الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

فانتازيا اللعب.. مع الناس والحكاية والفضاء

الثلاثاء 20/أكتوبر/2020 - 09:56 ص
الهلال اليوم
محمد عبدالمنعم زهران
طباعة

أكتب منتج  فضائي الخاص، عالمي المتحرك، لذا أحب مقولة أن الكاتب يصنع فضاءه الذي يلائم أحداث نصوصه، ويتماس في الوقت نفسه مع  طرائق سرده.

يتسع فضاء الكاتب في أغلب الأحوال ليتضمن –لا شعوريًا-  مكانه وبيئته، وتتراكم تأثيرات العادات والتقاليد والحكايات المتوارثة، أوالطقوس والأساطير والخرافات وأنماط الشخصيات أو حتى اللهجة، ليغدوا كل هذا محركًا فاعلاً في النصوص. أما بالنسبة لي وبصورة لا إرادية فقد اتجهت إلى اللعب: اللعب مع الناس والحكاية والفضاء.

عن الرجل السمين جدا والطيب جدًا جدًا، الذي نام على حصير جاف أمام بيته في ليالي الصيف المخنوقة بالرطوبة، وعندما لسعته الشمس في الصباح فتح عينيه، وحدق بغضب في وجوه الناس المستطلعة التي تحيط به. كانوا يضحكون بصخب وهم يضربون كفاً بكف، ويشيرون إلى  ثعبان كبير مهروسًا ومبططًا أسفل ظهره!! هذا الرجل الذي كان يشرب السمن البلدي في أكواب كالماء، والذي يأكل أنثى ماعز على الغداء باعتبارها وجبة خفيفة، وعشرات الأرغفة البتاو في اليوم الواحد. 

عن المرأة الغامضة التي تظهر فجأة، وتجلس أمام بيت من البيوت؛ لتلقط رائحة شخص ما بالداخل فيموت بعدها بساعات، وفي كل مرة تظهر يحل الرعب على الشوارع والبيوت.

عن الجنية ذات الأثداء، والعفريت الطويل جدا، والذي تصل رأسه حتى السماء، وحين تشعر به وتلتفت إليه فجأة يتحول إلى عشرات الأرانب التي تعدو على الطريق.

عن الناس وأضداد الناس، وفتنة الكلام و الرعب المزمن من العين، عن الخشونة والصلابة في محاولة العيش في المكان الصعب الفقير في كل شيء، عن جبروت القوة وصبرها حين تنتظر سنوات في ترقب،  لتقتل أخذًا بالثأر على مشهد من الناس، تبقر البطن لتأكل الكبد أو تشرب الدم.

عن ما يغاير هذا كله، عن بشر كالملائكة بوجوه باسمة على الدوام، يعتنون بالناس لأجل لا شيء، يحبونهم بلا أسباب ومصالح، ويسعون للطبطبة على الأرواح المتألمة.

عن حكمة العجائز الجالسين أمام البيوت بهيئة القدماء حين ينظرون ويفهمون كل شيء، وعندما يودون إسداء النصح يتحدثون بالأمثولة والحكاية، ويكون عليك أن تفهم. وحين يقترب موتهم يتحدثون كما لو كانوا على وشك السفر بوجوه قوية مذهلة في صلابتها أمام الموت.

كل هذا وأكثر، لم يؤرقني بسبب وجوده، ولم يكن لأغلبه صدى في كتاباتي، كنت أنظر إليه باعتباره واقعًا عاديًا وقابلاً للتكرار في أماكن كثيرة، ولكنه في الوقت نفسه دفعني إلى صنع واقع مواز، بدا الأمر بالنسبة لى كعاصفة هائلة هبت فجأة فاقتلعت العمائم والشيلان البيضاء والجلابيب من على رؤوس الفلاحين، والقمصان والبنطلونات والأقلام والصحف من الأفنديات، والطرح والزعابيط والحلي والحناء وكحل العيون من وجوه النساء، عمائم الشيوخ والقساوسة، الجنيات والأرانب المتحولة والعيون الحاسدة، الطعمية الساخنة التي يصنعها بائع الطعمية، كلها كلها تحلق في الهواء، سماعات الأطباء والحمير والبغال وعربات الكارو، أقفاص الفاكهة والخضروات من أمام الباعة على قارعة الطريق، الكريك والمقاطف من أيدي عمال اليومية، والجنيه من يد متشرد، قطع العسلية الصلبة من على منضدة بائع العسلية، والقهوة والشاي كسائل فقط دون أكواب، البنادق والسكاكين دون اليد القاسية، يحلق أيضًا في نفس الدوامة قصصًا وروايات ومسرحيات وأشعار أحبها، وقصص أخرى واقعية عن الحب والعشق والألم، وأخيراً الحكمة.. حكمة العجائز مركزة في ألسنتهم وأعينهم التي تفهم...   كل هذا يطير وتحمله الرياح في دوامة هائلة فوق الرؤوس، منفصلاً عن البشر – الذين أراهم عراة أسفلها- تطير وتتهادى في السماء. وحين تسكن الرياح فجأة؛ تسقط كل هذه الأشياء دفعة واحدة بلا نظام، تسقط بتلقائية محببة، وفي كل مرة أكتب؛ أصنع أشياء ربما لا تكون مفهومة بصورة واقعية، ولكنها متلائمة ومتسقة ومفهومة تمامًا بالنسبة لى.

