الأربعاء 21 أكتوبر 2020 الموافق 04 ربيع الأول 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

«رائحة الخيانة 4».. محمد الباز يكشف دور وضاح خنفر عميل الـCIA في تحريض هيلارى كلينتون على مصر

الأحد 18/أكتوبر/2020 - 12:05 ص
الهلال اليوم
طباعة

 يحاول كثير من المحللين السياسيين التعامل مع دور قناة الجزيرة فى أحداث يناير ٢٠١١ على أنه كان لغزًا كبيرًا، ويقرون بينهم وبين أنفسهم أنه لا يزال عصيًا على الفهم، إذ ما الذى يدفع القناة القطرية إلى أن تلعب دور المحرض على الثورة؟ ما الذى يدفعها إلى إشعال الحرائق إلى الدرجة التى لم يكن لديها أى مشكلة فى حرق مصر كلها؟

 

لا أزال أذكر ما فعلته قناة الجزيرة طوال يوم ٢٨ يناير، عندما جعلت من فيديو لطفل صغير يصرخ وهو يقف فى أحد الشوارع: «مصر بتتحرق» أيقونتها، تكرره بين فواصلها التى تخللت تغطيتها المباشرة والمستمرة لما يحدث فى مصر.

 

ولا يمكن أن أنسى استخدامها لفيديو آخر لعدد ممن قتلوا فى الأحداث وهم فى المشرحة على طاولات متفرقة، حيث استخدمته طوال يوم ٢٩ يناير، وهو الفيديو الذى ساعد فى شحن المشاعر ضد نظام مبارك، وساعد بدرجة كبيرة فى انقضاض المصريين عليه، فهو النظام الذى قتل أولادهم ولا يجب أن يبقى ولو ليوم واحد فى الحكم، لأنه لو بقى فحتمًا سيقتل الجميع، ليكون المصير واحدًا، وهو أن يرقد المصريون فى المشرحة تستعرضهم كاميرا بلا روح.

 

لم يكن الأمر عفويًا أبدًا، بل كان مخططًا.

 

كنت فى مكتبى أتابع ما يحدث فى الميادين، قبل أن تنفجر بالغضب صباح ٢٨ يناير، الخبر الذى كانت تلح عليه قناة الجزيرة هو اختطاف الأمن لمذيعها الإخوانى أحمد منصور، الذى انقطع الاتصال به قبل ساعات ولم يعثر عليه أحد، كانت القناة تطالب السلطات المصرية بأن تُفصح عن مصير منصور الذى جزمت أنه حتمًا فى حوزتها.

 

خرجت من مكتبى قاصدًا ميدان التحرير، الذى لم أكن أعرف أن الدخول إليه فى هذا الوقت- حوالى الواحدة ظهرًا- من المستحيلات، ركبت التاكسى الذى أخذ كوبرى أكتوبر من الدقى، وقبل أن ينزل إلى شارع رمسيس وجدت من يمنعه من العبور.

 

نزلت من التاكسى واتجهت إلى شارع رمسيس سيرًا على القدمين، وقبل أن أدخل شارع عبدالخالق ثروت، وجدت أحمد منصور يقف مختبئًا فى مدخل إحدى العمارات التى تطل على الشارع، قلت له: الجزيرة تعلن أنك مختطف، وقد يكون من المناسب أن نخبرهم بأنك موجود.

 

قد لا يذكر أحمد منصور هذا الموقف، وقد لا يذكر أيضًا ما قاله، وكان مفاجئًا بالنسبة لى، قال: اتركهم.. هذا مقصود.

 

فى هذه اللحظة أدركت أن كل شىء مُعد ومرتب مقدمًا، وأن كل ما يحدث على شاشة القناة القطرية تم الإعداد له، فقد أرادت الجزيرة تغذية الغضب فى الشوارع بمثل هذه الأخبار المفبركة، والتى لا أصل لها.

