السبت 05 ديسمبر 2020 الموافق 20 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

عند‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬ناصف‮»‬‭ ‬و«أحمد‭ ‬أمين‮»‬.. ‭ ‬اللغة‭ ‬والخطاب‭ ‬والتواصل‭ ‬

الثلاثاء 20/أكتوبر/2020 - 07:36 م
الهلال اليوم
أحمد الزغبي
طباعة
‮«‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬ضعف‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬مسألتان‭ ‬تتصلان‭ ‬بهذه‭ ‬الحقيقة: ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يتصل‭ ‬بالذوق‭ ‬العام‭ ‬للأمة‭ ‬اتصالًا‭ ‬وثيقًا؛‭ ‬لأنه‭ ‬يصاغ‭ ‬بلغة‭ ‬غير‭ ‬لغة‭ ‬الشعوب،‭ ‬ولا‭ ‬يتصل‭ ‬إلا‭ ‬بذوق‭ ‬خاص‭ ‬وهو‭ ‬ذوق‭ ‬محترفي‭ ‬الأدب‮».‬

أحمد‭ ‬أمـين،‭ ‬فيض‭ ‬الخاطر (‬الجزء‭ ‬الأول)

يقول‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬ناصف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬والتفسير‭ ‬والتواصل‮»‬،‭ ‬الفصل‭ ‬الأخير‭ ‬‮«‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬الخطاب‮»‬: "‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬أحدا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬يذكر‭ ‬أستاذي‭ ‬الجليل‭ ‬أحمد‭ ‬أمين"، ‬ثم‭ ‬تابع‭ ‬توصيف‭ ‬خطاب‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فيض‭ ‬الخاطر‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬يمثله‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬للخطاب‭ ‬المتزن‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره،‭ ‬وخص‭ ‬بالذكر‭ ‬فصولاً‭ ‬بعينها‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬أمين‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬اللغة‭ ‬والخطاب‭ ‬والتواصل،‭ ‬ومفهوم‭ ‬الخطاب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬و ‬الخطاب‭ ‬الديني،‭ ‬ونحاول‭ ‬هنا‭ ‬قراءة‭ ‬رؤية‭ ‬الكاتبين‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬قضية‭ ‬الخطاب‭ ‬والتواصل‭ ‬والأدب‭ ‬وعلاقة‭ ‬الأدب‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تفسر‭ ‬عملية‭ ‬انفصال‭ ‬الأدب‭ ‬العربي، و‬الخطاب‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬استخدام‭ ‬الألفاظ،‭ ‬كما‭ ‬نحاول‭ ‬الوصول‭ ‬لرأي‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬ناصف‮»‬‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬الإدعاء‭ ‬بقصور‭ ‬اللغة،‭ ‬والخطاب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الأساليب،‭ ‬والمواقف،‭ ‬وخصوصا‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الحديث،‭ ‬كما‭ ‬سنقرأ‭ ‬باستخدام‭ ‬منهج‭ ‬التحليل‭ ‬المقارن‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فيض‭ ‬الخاطر‮»‬‭ ‬المواقف‭ ‬الفكرية‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬متعددة‭ ‬إشار‭ ‬إليها‭ ‬‮«‬ناصف‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬ولم‭ ‬يتطرق‭ ‬لها‭ ‬بالتفصيل،‭ ‬لرصد‭ ‬الصورة‭ ‬الكاملة‭ ‬لقضايا‭ ‬اللغة‭ ‬والخطاب‭ ‬والتواصل‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬ناصف‮»‬،‭ ‬و«أحمد‭ ‬أمين‮»‬.

يناقش‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فيض‭ ‬الخاطر‮»‬‭ ‬قضية‭ ‬منطق‭ ‬اللغة, ‬ويضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬جوهرية‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بمفهوم‭ ‬الإيجاز‭ ‬في‭ ‬الخطاب، حيث‭ ‬يفرق‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬والخطاب، ‬والذي‭ ‬يتميز‭ ‬بالإيجاز، ‬ويضرب‭ ‬مثلا‭ ‬بمقارنته‭ ‬بين‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬شخصين‭ ‬باللغة‭ ‬العربية، ‬وآخر‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية، ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬العربي‭ ‬سيحتوي‭ ‬ على ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحشو ‬والالتفاف على ‭ ‬جذر‭ ‬الموضوع، ‬ويحاول‭ ‬تفسير ‬تلك‭ ‬الظاهرة -على ‭ ‬صعوبة‭ ‬تفسيرها- ‬بأنها‭ ‬ترجع‭ ‬لمنطق‭ ‬التفكير‭ ‬أولا، ‬ثم‭ ‬لطبيعة‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الحديثة‭ ‬ثانيا، ‬وذكر‭ ‬كذلك‭ ‬دخول‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬التملق‭ ‬والنفاق، ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬منها‭ ‬حوارات‭ ‬العربي‭ ‬الحديث، ‬بعكس‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬الحر،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬توصيفه.

وقد‭ ‬أثار‭ ‬‮"أمين‭ "‬ ‬نقطة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬ربما‭ ‬تفسر‭ ‬لنا‭ ‬توصيات‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬بإعادة‭ ‬توصيف‭ ‬لدور‭ ‬الخطاب، وتطوير‭ ‬اللغة‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬انعزال‭ ‬لغة‭ ‬الأدب‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬العصر، ‬وهذه‭ ‬النقطة‭ ‬المهمة‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬الألفاظ‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الشيء‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬حداثته، ‬بمسمي‭ ‬يعبر‭ ‬عنه‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلي‭ ‬تعريف، ‬وربما‭ ‬انعكست‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتعريف‭ ‬المصطلحات‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬العربي، ‬وقد‭ ‬احتوت‭ ‬المكتبات‭ ‬ على ‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬معاجم‭ ‬التعريفات‭ ‬بالمصطلحات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المختلفة، ‬وعلى ‭ ‬رأسها‭ ‬الأدب، ‬فنحن‭ ‬نستورد‭ ‬الظواهر‭ ‬الأدبية‭ ‬الغربية‭ ‬بمصطلحاتها‭ ‬ونقع‭ ‬في‭ ‬ورطة‭ ‬ترجمة‭ ‬أو‭ ‬تعريب‭ ‬أو‭ ‬تعريف‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬اللغات‭ ‬الأوروبية‭ ‬تستخدم‭ ‬المصطلح‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الشيء‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعريف، ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬اشتقاق‭ ‬المصطلحات‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬الظاهرة‭ ‬نفسه، ‬وهذه‭ ‬قضية‭ ‬تساهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإيجاز‭ ‬في‭ ‬الخطاب.

ويتابع‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفى‭ ‬ناصف‭ ‬مناقشة‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬اللغة، ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المحافظة‭ ‬والمقاومة، ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬اللغة‭ ‬كقيم‭ ‬تراثية، ‬ويمكن‭ ‬فهمها‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع‭ ‬المتغير‭ ‬باستمرار، ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الموقفين، ‬وربما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليهما‭ ‬معاً، ‬ويتجلى‭ ‬هذا‭ ‬التوافق‭ ‬في‭ ‬استعانته‭ ‬بمقالات‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬اللغة‭ ‬‮«‬العادية‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يصفها‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ ‬قضايا‭ ‬محورية، ‬ويوضح‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التنوع‭ ‬اللغوي‭ ‬بين‭ ‬القديم‭ ‬والحديث، ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬اللغوية‭ ‬العليا‭ ‬وتلك‭ ‬الخاصة‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحديثة، ‬فنحن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تخاطب‭ ‬العقل‭ ‬والروح، ‬والتي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬الأبدية‭ ‬والأسطورة‭ ‬والوجود‭ ‬اللغوي، ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إهمال‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومتطلباته‭ .

ويناقش‭ ‬‮«‬أحمد‭ ‬أمين‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬فيض‭ ‬الخاطر‮»‬‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬أدبنا‭ ‬لا‭ ‬يمثلنا‮»‬‭ ‬فكرة‭ ‬هذا‭ ‬الانعزال‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمجتمع‭ ‬العربي‭ ‬الحديث، ‬ويوضح‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬مصريين‭ ‬وعراقيين‭ ‬وشوام، ‬واقعون‭ ‬بين‭ ‬أدبين، ‬قديم‭ ‬وآخر‭ ‬حديث، ‬أما‭ ‬القديم‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬إلا‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬القديم، ‬وواقعه‭ ‬الاجتماعي، ‬وبالنسبة‭ ‬للأدب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬فيقول‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬إلا‭ ‬دائرة‭ ‬الأدباء‭أ ‬نفسهم، ‬وهذا‭ ‬يوضح‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والغربي، ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اتساق‭ ‬الأخير‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الغربي، ‬كما‭ ‬يوضح‭ ‬لنا‭ ‬عزوف‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬تبني‭ ‬واستخدام‭ ‬اللغة‭ ‬الأدبية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬التواصل، ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬عزوف‭ ‬المبدع‭ ‬العربي‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬لغة‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬الحديث، ‬وهكذا‭ ‬يقرر‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬أن‭ ‬أدبنا‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يمثلنا، ‬ويبرر‭ ‬منطقه‭ ‬بوقوف‭ ‬الأديب‭ ‬العربي‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬التطور، ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أرستقراطية، ‬تخاطب‭ ‬النخبة، ‬في‭ ‬حين‭ ‬تطور‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬وتخطى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الثورات‭ ‬الإنسانية‭ ‬العلمية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الحديثة.

