الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

رامي المتولي يكتب: أحمد مراد.. السيناريست الذي وجد مكانه في فريق الأحلام

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 02:22 ص
الهلال اليوم
طباعة
بقلم رامي المتولي
يُعرف أحمد مراد بالكثير من الوظائف والألقاب التي تسبق اسمه، تبعًا لطبيعة ما يقدمه، فهو مُصَوِّرٌ ناجحٌ، ومُصَمِّمٌ لأغلفة الكُتُب، وسيناريست وروائي، وقبل كل هذا هو شاب يحمل وجهةَ نظرٍ ورؤيةً وتفاعلًا مع تاريخنا وما يحيط بنا من أحداث، ويعبر عن هذه الرؤى بشكل واضح، ويضعها على ألسنة أبطاله، ينطقون بها، وتعبر عن عوالمه. وهناك حالة الجدل التي تُثار دائمًا عندما تُسلط الأضواء على أعماله الجديدة، ويتكرَّر الجدل حول طبيعة ما يكتبه، وهل يمكن وصفه بالأديب أو الروائي، وما جدوي وصف كُتُبه "بالأكثر مبيعًا"، وعلاقة ذلك بالمحتوى، وبالطبع يتكرر الهجوم على القرصنة الورقية والإليكترونية، باعتبار أن رواياته من أكثر ما يُقلد وبأسرع وقت في الفترة الأخيرة.
بدأ النجاح الكبير مع رواية "فيرتيجو" عام 2017، وإقبال عدد كبير من الشباب على قراءتها، وتحول أحمد مراد إلى ظاهرة، يمكن أن نطلق عليها ما نشاء، لكن لا يمكن أن ينكر أي شخص نجاح أحمد مراد وتَصَدُّر رواياته للمبيعات. فما إن تُطرح روايته حتى نجدها تقرصنت بعد يوم أو اثنين، وتظل هناك حالة نقاشية ما بين مهاجم ومعارض لفترة بعد الطرح، إلى أن يعود كل شيء لهدوء نسبي، ونعود مرة أخرى مع عمل جديد. معروفٌ أن روايته الأولى تحوّلت إلى مسلسل من بطولة هند صبري وظافر العابدين وسيد رجب وسلوى خطاب، وعدد آخر من النجوم، وكان السيناريو لمحمد ناير والإخراج لعثمان أبو لبن.
لكن المسلسل لم يحظَ بنفس حجم شهرة وانتشار الرواية؛ ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة: منها أن المستوى الفني للمسلسل لم يكن على حجم توقعات قُراء الرواية، الذين انتظروا بشوق كبير تحويلها إلى عمل فني، فأحداث الإثارة التي تضمنتها الرواية تتطلب أن يكون المسلسل متعاقب الأحداث بحيث لا يسمح للمشاهدين بالتقاط الأنفاس، لكنها لم تأتِ كذلك، بل جاء إيقاع المسلسل هادئًا لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع طبيعة هذا النوع، وهو الجريمة والإثارة.
بعيدًا عن المستوى الفني، يأتي ما يخطط له مراد لمستقبله، وهي تفصيله تربطه بالسينما والتليفزيون، وترتبط بشكل مباشر بأسلوبه في الكتابة. مراد عَنْوَنَ روايته الأولى بـ "رواية سينمائية"، وأسلوب سردها مرتبط بالتتابع الذي نراه في السيناريو، وبالشكل الذي يفرد مساحة للوصف، بحيث يتتبع القارئ رحلته مع البطل كأنه يراه، ويسير معه خطوة بخطوة، هذا إلى جانب بساطة التعابير والتراكيب اللغوية، بالشكل الذي يبدو مناسبًا لجمهور الشباب، وللقراءة التي لا تتطلب تركيزًا بشكل قوي، مما يجعلها أسهل في التعاطي معها، وبالتالي تصل إلى جمهور أكبر.
رواية أحمد مراد الثانية "تراب الماس"، صدرت عام 2010، وحققت نجاحًا وشهرة أكبر من الراوية الأولى، وتدور حول قاتل متسلسل، يترصد الفَسَدَة الذين يراهم يستحقون العقاب، ليكمل مشوار والده الذي كان أيضًا قاتلًا متسلسلًا أخفي جريمته جيدًا. اشترى الفنان أحمد حلمي حقوق تحويل الرواية إلى فيلم، لكنها ظلت حبيسة الأدراج، يسأل عنها الجمهور الراغب في رؤية الأبطال مُجَسَّدين على الشاشة، إلى أن ظهرت رواية مراد الثالثة "الفيل الأزرق" عام 2012، وتحوّلت عام 2014 إلى فيلم أيقوني في السينما المصرية بنفس العنوان. ولم يتقدم حلمي بـ "تراب الماس" خطوة للأمام، صحيحٌ أن هذا الأمر كان محبطًا في وقتها، ولكن هذا التأجيل تبعه استرداد مراد لحقوق تحويل الرواية إلى فيلم، فأصبح الأمر أفضل مما سبق؛ إذْ ارتبط مراد مع أربعة من فناني السينما في "الفيل الأزرق" بالشكل الذي حوّلهم فيما بعد إلى فريق ناجح. بالتأكيد كان الأمر سيسير بشكل مختلف لو ظل المشروع في يد أحمد حلمي.