 

كان أداء الجزيرة ملفتًا، وربما لهذا تحركت السلطات المصرية ضدها، وهو ما يبدو واضحًا من الرسائل التى أرسل بها وضاح خنفر، مدير عام الشبكة وقتها، إلى هيلارى كلينتون.

 

 

وضاح خنفر مع تميم

 

الرسالة «١٨»

 

فى الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة أرسل وضاح خنفر رسالة إلى جوديث ماكهيل، وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشئون الدبلوماسية العامة، بعنوان عاجل يقول لها فيها: «عزيزتى جوديث، اتصل موظفو مكتبنا فى القاهرة للتو ليقولوا إن الشرطة فى طريقها لإغلاق مكاتب الجزيرة فى القاهرة، لقد تركوا لنا رسائل لإعداد أنفسنا، ونحن نخطط للقيام بتغطية متجددة حتى تنفيذ آخر عملية اعتقال».

 

ويضيف «خنفر»: «كما تعلمون فإن الشعب المصرى كله يعتمد علينا لتقديم أحدث المعلومات حول ما يحدث على أرض الواقع، لقد واجهنا حتى الآن الرصاص والغاز المسيل للدموع وشرطة تحمل الهراوات للقيام بذلك».

 

يكشف «خنفر» بعد ذلك فى رسالته عن جانب مما يحدث على الأرض من وجهة نظره، يقول: «ترى الجزيرة فى ذلك تصعيدًا دراماتيكيًا، ليس فقط ضد حريات الشعب المصرى، بل ضد أمل الصحافة الحرة فى العالم العربى، يقوم به أكبر حليف لأمريكا، وهو ما بدا من انتقاد الجنرال عمر سليمان، نائب الرئيس ورئيس المخابرات السابق، لأداء الجزيرة».

 

وقبل أن ينهى وضاح خنفر رسالته يناشد الحكومة الأمريكية، بصفتها أكبر مساهم فى المساعدات المالية والسياسية للحكومة المصرية، أن توقف هذه الحملة القمعية على موظفيه والصحافة تماشيًا مع مثلها وقيمها الهائلة.

 

وقع وضاح خنفر رسالته باسمه وصفته كمدير عام لشبكة الجزيرة، وأثبت رقم تليفون ٠٠٩٧٤٤٨٩٦٠٠٠، ويبدو مما قاله أنه لا يستعين بالخارجية الأمريكية لدعم قناته فى تغطية مهنية للأحداث فى مصر، ولكنه يحرض بشكل واضح على مصر، ويلقى بمسألة المساعدات المالية والسياسية التى تقدمها الإدارة الأمريكية لمصر، فى إشارة إلى أن التلويح بأن قطع هذه المساعدات يمكن أن يكون له فعل السحر فى كف يد النظام المصرى عن القناة وعما تفعله.

 

حرص وضاح خنفر على الإشارة إلى القمع الذى تتعرض له قناة الجزيرة بسبب تغطيتها الأحداث، دون أن يشير إلى أن إجراءات النظام المصرى ضد القناة كان بسبب تحول القناة من وسيلة إعلامية، من المفروض أن تؤدى عملها بحياد، إلى أداة محرضة وسلاح فى يد المتظاهرين، تقدم لهم الدعم وترشدهم وتنظم عملهم وتشحنهم لمواصلة ما يقومون به.

 

ردت جوديث ماكهيل على رسالة وضاح خنفر بقولها: «ما هو التحديث عن مكتبك؟ هل تم إغلاقه؟ هل تم اعتقال أى من الصحفيين لديك؟ هل تأثرت منافذ الأخبار الأخرى؟».