ويصف‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬ظاهرة‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬يخاطب‭ ‬الصفوة‭ ‬بحاجته‭ ‬المستمرة‭ ‬للشرح، ‬فهو‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬ على ‭ ‬توصيل‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬فيقول: "‬ولست‭ ‬أشك‭ ‬أن‭ ‬قسمًا‭ ‬منه‭ ‬صالح‭ ‬لكل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭ ‬كالحِكَم‭ ‬والمواعظ، ‬وما‭ ‬يمثل‭ ‬العواطف‭ ‬العامة‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬كلهم‭ ‬كالسرور‭ ‬والحزن‭ ‬والوفاء‭ ‬والغدر؛ ‬ولكن‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬عامًّا‭ ‬وصالحًا‭ ‬للناس‭ ‬كلهم‭ ‬بحسب‭ ‬موضوعه، ‬فأكثره‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬لأهل‭ ‬زماننا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أسلوبه‭ ‬وطريقة‭ ‬عرضه‭ ‬ونحو‭ ‬ذلك. ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬يستعين‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬تفهمه‭ ‬وتذوقه‭ ‬بشرحه‭ ‬وتفسيره، ‬وهذا‭ ‬الشرح‭ ‬والتفسير‭ ‬يضعف‭ ‬من‭ ‬قيمته؛ ‬إذ‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مستعدًّا‭ ‬لتذوق‭ ‬الشيء‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬شرح، ‬وأن‭ ‬تتذوقه‭ ‬بعد‭ ‬عناء‭ ‬الشرح‭ ‬والاستعانة‭ ‬بلفظ‭ ‬على‭ ‬لفظ‭ ‬وجملة‭ ‬على‭ ‬جملة، ‬وقل‭ ‬أن‭ ‬يسد‭ ‬الشرح‭ ‬مسد‭ ‬الأصل". أحمد‭ ‬أمين- فيض‭ ‬الخاطر (‬الجزء‭ ‬الأول‭(

ويقارن‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬الحديث‭ ‬والعربي‭ ‬الحديث، ‬ويضرب‭ ‬مثالاً ‬بكم‭ ‬الإنتاج‭ ‬العربي‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الأطفال،‭ ‬فيقول: إن‭ ‬أحببت‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬أطفالك‭ ‬في‭ ‬سِنِيهم‭ ‬المختلفة‭ ‬كتبًا‭ ‬في‭ ‬القصص‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العامة‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكفي، ‬على‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬المكتبة‭ ‬الأوربية‭ ‬فيملؤك‭ ‬العجب‭ ‬والإعجاب‭ ‬من‭ ‬وفرة‭ ‬الكتب‭ ‬للأطفال‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أنواعها، ‬ومما‭ ‬حليت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الجذابة، ‬والأسلوب‭ ‬المشوق‭ ‬البديع؛  ‬فالأوربي‭ ‬يحار‭ ‬فيما‭ ‬يختار‭ ‬لأطفاله‭ ‬لوفرته، ‬ونحن‭ ‬نحار‭ ‬فيما‭ ‬نعطي‭ ‬لندرته". ‬أحمد‭ ‬أمين - فيض‭ ‬الخاطر (الجزء‭ ‬الأول‭(

ويتفق‭ ‬كل ‬من‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬و«‬أمين‮»‬‭ ‬على ‭ ‬فكرة‭ ‬دراسة‭ ‬مفهوم‭ ‬الكلمة‭ ‬العادية‭ ‬ومدى‭ ‬تعبيرها‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي، ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬العزوف، ‬ويقول‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬إنه‭ ‬يرغب‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬والتمثيل‭ ‬وفي‭ ‬الجد‭ ‬والهزل، ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬ظرف، ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬أسلوب، ‬وربما‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك بداية‭ ‬إلا  ‬بالترفع‭ ‬عن‭ ‬مبدأ‭ ‬التعالي، ‬وعدم‭ ‬تضييق‭ ‬دائرة‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التعبير‭ ‬بصدق‭ ‬عن‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬اللغات‭ ‬الأوربية، ‬ويوصي‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬بضرورة‭ ‬العمل‭ ‬على ‭ ‬تكوين‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬والغربي‭ ‬معاً، ‬فيقول "وأهم‭ ‬علاج‭ ‬لهذا‭ ‬النقص‭ ‬عناية‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بتكوين‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬تكوينًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬غربيًّا، ‬وإمدادهم‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭ ‬بالأدبين‭ ‬معًا‭ ‬ليتولوا‭ ‬الإنتاج‭ ‬بعد" ‬أحمد‭ ‬أمين- فيض‭ ‬الخاطر (الجزء‭ ‬الأول‭(