خمسة أسماء تحولتْ إلى فريق الأحلام، بدايةً من فيلم "الفيل الأزرق"، وهم: السيناريست أحمد مراد، ومدير التصوير أحمد المرسي، والمونتير أحمد حافظ، ومهندس الديكور محمد عطية، والمخرج مروان حامد. ومن البديهي أن أهم عنصر في فيلم سينمائي هو انسجام فنانيه معًا، وهذا ما تحقق في فيلم تسبب في حالة إبهار لدى قطاع كبير من الجمهور، كان يظن أن هذا المستوى لن يتحقق في فيلم مصري ، لا سيّما أن جرعة الإثارة والخيال في الرواية كانت كبيرة، ما أثار الشكوك لدى البعض في احتمالية عدم ظهور الفيلم بشكل جيد. 
بداية النجاح كانت مع اختيار البطل كريم عبد العزيز، فهو واحد من قليلين نستطيع أن نقول عنهم بشكل حقيقي "نجم شباك"، وكذلك باقي الممثلين في الأدوار الرئيسة: خالد الصاوي ونيللي كريم ومحمد ممدوح، كانت اختيارات جيدة، الفضل فيها بالتأكيد يعود إلى المخرج وإدارته للأداء التمثيلي. الديكور أيضًا من أهم عناصر الإبهار في العصر الحالي، لا سيّما عند العودة بالزمن لتتبع الجِنّ الذي يستحوذ على أجساد ضحاياه ويدفعهم لارتكاب جرائم القتل، ونهايتهم تكون في عنبر المرضى النفسيين الخطرين "8 غرب"، حيث الطبيب النفسي يحيي راشد، البطل الذي يتصدّى للجِنّ ومؤامرته. وعلى الرغم من كون يحيى شخصية سلبية، إلّا أنه حصد النجاح برسم الشخصية القادمة من الرواية. كذلك سيناريو الفيلم الذي ضم العديد من المشاهد التمثيلية قوية الأداء بين كريم وخالد الصاوي ونيللي كريم ومحمد ممدوح، حيث اعتمد مروان في الأساس على مواهبهم القوية، مع كون الشخصيات مركبة، ما فتح أمامهم مساحات كبيرة.
الديكور - على بساطته - كان مُبهرًا، وَظَّفَه عطية ومعه مروان بشكل مُتْقَن، ثم جاء دور المونتير للحفاظ على إيقاع الفيلم السريع ونحن نخوض رحلتنا مع البطل. وتَحَكَّم أحمد المرسي في الصورة التي كانت العنصر الأكثر أهمية في جذب الجمهور، حيث إنها وسيلة التفاعل الأولى مع المشاهدين. إن "الفيل الأزرق" - روايةً وفيلمًا - حقَّقَا نجاحات متعددة بما فيها الناحية التجارية. ومهما اختلف الكثيرون على الجودة الفنية يبقى النجاح أمرًا لا جدال فيه.
عام 2017 تطور فريق الأحلام نتيجة عملهم معًا، وقدموا "الأصليين". أحمد مراد هنا هو السيناريست لعمل أصلي غير مقتبس من رواياته. وفي هذا الفيلم تحديدًا ظهر التقارب في الأفكار بين مروان ومراد حيال المجتمع والسياسة. وقد خرجت تجربة الفيلم جيدة جدًا فنيًّا، بدايةً من اختيار ماجد الكدواني كبطل أول، وهو أمر غير معتاد على الرغم من موهبته وقدراته كممثل، حيث جاءت نجاحاته في السينما من خلال الدور المساعد لا الأول. 