 

وعلى الفور يرد «خنفر» بقوله: «عزيزتى جوديث، نعم لقد أصدروا قرارات إغلاق لشبكة الجزيرة باللغتين العربية والإنجليزية، ويهددون باتخاذ إجراءات جنائية إذا استمر مراسلونا بأى شكل من الأشكال فى أداء وظائفهم، كما سحبت وزارة الإعلام اعتماد مراسلى الجزيرة رسميًا، وأخبرت وكالة أسوشيتد برس بأنه سيتم سحب اعتمادها إذا قدمت لنا أى صور أو مواد، وفى خطوة غير مسبوقة علمنا الآن أن وزير الإعلام قد أمر شركة نايل سات بإزالة باقة شبكة الجزيرة بالكامل من القمر تاركًا جمهورنا المقيم فى شمال إفريقيا فى الظلام تمامًا، نحن نبحث عن بدائل ونتحدث ونرحب باقتراحاتكم، قطعت قوات الأمن خطوط هواتفنا فى القاهرة ومنعت خدمة الإنترنت لدينا، مرة أخرى يواجه صحفيونا مرمى النيران ويجبروننا على التكيف، كما هو الحال فى تونس فإن شبكتنا سوف تتكيف وتتغلب، ولكن إذا كان بإمكانك التفكير فى الأمر فنحن نقدر أن نتمكن من القيام بوظائفنا».

 

بعثت جوديث ماكهيل ما أرسل به وضاح خنفر إلى سليفان جاكوب، مستشار هيلارى، الذى أرسله بدوره إليها، وقال لها: «أجبت خنفر وأكدت مرارًا وتكرارًا على حماية حرية الصحافة، لقد اتصلت بخنفر صباحًا وطلبت منه تحديثًا لما يحدث فى الجزيرة فى حالة ظهوره فى أى مقابلات».

 

من المهم هنا أن نعرف مَن هو وضاح خنفر؟

 

قبل أن تعرف مَن هو، فقد يكون من المناسب أن نراجع سويًا ما جاء فى وثائق ويكيليكس ونشر فى سبتمبر من العام ٢٠١١ عن «خنفر»، فقد كان طبقًا لما جاء فى هذه الوثائق يتعاون مع المخابرات العسكرية الأمريكية حول الأخبار التى تنشرها قناة الجزيرة، إذ كانت ترسل له برقيات تحمل ملاحظاتها على بعض الأخبار، كما أنه كان دائم اللقاء مع مسئولى الشئون العامة فى المخابرات العسكرية الأمريكية، وهى اللقاءات التى بدأت فى العام ٢٠٠٥.

 

الملاحظات التى كانت ترسل بها المخابرات العسكرية الأمريكية لوضاح خنفر، الذى عمل فى وقت لاحق مديرًا لمكتب الجزيرة فى العراق، كانت تتعلق بالأخبار التى تذيعها قناة الجزيرة وتثير قلقًا للأمريكيين من وجهة نظرهم.

 

كشفت وثائق ويكيليكس أن وضاح خنفر بحث مع مسئول المخابرات العسكرية الأمريكية الموضوعات المنشورة فى موقع القناة، وأن «خنفر» أحضر ردًا مكتوبًا على البنود المذكورة فى التقارير المرسلة له فى شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر من عام ٢٠٠٥، وأنه تعهد بتقديم ردود مكتوبة ردًا على دواعى القلق الأمريكى، ووقتها قال للمسئول المخابراتى إن أحدث الموضوعات التى تثير قلق واشنطن فى موقع القناة تم تهذيبها وتهدئة لهجتها، وإنه سوف يزيلها خلال يومين أو ثلاثة.

 

المسئول المخابراتى الأمريكى وضع أمام وضاح خنفر، ملاحظاته حول أداء «الجزيرة»، وتتعلق بازدواجية المصادر فى العراق، واستخدام الفيديوهات التى تتحدث خلالها شخصيات تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية، بالإضافة إلى نشر صور إراقة الدماء.

 

كان ما قاله «خنفر» كاشفًا، فقد أكد لمسئول المخابرات الأمريكية أن قناة الجزيرة لا تستطيع موازنة تعليق أو موقف صدر عن شخص واحد ضد الولايات المتحدة الأمريكية فورًا، لكنها يمكن أن تعوض ذلك فيما بعد فى نفس البرنامج أو خلال نفس الفترة، كما أنه لا يسمح لأى موظف فى القناة باستخدام لغة بها شحن ضد الولايات المتحدة.

