السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

يوميات امرأة مثالية

الأحد 18/أكتوبر/2020 - 07:52 م
الهلال اليوم
القاضي / أحمد محمد الخليفة
طباعة
1-أمي لقد أخبرتني صديقتي أمرا وقالت لي عليك به دهرا وطبقيه مع زوجك سرا وجهرا، تعاملي معه بالند اسمحي له بالهزل نعم وغيره ولكن شخصيتك لا تذوب أبدا فتحفظي معه بالجد فالأهل كم باتوا في حرصهم عليك تربية بالكد لكي يصنعوا منك زهرة فواحة بالمجد.

قالت الأم أي بنيتي ما هذا الكلام !!!!

فالزمي الدعاء بزوج لك قدره ووصفه رفيع، حسه بديع، ليس في خلقه صفة الرقيع، كوني له شمسا يكن لك قمرا، متى غاب ظل احتوائك له لتقلب نفسيتك كالليل العتيم گأنه العرجون القديم،حضر نور اهتمامه لك في وضح النهار كسقيا الأنهار، ومتى لفحتك حرارة غضبه في المناقشات في بادئ الأمر، حلت نجوم التقارب في الوجهات طول العمر، فالنفس مجبولة على حب المحسنين حبيبتي، فجدتك عن ذلك حكت لي كيف تأسريه وعلى خطف قلبه تحوزيه ....

والرجال فاعلمي أنهم في عاداتهم يتجلى الاختلاف وفي تعاملاتهم طرق فإذا دخلتي في سبيل غير موفق معه عليك منه الانصراف، أما ما يضمن لكما السعادة هو التنازل لبعضكما واحترام الرأي وذاك ليس فيه من المخاف، لا أريد لكما الجفاف والهفهاف (العطش)،ومن الخطأ الجم ومجلب لسبل الهم هو الأخذ بنصيحة أحد في حياته يريدك مغتم أو في صدره لك حقد يستحق عليه الذم، كوني له منهل من مناهل العرفان يكن لك شؤبوب (دفعة من المطر ) يتلوه الفيض من الهيام بك والافتنان .

2-ذات مرة يا صغيرتي جئت على قدر إلى صديقتي فهي مني قريبة وعلى السر حفيظة، وقلت لها وأن أقص عليها في روية الحرف وحرية الظرف : عندي مشكلة في قراراتي دائما، لا أدري ما السر هل هذا لسبب معلل، أو فرط مني في التدلل، إذا ما أردت أن أسلك طريقا ما تخبطتني الوساوس وأضرمت في صدري نار الوساوس وتركت الطريق بعد الفيض من الهواجس، فمثلا لو تقدم لي شخص كنت مذبذبة لا أدري هل أفرح مثل البنات فرحا أم كعادتي يتخللني القلق ترحا، وأخشى ضياع الفرصة تلو الأخرى وها أنا بلغت مبلغا من الكبر عتيا.

قالت لي صديقتي آنذاك :

