الإثنين 23 نوفمبر 2020 الموافق 08 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

نظرة في تاريخ الأوبئة والأمراض في مصر في العصر الحديث

الثلاثاء 20/أكتوبر/2020 - 07:40 م
الهلال اليوم
د/ أحمد غباشي أستاذ التاريخ الحديث
طباعة
يعتبر موقع مصر الجغرافي والذي يتوسط القارات الثلاث، سببًا رئيسيًا في ارتباط مصر ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الأمراض، فهي حلقة الوصل بين الشرق والغرب التي يعبرها منذ القدم المسافرون والتجار، فكانت تلك السفن تأتي بالكثير من الأمراض والأوبئة، والتي وجدت فى مصر بيئة خصبة للانتشار، ومن ثم ظهرت (الكارنتينة) أو الحجر الصحي.

فكرة الحجر الصحي:

يسمى الحجر الصحي (Quarantine) بالإنجليزية، وترجع إلى الطبيب المسلم (ابن سينا)، وقد وجد أن بعض الأمراض تنتقل بين الناس بواسطة الميكروبات، ولمنع العدوى بين البشر، توصل إلى طريق عزل الناس40 يومًا، أطلق عليها (الطريقة الأربعينية)، ولما سمع تجار البندقية بهذه الطريقة الناجحة في مكافحة الأوبئة، نقلوها إلى إيطاليا وأطلقوا عليها (Quaranta)، والتي تعني أربعين باللغة الإيطالية. فكانوا يحجزون السفن القادمة من البلاد الموبوءة بالطاعون أربعين يومًا في الميناء، ومن هنا جاءت كلمة (Quarantine) - (الحجر الصحي).

الحجر الصحي في الكتاب المقدس:

ذكر في الكتاب المقدس أن الكهنة اتخذوا من العزل أو الحجر الصحي وسيلة لمنع تفشي بعض الأمراض مثل: القرحة، فقد كان الكهنة يعزلون المريض 7 أيام، ثم يقومون بفحصه ثانيةً، وبناءً على ذلك يقررون شفاءه أو استمرار عزله.

الحجر الصحي في الإسلام:

عرف المسلمون أهمية الحجر الصحي الإلزامي للمصابين ببعض الأمراض المُعدية مثل: الجُذام، والذي ظهر في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي، فقد قام الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك ببناء أول مستشفى في دمشق، وأصدر أمرًا بعزل المصابين بالجُذام عن مرضى آخرين في المستشفى.

الحجر الصحي في مصر:

أنشأ محمد علي باشا أول حجر صحي في مصر بالإسكندرية، وقرر محمد علي أن يكون الحجر الصحي على نمط المحاجر الصحية أو المعازل الأوروبية وعرف باسم (اللازرارتيا)، ثم تم تحريف الاسم إلى (الأزاريطة)، وهى اسم المنطقة حاليًا بالإسكندرية.

تاريخ الأوبئة في مصر:

يعتبر الطاعون أخطر الأمراض التي انتشرت في مصر في نهاية القرن الثامن عشر مع دخول الحملة الفرنسية إلى مصر، وقد تفشى الوباء بين جنود نابليون بعد مذبحة يافا، ويذكر الجبرتي (أن الوباء فتك بمناطق الصعيد خاصة أسيوط)، وقد اتخذ الفرنسيون احتياطات وإجراءات وقائية فسرعوا في تطهير الأماكن التي ظهر فيها الوباء، من خلال عزل البيت المصاب، وتطهيره، ثم تبخير أهل البيت بأبخرة نباتات طبية، كما أمروا بحرق الثياب التي على أجساد الموتى بهذا المرض.

محمد علي باشا والاهتمام بالشئون الصحية:

اهتم محمد علي اهتمامًا بالغًا بشئون الصحة رغبةً منه في العناية بصحة المصريين، وكانت الوسائل التي لجأ إليها إما وسائل وقائية كالحجر الصحي، أو علاجية مثل الاستعانة بالطبيب الفرنسي (كلوت بك)، بإنشاء مدرسة الطب في أبو زعبل1827 ، ثم نقلها إلى قصر العيني 1837، فضلًا عن جلب الكتب الطبية والأدوية وإقامة المستشفيات، وإرسال البعثات الطبية إلى الخارج.

ففي عام 1818؛ انتشر الطاعون في مصر، وحصد عددًا من الأرواح، فدخل الناس في الحجر الصحي، والمنع من الملامسة، وتبخير الأوراق والمجالس، وقضى محمد علي باشا شهر رمضان من هذا العام "مكرتن" (عزل) في قصره بشبرا ولم يصعد إلى القلعة كعادته في شهر رمضان.