 

من الملاحظات التى وضعها مسئول المخابرات الأمريكية أمام وضاح خنفر، أن هناك على الموقع صورة أوراق ملطخة بالدماء ومثقوبة بالرصاص، ويضغط المشاهد على ثقوب الرصاص للوصول إلى شهود عيان مفترض أنهم يصفون العمليات العسكرية الأخيرة بالبشعة فى العراق.

 

لم يشرح وضاح خنفر، ولم يدافع عما تفعله قناته، اكتفى بأن قال: «بناء على وعد سابق لمسئول الشئون العامة بالمخابرات العسكرية، فقد اطلعت على الموضوع، وأزلت صورتين تخصان طفلين مصابين على أسرّة المستشفى، وامرأة مصابة فى وجهها إصابة بالغة».

 

تعهد وضاح خنفر، كذلك لمسئول المخابرات الأمريكية بأنه سيزيل شهادة طبيب تشير إلى استخدام القوات الأمريكية غازًا سامًا ضد السكان فى إحدى المدن العراقية، وكان هذا بعد أن أخبره المسئول الأمريكى بأن هذه الشهادة تشير إلى صحافة محرضة ومثيرة للتساؤل.

 

الأغرب من كل ذلك، ما ختم به وضاح خنفر كلامه للمسئول الأمريكى، فقد قال له فى ذل واضح: لا أقول إن مثل هذه الأشياء لن تتكرر على الموقع، ولكنها عملية تعلُّم مستمرة.

 

لا أدرى على وجه التحديد هل كان وضاح خنفر يتذكر ما جرى منه خلال العام ٢٠٠٥ فى جلساته ولقاءاته واتصالاته مع المسئول الأمريكى، وهو يبعث برسائله إلى هيلارى كلينتون، يطلب فيها حماية قناة الجزيرة والصحافة الحرة من قمع النظام المصرى، أم أن الأمر فقط هو الفارق بين أنه كان عميلًا للمخابرات الأمريكية فى العراق، أما فى مصر فقد كان عدوًا واضحًا لها؟

 

بعد نشر وثائق ويكيليكس استقال وضاح خنفر من رئاسته لقناة الجزيرة، التى استمرت من العام ٢٠٠٣ وحتى العام ٢٠١١، ورغم أن كشف عمالته كان سببًا كافيًا ليتقدم باستقالته إلا أنه ادّعى لزملائه فى «الجزيرة» أن الأمر خاص به ولا يتعلق بما ينشر، وأن سياسة «الجزيرة» لا تتوقف على أشخاص، فهى مؤسسة لها قواعدها وقيمها المهنية التى تعمل بها، وهو أمر لا يمكننا أن نصدقه فيه على الإطلاق، فالكلام شىء، وما يحدث على الأرض كان شيئًا مختلفًا تمامًا.

 

السؤال الآن: هل كان وضاح خنفر فى رسائله إلى هيلارى كلينتون يتعامل على أنه إعلامى يريد أن يحمى معالجات قناته الإخبارية حول حدث مهم مثل أحداث يناير فى مصر، ويريد أن يوفر حماية لمراسليه وصحفييه من الملاحقات والاعتداءات والاعتقالات التى ادّعى أنها تحدث، رغم أنه لم يكن لها ظل فى الواقع؟

 

عندما نعرف خلفياته السياسية والفكرية سنعرف أنه لم يكن إلا إخوانيًا يتحرك فى اتجاه استمرار الأحداث فى طريق التخريب ونشر الفوضى، حتى تكون الأرض ممهدة لصعود جماعته.

 

طبقًا للمعلومات المتوافرة عن وضاح خنفر، فهو من مواليد العام ١٩٦٨ فى قرية الرامة بالقرب من مدينة جنين بفلسطين، تخرج فى كلية الهندسة فى الجامعة الأردنية فى العام ١٩٩٠، ثم درس فى كلية الآداب قسم الفلسفة، ثم درس بعد ذلك العلاقات الدولية فى جنوب إفريقيا، كما حصل على الماجستير من جامعة إفريقيا العالمية بالسودان.