ستكوني مرضية لو فتشت عن دواخلك بصدق ستجدي منشودك، فالتردد عرض كالمرض، ولا يقبله شريك ولو على مضض، ويضيع منك الأهداف في أروقة الحياة لأني عليك أخاف، هو خصلة شنيعة، وبئسها وسيلة مضيعة، أسبابه عدة : عدم الثقة في القرارات بسبب فقد جميل العبارات في صغرك أو وسواس من الشيطان أراد لك التوهان فخبطك طيشا بكبرك، بل ربما تجربة ماضية كانت بظلالها عليك ملقية، وأما لكل هؤلاء فعليك بصدق التوكل وجمال المغامرة بعدا عن طرق المقامرة، دراسة المزايا بعقلك بصدق العبارة وقراءة عاطفة قلبك بمهارة التي أيضا لا تطلقي لها العنان إلا في محلها ولا تجليها إلا لوقتها، وإياك والخيانة فإنها بئست البطانة ومجلبة للمهانة ففيها مضيعة الأمانة، توخ القصد، سلامة العهد وتشبيهي لك كقاصرات الطرف في بياضهن المكنون، وطهرهن في القلوب، لا تجعلى الريبة توقفك ولا الكدر يطمثك بل بحسن الظن والأخذ بالأسباب تحققي الأماني والأطياب .
3-كنت قد غلبتني سنة من النوم في السيارة ذات الزجاج اللامع كأنه جمالات صفر، بعد غدوة إليوم المكد وروحة الجهد المعد، نظرت بألحاظي من خلف الزجاج فإذا بفتاة دعجاء العين ظنت في الزجاج مرآة لها، وفي جمالها المتسق القوام و هندامها المخيل إلى كينبوع ثرار، هكذا تحسبها لأول وهلة في بساطتها المعقدة، وإذا أرجعت إليها البصر كرتين تجد في وقوفها حركة اغترار، جاءت إليها أخرى إحدي رفيقاتها وكانت لا تقل عنها جمالا، ولا تتحدث إلا حياءا طبيعيا غير متصنع وفطرة نقية سلوكها بها متطبع، بيد أنها كانت إذا تكلمت حكمة كمن أخرج السيف من القراب، ومتى سكنت وأسكتت بحلمها كمن أخرجت من ثغرها الشهد فحسبته الودق من السحاب، فقالت لها ذات النهى واللب بصوت مداعب لصديقتها ويحك نعم تتزينين وبجمالك تفتنين تكلمت معك وإن كنت في جمالى لا تقولين حتى وإن قالها لك غيري لربما تظني عنها الغيرة منك هذا ما ستقولين، صديقتي كم أنتي برّاقة وهذا صدق لا محالة و لا ريب فيه فأنتي ويگأنك الصهباء تتلاعب بالعقول وتترنح بها الأعين كل ليلة وحول، وكنت سمعت من جدتي أن الجميلة حظها قليل وطريقها عليل ولكم حشدت لها من أعين عائنة ونظرة غليل، لم لا تخفين جمالك عن الناظرين فرأيت من الرجال من تكون عينه خميصة في نور الفلق، وتعود جوارحه بطانا ملأى متى عاد الليل وما وسق، فلم لا تكونين مليكة في بيتك متغنجة عروب، مزينة نظيفة طروب، رتيبة كالقمر إذا اتسق .

4-ذات مرة كنت أطالع من نافذتي شمس الفلاح، تنفس الصباح، وميلاد البكور كأنه يقول لي جئت إليك مشتاقا، ولطموحك سأعانقه عناقا، بشوق وترحابا، أحمل نضارة الفأل بالقول بعد صبارة الليل الذبول بعدما مر وول، نسيمي هلّ وحلّ، أنا لا أعرف الكلّ، قلت له أنت تدب في روح العطاء كنسيم تخلل أوراق الورد ففاح عطرا، وطيفا مر على الأجفان فأبطأ نومها سهدا، يا لروعتك وجميل حكمتك وأنيق حنكتك، رأيت فيك المرأة التي يحلم بها الرجال، ويبحثون عنا في السكون والترحال، وقيل لو وجدوها كان أشبه بالمحال، وما إن أضحت الشمس وجدتها تقول لي بحمارتها وشعاعها وماتلك التي تبحثون عنها ؟

قلت لها هي من كان دفئها إذا حلّ كان السلام والأمن ولا تغيب في العطاء حرصا أو بالضن، أرى زوجها برية قفر وهي له نبتة زهر، لا ترمي له بشرر كالقصر، هي أبكار الأفكار كالبحار في غدقها وثيبات العاطفة في عذوبتها كالأنهار، لم يطمسها الأن أو المن، مقصورة في خيط مسترسل لاح على البحر ليعب عبابه، ويستسيغ لعاب الشمس فيحلو شرابه و المنسدل بخيطها عليه، ولا أسمع في أوتارها سوى نغمات الجيتار فرحا ويغيب ببسمتها أنين العود والناي ترحا، فتلك الفاتنة لا تحب الشكوى حزنا ولا الضيق ضجرا ولو أسقطت السماء عليها كسفا فقد تتوارى كسوفا لفترة كالعصفور في عشه، الرضيع في مضجعه، الخيل في مربضه، الطير في مجثمه، الضوء في مشكاته، بيد أنها تعود مجددا كل صباح بعدما طفلت للإياب لتثبت ولتبث مبادئها في التغريد وصهيل العطاء وجمال النماء والدفء .