وشهد عام 1835 أخطر انتشار لمرض الطاعون في مصر، عندما اجتاح القاهرة والوجه البحري، وقضى على الكثير حتى وصل عدد ضحاياه إلى 31 ألفًا، ومن الإجراءات الوقائية التي تم اتخاذها، فرض محمد علي حجرًا صحيًا بحريًا على السفن التركية، فقام بتأسيس مستشفى للأمراض المعدية بدمياط، ورغم كل هذه الاحتياطات، دخل الطاعون الموانئ المصرية الواقعة على البحر المتوسط، وفرض محمد علي كردونًا صحيًا، وقامت الشرطة والجيش بعزل ضحايا الطاعون في مستشفيات الأمراض المعدية وحرق متعلقاتهم الشخصية؛ ورغم كل هذه الإجراءات التي اتبعتها الدولة المصرية إلا أنها لم تؤتِ ثمارها، فحتى عام 1837، توفي ما يقارب الـ 75 ألف شخص في القاهرة، و125 ألفا في بقية المحافظات.

وعندما انتشر الطاعون مرة أخرى في مصر عام 1841، كان يصاحب أطباء الطاعون كتائب من الجنود، ولكن الأهالي لم يكونوا متعاونين، ففي فبراير 1841، قابل 300 شيخ من شيوخ القرى محافظ الغربية بالدلتا وأكدوا له أن فلاحيهم لا توجد بينهم إصابات بالطاعون، وكان هذا غير صحيح، فبعد عدة أيام توفي 650 فلاحا في إحدى قرى الغربية، وهو نصف عدد سكانها، واحتاج المرضى قرية أخرى بأكملها، وتم فرض تدابير ضد الطاعون في غاية القسوة، ففي أي قرية مشتبه فيها، كان المصابون يوضعون في العزل، وكانت القرية تحاط بأكملها بكردون صحي يحرسه الجنود.

وفي داخل القرية كانت تحرق الملابس والمتعلقات الخاصة بالمتوفين، وكان يتم ترحيل باقي فلاحي القرية، ويوضعون في حمامات عامة لتنظيفهم وتطهيرهم، واستطاعت الإجراءات الوقائية التي اتخذها محمد علي النجاح في السيطرة على الطاعون.

ومن الأوبئة التي انتشرت في مصر كان وباء الكوليرا، حيث ضرب مصر عشر مرات في تاريخها الحديث أعوام 1831، 1834، 1850، 1855، 1865، 1883، 1895، 1902، 1947.

فظهر أول مرة في عام 1831، وحاول كلوت بك وتلاميذه القضاء على هذا الوباء ولكن دون جدوى، حيث كان يقضي على 3 آلاف مواطن يوميًا، وفي العام التالي 1832، تم إنشاء مكاتب الصحة لأول مرة في مصر، وخاصةً في دمياط ورشيد، والعريش، وتم تشكيل المجلس الصحي الذي كان النواة الأولى لمجلس الكورتينات والصحة البحرية، وعلى الرغم من ذلك فإن وباء 1834 حصد الآلاف أيضًا، و مما ساعد على سرعة انتشار المرض عدم وجود الأمصال والعلاج.

وفي عام 1836؛ حمل العديد من الحجاج العائدين من الحجاز ميكروب الكوليرا، حيث تم نقل الحجاج عبر الباخرة (سدني) المتجهة إلى السويس، حيث أخفى قبطان السفينة المرضى، فانتشر في السويس، وانتقل إلى الإسكندرية فمات حوالي 4000 شخص، وكان يموت يوميًا في دمياط96 شخصا، وفي القاهرة حصد 6 آلاف مواطن أي ما يوازي 12% من السكان، وقدر عدد الوفيات بالكوليرا عام 1865 في عصر الخديو إسماعيل بـ 60 ألفا من السكان.

وفي عام 1883؛ انتشر المرض بمولد الشيخ أبو المعاطي بدمياط، و أدى لوفاة 15 ألفًا معظمهم من أهالي بورسعيد، المنزلة، المطرية، الدقهلية.

وفي عام 1902؛ ضربت الكوليرا قرية موشا بأسيوط، وكان بسبب قيام العمدة بالتستر على المرض من خلال إخفاء القادمين من مكة المكرمة، وانتشر المرض بعدها إلى القاهرة من خلال امرأة كانت قادمة من القرية، وأدى الوباء لموت 34,595 مواطنا، وبلغ عدد القرى والنجوع التي انتشر فيها الوباء 2026 قرية، ونجعًا، وانتهى وباء موشا عام 1902 ليعاود الظهور في 1947م.

ومن الأمراض الأخرى التي ظهرت في مصر كان الجدري، والذي كان يظهر بشكل وبائي، كما حدث في عام 1825م، 1836م، وقد شن محمد علي باشا حملة تطعيم شاملة على مستوى البلاد، فأصدر أوامره إلى جميع الجهات بأنه استحضر اثنين من الحكماء الفرنسيين بواسطة القنصل الفرنسي وأنهما سيقومان بتطعيم الأهالي بمادة الجدري، وتعليم ما يلزم في فن التطعيم.

والجدير بالذكر، أن محمد علي باشا قد اتخذ وسائل أخرى للوقاية من الأمراض، بإبعاد الجبانات خارج جميع المدن والقرى، ونقل أسواق السمك، وأماكن الذبح إلى أرض خلاء بعيدة عن السكن.

مصر العظيمة سوف تبقى دائمًا  حلم الغريب وواحة الحيران
مصر العظيمة سوف تبقى دائمًا  بين الورى فخرًا لكل زمان
حفظ الله مصر ووقاها شر الأوبئة والأمراض