 

تشير مصادر سياسية معتبرة إلى أن وضاح خنفر، انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين عندما كان يواصل دراسته فى الأردن، وعندما انتقل إلى جنوب إفريقيا تولى إدارة التنمية البشرية فى الاتحاد الإسلامى العالمى للمنظمات الطلابية، وهو إحدى المنظمات التى لها ارتباط وثيق مع التنظيم الدولى للإخوان، وفى السودان أصبح من أبرز قيادات الجماعة، وكان له دور فاعل فى عملها التنظيمى، ومن بين ما ينسب إليه أنه بعد استقالته من قناة الجزيرة أسس موقع «هافينجتون بوست عربى»، فى ٢٧ يوليو ٢٠١٥، وهو الموقع الإخبارى الذى كان ناطقًا ومعبرًا عن جماعة الإخوان وتوجهاتها.

 

بعد أحداث ١١ سبتمبر انتقل وضاح خنفر، الذى كان قد بدأ يشق طريقه بسهولة داخل قناة الجزيرة، إلى الهند لتغطية الحرب الأمريكية فى أفغانستان، وهى الحرب التى تحولت فيها «الجزيرة» إلى ما يشبه البوق لتنظيم القاعدة، حيث أذاعت رسائل رئيس قائد التنظيم، أسامة بن لادن، وأجرت مجموعة من الحوارات مع قادته، ولم يكن وضاح، بعيدًا عن تنسيق مثل هذه اللقاءات.

 

المتابعون لقناة الجزيرة يشيرون إلى أن وضاح خنفر، عندما تولى رئاسة شبكة الجزيرة فى العام ٢٠٠٣، عمل بدأب لا ينقطع عن تمكين عناصر من الإخوان من مفاصل القناة القطرية، برعاية وتخطيط من شيخ الإمارة، الشيخ حمد بن خليفة، وهو التمكين الذى أدى إلى رحيل عدد كبير من الإعلاميين والصحفيين الذين ساءهم أن تتحول «الجزيرة» إلى مجرد قناة إخوانية، تعمل على تنفيذ أجندة الجماعة وغسل سمعتها.

 

بهذه الخلفية الإخوانية وحدها تحرك وضاح خنفر، لاستعداء الخارجية الأمريكية على مصر خلال أحداث يناير، فلم تكن رسالته إلى هيلارى إلا محاولة لرسم صورة محددة عما يحدث فى مصر، ومحاولة لدفع الإدارة الأمريكية إلى التحرك فى اتجاه مضاد للنظام المصرى، وهو ما يمثل دعمًا كانت تحتاجه الجماعة للحراك الموجود فى الشارع، ولم يفعل خنفر ذلك من موقعه كرئيس لشبكة الجزيرة فقط، ولكن من موقعه كقيادى فى جماعة الإخوان الإرهابية.

 

عندما تعيد قراءة رسالة وضاح خنفر إلى هيلارى كلينتون مرة أخرى ستكتشف أنها تحمل كل السمات الإخوانية، لا تفارقها فى أى شىء، فهو يمارس حالة كاملة من الكذب والادعاء بخصوص ما يحدث فى مصر، وهو يمارس كذلك حالة من الاستضعاف التى تجعله يبدو عاجزًا، ليس فى حاجة إلى المساعدة فقط، ولكن إلى الاستسلام، مما جعله يطلب من هيلارى أن تمده بأفكار يستطيع من خلالها أن يواجه القمع المزعوم الذى يمارسه النظام المصرى على قناة الجزيرة.