5-قررت أن أداعب الحرف في وصفها، وأدلف إلى غرفة قلبها، ذات مرة كنت أراقب سلوكها من بعيد، أحاول أن أرى ما لا يراه المعجبون بتجاليد الحسن، وأتابع ما لا يسمعه الهائمون في جلسة القرب و الأنس، ثمة شىءيسترعىخيالى ويبعثر أفكاري قلما أجده، أتشوق إليه في الهزل والجد، أبحث عنه في النجد والوهد، لا يغمض لي جفن حتى يمر أمامي مرور القوة على الوهن، كعذوبة ماء غير آسن في القدح، لا يلحظه الرجال مع إطلاق الأبصار على نساء البادية والحاضر في سائر الأمصار، سواء كانت مدملجة القوام أو مرصوصة البنيان، أسيلة الوجه في اللمعان، أو منحوت بها شامة الجمال و الغمازة بالجانبين ...

نعم فلا يتجلى هذا الذي أرجوه إلا في حدة النقاشات، واختيار الأفضل من المهمات والوقوف جملة وتفصيلا في الأنّات والنزعات، خصلة عجيبة، من القلب قريبة، من الروح طريبة، تدلل ولا تذل، تحرر ولا تغل، تصفح ولا تجرح، تقبل بالضد وتنفع بالنصح، ترتفع عن الخوض الذي ينهك دروب المودة مترفعة عن القطيعة والبغض، هي ذات الجمال الروحي التي تخطف العقول وتلجمها إلجامًا، تشبع سريرة الرجل عطفًا، تمسك بتلابيبه وتأسره، تجدها تنأى عن حمارة الكيظ وصبارة البرد فتهيأ لبعلها جوا معتدلًا لا معتلًا، لا تترفع عليه بل ترتفع به إلى ربوة ذات قرار ومعين من المودة، يرتفع ويفتخر بها رجلها امتنانًا ومروءة في سماء حياة تعرت عن العيوب وارتدت ثوب المجد، بل يعطيها ويغطيها ما تجود به معاطف مناقبه، وتنشغل به أساريره دون ما تقف عند حد .

6- كنت قد عاهدت نفسي ألا أقطع طريقا لا يجدي معه نفعا ولا أسمع حديثا لا يجترّني لتكراره على المسامع طربا، وكنت كلما سمعت الرعد يدمم والحكيم يتكلم والمتفائل يبث حديثه ليقضي نحب هزائم المتألم، فما من ساعة تمر علي حتى تذكرت العصفور بعد طيشه وتجواله في عشه يسكن ويترنم، و السحاب بزفيفه وزمجرته يهطل منه الصب من الصيب ويعانق الأرض الطيبة فبعد ما كانت قاحلة أضحت حافلة تتغنم، بيد أني في تلك الساعة رأيت طفلة في ثوب المرأة، أو سيدة بوجه طفلة عقلها يتبدىعلى الملامح وقلبها ترتسم عليه علامات اكتمال النضوج فلا تحتاج إلى نصائح،فلمحت فيها مالا تراه العيون، وتحتفظ به المتون، ويگأنها بيض مكنون، الدأب والمثابرة،التروي والمخاطرة، طباعها مرئية، لا ترى فيها عوجا وأمتا، قاصرة الطرف، متعدى في وصفها الكلام والحرف، راق لي فيها خفة الروح كالعنادل، وثقل قلبها المعطاء في ريه كالجداول، نظرت حينئذ إلى السحاب في هزيمه، الليل في هزيعه، الضحى في أديمه، فتساءلت فيما بيني وبين نفسي هل مثلها يمكن أن تتحدث عنه اللغة ؟!