أما‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬فيوصي‭ ‬بتحليل‭ ‬الأدب‭ ‬نفسه‭ ‬لنتبين‭ ‬حنين‭ ‬الكلمات‭ ‬لأن‭ ‬تتجاوز‭ ‬الطبقة‭ ‬الضيقة‭ ‬من‭ ‬الاستعمال‭ ‬والأداء، ‬ويوصي‭ ‬بالتخلص‭ ‬من‭ ‬فتنة‭ ‬تقسيم‭ ‬الكلمات‭ ‬في‭ ‬البلاغة، ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬تعود‭ ‬أهميتها‭ ‬لاستخدامها‭ ‬الشعبي‭ ‬فيقول‭ ‬ناصف: "إن‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يستغنى‭ ‬عنها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكشف‭ ‬وأن‭ ‬تتأمل‭ ‬لقد‭ ‬أصررنا‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬كلمات‭ ‬يسيرة‭ ‬جدا‭ ‬مثل‭" ‬كان،‭ ‬صار،‭ ‬فوت،‭ ‬نهايته، يعني، ما‭ ‬علينا، كل،‭ ‬سبب، وهدف"‭ ‬والكلمات‭ ‬المحذوفة‭ ‬من‭ ‬العجم‭ ‬الشائ“لست‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬يرقى‭ ‬إلا‭ ‬بالجد‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬هذه‭ ‬الفرقة، ‬وإمدادها‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل، ‬وتشجيعها‭ ‬بكل‭ ‬أنواع‭ ‬التشجيع". ‬أحمد‭ ‬أمين - فيض‭ ‬الخاطر‭ (‬الجزء‭ ‬الأول)

‬ويوضح‭" ‬أمين"‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتجربة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬أن‭ ‬ننتج‭ ‬أدبًا‭ ‬لنا..‭ ‬أدبًا‭ ‬يمثلنا، ‬أدبًا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬عواطفنا. ‬فدراسة‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬تعين‭ ‬أكبر‭ ‬إعانة‭ ‬من‭ ‬ناحيتين: ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أن‭ ‬دارسها‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬منها‭ ‬كيف‭ ‬أدى‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬عمله، ‬وكيف‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬فراغ‭ ‬أمته، ‬وكيف‭ ‬نجح‭ ‬الأديب‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يغذي‭ ‬شعبه، ‬وكيف‭ ‬تفرعت‭ ‬أنواع‭ ‬الأدب‭ ‬فروعًا‭ ‬مختلفة‭ ‬أدى‭ ‬كل‭ ‬فرع‭ ‬منها‭ ‬وظيفته..  ‬بينما يوضح "أمين" نقطة غاية في الأهمية‭ ‬أن‭ ‬ترجمة‭ ‬الأدب‭ ‬الغربي‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعد‭ ‬وسيلة‭ ‬لا ‬غاية.

يصف‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬ناصف‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬والتفسير‭ ‬والتواصل‮»‬‭ ‬أستاذه‭ ‬‮«‬أحمد‭ ‬أمين‮»‬‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬تجربته‭ ‬العملية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الخطاب‭ ‬واللغة‭ ‬فيقول: "ربما‭ ‬كان‭ ‬الأستاذ‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬م—‭ ‬وهذا‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬الأدب، ‬فدعوة‭ ‬الأدباء‭ ‬دائمًا‭ ‬وقول‭ ‬الأدباء‭ ‬دائمًا‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬وفي‭ ‬الماضي، ‬وهذا‭ ‬حسَن‭ ‬لدرجة‭ ‬ما، ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقرن‭ ‬به‭ ‬الدعوة‭ ‬القوية‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أنفسنا‭ ‬والقول‭ ‬في‭ ‬أنفسنا. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نغير‭ ‬تسعيرة‭ ‬الأشياء، ‬ونضع‭ ‬تسعيرة‭ ‬جديدة‭ ‬لما‭ ‬يدور‭ ‬حولنا، ‬ونضع‭ ‬أمام‭ ‬ناشئتنا‭ ‬قِيَمًا‭ ‬جديدة‭ ‬لما‭ ‬يقع‭ ‬عليه‭ ‬نظرهم؛ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬بيوتنا‭ ‬تعني‭ ‬بكمية‭ ‬الأكل‭ ‬وتعطيها‭ ‬أكبر‭ ‬قيمة، ‬وجب‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬قيمة‭ ‬الكيفية‭ ‬فنضع‭ ‬قيمة‭ ‬كبرى‭ ‬للأزهار‭ ‬على‭ ‬المائدة‭ ‬ولجمال‭ ‬الترتيب‭ ‬والنظام‭ ‬ولجمال‭ ‬الحديث. ويجب‭ ‬أن‭ ‬نوجه‭ ‬إرادتنا‭ ‬في‭ ‬ترقية‭ ‬الذوق‭ ‬كما‭ ‬نوجه‭ ‬إرادتنا‭ ‬لترقية‭ ‬العلم‭ ‬ولترقية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي، ‬ونضع‭ ‬للذوق‭ ‬برامج‭ ‬كالتي‭ ‬نضع‭ ‬لبرامج‭ ‬التعليم". ‬أحمد‭ ‬أمين- فيض‭ ‬الخاطر (‬الجزء‭ ‬الأول)