 

 

 

2003

 

عُين وضاح خنفر مديرًا لقناة الجزيرة القطرية

 

 

 

الرسالة «١٩»

 

الرسالة «20»

 

كانت الصورة التى وصلت إلى وزارة الخارجية الأمريكية عما يحدث على الأرض فى مصر معبأة برؤية إخوانية، ويمكن أن نعتبر ما قاله وضاح خنفر مجرد جزء واحد مما جرى، وساعد فى تشكيل رؤية الإدارة الأمريكية لما يحدث، وبالتالى تكوين موقفها الذى تحول إلى تصريحات عنيفة تجاه النظام المصرى.

 

لم تستمع الإدارة الأمريكية إلى صوت العقل، أو على الأقل لمن كانت لهم رؤية مختلفة لما يحدث.

 

وهو ما حدث فى الرسالة التى أرسل بها ألكسندر جيراسى، رئيس الموظفين فى مكتب شئون الشرق الأدنى، والتى أرسل بها إلى عدد من مستشارى هيلارى ومساعديها، ووصلت إليها تفاصيلها فى نفس اليوم ٣٠ يناير ٢٠١١.

 

تقول الرسالة، التى كانت ردًا على مكالمة من جو ليبرمان، عضو مجلس الشيوخ: «تحدث فيلتمان مع السيناتور ليبرمان فى حوالى الساعة الرابعة مساء اليوم، أعرب ليبرمان عن دعمه الرئيس ووزارة الخارجية، الذى قال إن رسائلهما العلنية فى المكان المناسب تمامًا، حيث توازن بين دعم التغيير والإصلاح، مع الامتناع عن الضغط العلنى على مبارك للتنحى».

 

وأشار ليبرمان، كما جاء فى الرسالة، بقلق، إلى أن الضغط العام من قِبل حكومة الولايات المتحدة لتنحى مبارك من المحتمل أن تكون له تداعيات سلبية للغاية بين حلفائنا فى العالم العربى، كما نصح ليبرمان، بمواصلة الصمت النسبى فيما يتعلق بالمساعدات لمصر، لأنهم بحاجة لتجنب الرسائل السلبية للجيش المصرى.

 

قدم فيلتمان، تحديثًا لأحداث اليوم، وشكر السيناتور ليبرمان، وقال له إنه سيمرر كلماته إلى البيت الأبيض.

 

كانت نصائح السيناتور الأمريكى سياسية فى الغالب كونها بناء على الصورة التقليدية للعلاقات التى تربط بين مصر والولايات المتحدة، لكن الخارجية الأمريكية لم تنصت إلى هذه النصائح، لأنها كانت تتحرك فى اتجاه مصر تأسيسًا على الصورة التى تكونها من الرسائل السلبية التى كانت تأتيها من مصادرها، الذين هم فى النهاية عملاؤها.

 

فعليًا لم تكن قطر بعيدة عما يحدث فى مصر، لا يحتاج هذا إلى مزيد من الأدلة الآن، لا أشير فقط إلى ما قاله وضاح خنفر، فى رسالته إلى هيلارى كلينتون، ولكن قطر كانت هناك على الخط، وأجرى مسئولوها الكبار اتصالات مع مساعدى هيلارى كلينتون.

 

يظهر هذا فى الرسالة التى أرسل بها جيفرى دى فيلتمان، إلى عدد من مساعدى هيلارى كلينتون فى وزارة الخارجية، وكان عنوانها: «رد على حمد بن جاسم حول مصر»، ونصها كان: «حمد بن جاسم، رئيس الوزراء القطرى، وكذلك يتولى مهمة وزير الخارجية، تحدث معى فى ٣٠ يناير ٢٠١١ بخصوص مصر».

 

نص المحادثة التى دارت بين حمد بن جاسم، وجيفرى دى فيلتمان، محجوب من أوراق الخارجية الأمريكية، وهو ما يشير إلى خطورة ما قاله حمد بن جاسم، وهو أمر متوقع تمامًا، فما كانت تديره الإمارة القطرية ضد مصر كان شريرًا ومخيفًا، وحتمًا سيأتى يوم ويتم الكشف عنه بشكل كامل، قصر الأمد أو طال.