"ماذا يسقط وعلى من؟" ليس مهمًا تحديده من البداية، لأن النص نفسه هو الذي يفرض شبكة علاقاته ويمنطقها بمنطقه الخاص.

في هذا الحالة بإمكان بائع العسلية أن يكون طبيبًا، وتكون قطع العسلية دواء السعادة المدهش، وبإمكان سائل القهوة الثقيل أن يكون كاشفًا عن أشخاص تافهين. أن يكون البطل الرياضي بائعًا للطعمية الساخنة، وأن يمنح حظه في الشهرة والضواء  لشخص تعس. الأكثر أهمية أن هناك واقعًا جديدًا يتشكل، ليس غرائيبيًا أبدًا، ربما يلامس الفانتازيا -رغم أن الفانتازيا غير مقصودة بحد ذاتها-  وربما يلامس منطقًا مغايرًا في تفسير العلاقات بين الأشياء، ولكنه مقبول ومحبب ليس بالنسبة إلي فقط، بل إلى القراء أيضًا، في الغالب يجدونه مستساغاً ومحببًاّ وأحيانًا في غاية الإدهاش. وحين أفكر أجد أن التفسير الوحيد لكل هذا هو اللعب:  لعبة أن يسقط "شيء ما" من هذا الفضاء المتسع الملئ بالأشياء، على "شخص ما" عاري تمامًا، فتتلبسنا ما أطلق عليه الحقيقة الثانية في العالم: الدهشة المتواصلة للحياة.

في نصوصي ربما لا يكون العجوز خائفًا من الموت، في الحقيقة سيكون خوفه من الحياة أكثر. والرجل الكامن في أعلى شجرة مترقبًا الشخص الذي سيطلق عليه النار، لن يكون بالضرورة عنيفًا جبارًا، في الغالب سيكون في براءة ملاك حائر.

والبنت القبيحة الوجه ضئيلة الجسم، والتي ظلت تعاني آلامًا غامضة في كتفيها، والتي انبثق منهما جناحان لزجان ولامعان كأنما خرجا من بيضة، لم يكن الأمر بالنسبة إليّ هو مجرد تحولها الغرائبي إلى ملاك، كان رغبة هائلة في التلاشي والاختفاء تمامًا من هذا العالم.

والميت في قبره الذي يسرد حكاية ما؛ يسردها ببساطة وجفاف يليق بالموتى، ورغم فداحة ما يحدث أمامه، فإنه يبدو له مسليًا جدًا، ويشعر بالحزن فى النهاية لأنه لن يجد ما يسليه في قبره.

 فلسفة اللعب في الحكاية تقتضي اليقين بأن ما هو ظاهر للعيان ليس هو الحقيقة، وأن السرد البارد للحكاية بصورة بسيطة جدًا لا يمنع دهشة الكشف عن تفاصيل تقلب الحكاية رأسًا على عقب، وتدفعك إلى إعادة تصورها مرة أخرى في ذهنك، بعد أن تنهي قراءتها. اللعب بالحدث هو تلاعب بالزمان والمكان -أي مكان-  والشخصيات، فيصير سؤال ماذا سيسقط على من؟ مثيرًا ومدهشًا ودافعًا للقراءة هذه المرة.

عندما لا يضغط عليك المكان والبيئة التي تعيشها، بصورة تجد أثرها في النصوص، خاصة عندما تعيش في أماكن فقدت ثقافتها المائزة كأغلب مدننا في الصعيد، فلا هي حافظت على تراثها كقرية، ولا تشكلت فيها ثقافات متراكمة ومختلطة كمدينة، فتضبط نفسك وهي تتابع أدق التفاصيل لتفاعل البشر مع هذا الكيان المضطرب الآخذ في النمو بعشوائية رهيبة، ويتجه وعيك إلى هؤلاء الناس في هذا الفضاء المتنافر وأحيانا المتصادم، ، تندهش حين ترى في ذات الشخصية التدين الصارم مع الخلاعة، الحب مع الخيانة، الرقة والقسوة، أن ترى القوي في أضعف لحظاته، وأن تتأمل العين الحاسدة باعتبارها راعية ودودة.

في حياتي لاحظ كثير من الأصدقاء شغفي بالتفاصيل، تفاصيل كل شيء، شغف يصل حد الهوس: كيف يكون بمقدورك أن تربط كل الأشياء؟ أحيانًا أود أن أقول لهم.. إنه في كل مرة، تكون هناك عاصفة تهب فجأة، تحمل معها كل شيء في دوامة هائلة تدور فوق كل الرؤوس، وإنني في هذه اللحظة أنظر وأتأمل.. أتأمل بعمق، وأفهم، وبآلية بسيطة أدع كل شيء ليسقط بصورة تلقائية لأنسج قصصًا عنهم وعني وعن الناس، عن الدهشة المتواصلة للحياة.

 أنا وحدي أعرف أن الرياح التي تطيّر كل شيء هي روحي، وأنني لست هادئّا أبدًا.. وأن بداخلي دوامة من صخب هائل.