‭ ‬يناقش‭ ‬‮«‬أمين‮»‬‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬فكرة‭ ‬جوهرية‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬اللغة‭ ‬والخطاب‭ ‬والتواصل‭ ‬وعلاقتهم‭ ‬بالكاتب‭ ‬الصادق،‭ ‬فيقول‭ ‬إن‭ ‬أصدق‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬من‭ ‬احتفظ‭ ‬بشخصيته، ‬وجعل‭ ‬أفكاره‭ ‬وعواطفه‭ ‬تمتزج‭ ‬امتزاجًا‭ ‬تامًّا‭ ‬بأسلوبه، ‬وخير‭ ‬أسلوب‭ ‬عنده‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وعواطف‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬عسر‭ ‬وغموض‭ ‬والتواء، ‬وراعك‭ ‬بجمال‭ ‬معانيه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬شغلك‭ ‬بزينة‭ ‬لفظه، ‬وكان‭ ‬كالغانية‭ ‬تستغني‭ ‬بطبيعة‭ ‬جمالها‭ ‬عن‭ ‬كثرة‭ ‬حليها، ‬وهو‭ ‬يتفق‭ ‬هنا‭ ‬مع‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬التواصل، ‬ومشكلة‭ ‬التصاق‭ ‬الأدب‭ ‬بالمجتمع، ‬واعتماده‭ ‬ على ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬التصنع‭ ‬والتعالي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬والكلمات، ‬وفهم‭ ‬جوهر‭ ‬التطور‭ ‬واختلاف‭ ‬الخطاب‭ ‬من‭ ‬مقام‭ ‬لآخر، ‬ويختم‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬ناصف‮»‬‭ ‬الفصل‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬اللغة‭ ‬والتفسير‭ ‬والتواصل‭ ‬بتوصيات‭ ‬أخيرة‭ ‬تخص‭ ‬إعادة‭ ‬دراسة‭ ‬الكلمات‭ ‬والتأمل‭ ‬فيها،‭ ‬فيقرر‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نتمتع‭ ‬بهذه‭ ‬الإرادة‭ ‬لإعادة‭ ‬‮«‬فحص‭ ‬ودراسة‭ ‬الكلمات‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬دار‭ ‬حولهـا الـنـقـاش فـي عـصـرنـا الحديث من أجل أن نتبين حركتها لإثباتها الوهمـي. هـل رأيـت مـن يـجـمـع استعمال بعض الكلمات  ويقارن بينها في هدوء". ويتابع إن حركة الكلمات يمكن أن تدرس  وأن تنظم، وأن نلتمس لها أنماطا على الرغم من براعتنا مع الأمثلة الفردية أكثر من اسـتـخـلاص مـا يـشـبـه الاتجاه العام، ويوضح «ناصف» أن تقاليد البحث عن معنى الكلمة يجب أن يدعـى لـهـا وأن ينشط لها المهتمون بحركة عقولنا وعوائقها. إن الذي يـنـقـصـنـا هـو الـثـقـة بجدوى هذه التدريبات التي تساعدنا على كشف جانب من سؤال لفهم أننا لا نلتمس الكلمات التماساً حذراً دؤوباً جامعاً بين اليقظة لتغيرات الموضع الجزئي وإدراك الارتباط بموقف اختياري ينافس مواقف أخرى. إن قوانين الذهن وحركة الكلمات في داخل المجتمع لا ينفصل بعضها عن بعض.