نحن أمام تجربة مُبهرة - صورةً وديكورًا ومونتاجًا - من أعضاء الفريق، وأمام أداء تمثيلي مُمَيّز لمنة شلبي، وكذلك محمد ممدوح، رغم صغر مساحة شخصيته، وبالطبع خالد الصاوي الذي يُعَدُّ دوره في هذا الفيلم أفضل أداء جيد له حتى الآن. يكفي متابعة مشاهد الاحتفال بمولد العذراء ليتضح لنا قوة هذا الفريق في العمل معًا، سواء على مستوى السيناريو والحوار، أو التصوير في الأماكن المظلمة مع الإضاءة الطبيعية، والمونتاج، والرؤية العامة التي تترجم شكل الهوية المصرية حسب رؤية السيناريست والمخرج، إذْ هي العمود الفقري الذي تدور حوله كل أحداث الفيلم. 
في العام التالي تعاون الفريق مرة أخرى لكى تخرج الرواية المظلومة "تراب الماس" إلى الشاشات الكبيرة، ومن خلاله تبلورت أكثر آراء مروان/ مراد السياسية، ورؤاهما للتاريخ والسياسة وتأثيرها على الحاضر، وشكل الحاضر في عيونهما. تبلور كُلُّ ذلك في الفيلم بشكل أكثر عمقًا من الرواية، وإذا كانت المقارنة بين الرواية والفيلم لا تجوز – لكونهما وسائط مختلفة - لكن هذه المقارنة تبرز بقوة التطور الإيجابي الذي طال أحمد مراد. وتَحَوَّلَ "تراب الماس" من مجرد نجاح لرواية "بوب كورن" إلى رغبة في تعميق الأفكار وتقديم طرح مغاير بجرأة، سواء على المستوى السياسي بالحكم على مرحلة تاريخية، أو على المستوى الأخلاقي بحالة التعاطف مع قاتل متسلسل ومُطَبِّقٍ قسريٍّ للعدالة. وفي هذا الفيلم أيضًا يتفوق كالعادة عناصر التمثيل والتصوير والإخراج والديكور والمونتاج مع جودة السيناريو.
في هذه المرحلة يمكن القول إن التراب يتحول إلى ذهب في يد أحمد مراد، روايات متتالية الصدور تنجح بمجرد الإعلان عنها، والشيء نفسه مع أفلامه السينمائية، كلاهما ينجح في إثارة الجدل والصراع حول العديد من التفاصيل، لذلك كان من الطبيعي جدًا استغلال نجاح فيلم "الفيل الأزرق" بجزء ثانٍ، مع إضافة ممثلين جدد، واستغلال نفس الحبكة في عودة دكتور يحيي ومواجهته للجني مرة أخرى، ولكن هذه المرة في جسد سيدة قدمت شخصيتها هند صبري، وغريمه هذه المرة هو طبيب آخر قدم شخصيته إياد نصار، مع زيادة جرعة العودة بالزمن، وبالتالي التحميل أكثر على مهندس الديكور محمد عطية، واستخدام نفس قالب اللُّغز الذي يهدد حياة يحيى ومن يحبهم، وبالتالي التحميل على المونتاج والسيناريو الذي يتعامل مع تفاصيل أقل من الرواية، تمهيدًا لصناعة جزء ثالث من الفيلم، وتتحول الثلاثية إلى سلسلة، وربما عالم متكامل نتابعه من خلاله مغامرات يحيى بعيدًا عن أحداث الرواية. 
رواية "1919" التي صدرت عام 2014 في طريقها إلى الشاشات الكبيرة بفيلم "كيرة والجن"، الذي يتصدر بطولته نجما الشباك كريم عبد العزيز وأحمد عز، بنفس فريق الأحلام الخماسي. تعود أحداث الفيلم إلى ثورة 1919، حيث الكفاح ضد المحتل البريطاني، وبداية تكون واحدة من أفضل التجارب السياسية في مصر، وهي نشأة وتَكَوُّن حزب الوفد تحت رئاسة السياسي الراحل والزعيم الوطني سعد زغلول. ومن المتوقع أن يكون الفيلم على المستوى المنتظر، نظرًا لتكرار تعاون الفريق أكثر من مرة بعضهم مع بعض، وفي الوقت ذاته هو فرصة لطرح الأفكار والاشتباك مع كثير من الأحداث السياسية التي شكلت مصر في العصر الحديث. 
نتمنى أن يتخلص مراد من المشكلة الرئيسة التي تواجه سيناريوهات أفلامه، وهي تراجع جودتها في الثلث الأخير من حيث الإيقاع والحوار، حيث يُلاحظ بشدة غياب الحدث والميل إلى التطويل، وكأن السيناريست الذي قاد رحلة التلاعب بالمشاهدين طول فترة فيلمه قد تغير ولم يعد نفس الشخص.

نشر المقال بالتعاون مع مجلة عالم الكتاب - عدد 48 - سبتمبر 2020