثيقة بين البلدين، فقد استقبل هيلا سيلاسي مرات عديدة عند حلوله ضيفا على مصر، وشارك السادات في احتفالات منظمة الوحدة الأفريقية بعيدها العاشر في أديس أبابا في مايو 1973.