الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

لينا النابلسي تكتب: اكتب كأنك أحمد مراد

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 03:22 ص
الهلال اليوم
لينا النابلسي
طباعة
كانت البداية عندما دخلتُ مكتبة لبيع الكتب عام ٢٠٠٧، ووجدتُ على الطاولة مجموعة من الروايات الجديدة. من بين أغلفة الكتب الملونة وقعتْ عيناي على غلاف أبيض وأسود، وقرأتُ "فيرتيجو"، وتحتها بخط أحمر خجول "رواية سينمائية". ابتعتُها، وبعد قراءة مشوقة ظل اسم الكاتب عالقًا في ذهني، "أحمد مراد". وفي ٢٠١٠ لم أتردد عندما وجدتُ رواية "تراب الماس" معروضة في واجهة إحدى المكتبات. وفي ٢٠١٢ ربطتني زمالة وصداقة بأحمد مراد، وتابعتُ تطوره ككاتب على مر السنين، بدايةً من "الفيل الأزرق"، التي حققتْ انتشارًا واسعًا، وكان لها دور كبير في فتح الباب مجددًا للقارئ صغير السن، الذي خرج من منزله، ووقف في صف طويل بمعرض الكتاب، ليحصل على نسخة مهداة وصورة مع كاتبه المفضل، ويجلس ليتابع كل جديد يخصه على وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد كان لأحمد مراد أثر في إعادة شغف القراءة لجيل بأكمله، ظننا - نحن الكتاب - أننا فقدناه إلى الأبد، أمام لعنة البلاي ستيشن والفيسبوك. وظللتُ أتابع كل جديد له، حتى وصلتُ إلى روايته الجديدة "لوكاندة بير الوطاويط".
كانت بدايات أحمد مراد خجولة بعض الشيء؛ إذْ كان يكتب روايات تشويقيه ليتورط معه القارئ بشكلٍ ما في رحلة البحث عن حلول لألغاز تنتهي بنهاية الرواية، التي قد تتحول لعمل سينمائي أو تلفزيوني. كان الحوار دائمًا سيد الموقف، وكأن موهبته الواضحة في كتابة السيناريو تأبي أن تتركه يهنأ بتجربة الكتابة الأدبية. لكن الحال بدأ يتغير تدريجيًّا في روايات مثل "١٩١٩"، و"أرض الإله"، و"موسم صيد الغزلان"، التي بذل فيها الكثير من الجهد، بالبحث والمذاكرة والتحضير، والكتابة التاريخية عن حقبة زمنية، ومحاولة التركيز على موهبته، بعيدًا عن الخلط بين كتابة السيناريو أو الرواية السينمائية.
 ولكن .. هل اكتفى أحمد مراد بهذا القدر من الكتابة؟! وهل رضي القارئ عن كاتبه المفضل الذي برع في كتابة السيناريو، كما برع في كتابة الرواية المشوقة المبنية على الأحداث التاريخية أو الحبكة الدرامية التي تدفع الأدرينالين في الدم، وتجعلك لا تترك الكتاب من يدك قبل أن تنتهي منه؟! ستأتيك الإجابة في روايته الأخيرة.

 ما زلتُ أستحضر جيدًا ذلك الشعور الرائع الذي اعتراني وأنا أقرأ روايته الأخيرة "لوكاندة بير الوطاويط"، كدتُ أقفز من السعادة وأنا أصيح (أوريكا...أوريكا)؛ فلقد نجح ووجدها كما فعل أرخميدس، حين وصل إلى المعادلة التي تجعلني - كقارئ متمرس - أبحث عن جمال السرد والمفردات ودقة التعبير، وتعنيني الحبكة الدرامية وأبعاد الشخصيات، كما تعنيني تلك اللحظات المشوقة التي أحبس فيها أنفاسي، وأستشعر الخطر والحماسة التي يشعر بها قارئ مبتدئ يبحث عن جرعة مكثفه من التشويق كأفلام الأكشن، يركض خلف الأبطال، ويهتم بالإيقاع أكثر من اللغة. لأول مرة قد نتفق معًا على حب نفس العمل وبنفس القدر من الشغف والترقب.
كانت البداية حذرة بعض الشيء، عندما وجدتُ أن الرواية كلها مبنيه على المذكرات الشخصية للبطل. لن أكذبك - عزيزي القارئ - فقد شعرت بالقلق؛ هل سيستغني مراد عن براعته بتجسيد أكثر من شخصية رئيسة في ذات الوقت بنفس الحرفية والجودة؟! لقد كانت تلك إحدى أبرز نقاط قوته ككاتب، وكان يعتمد عليها بشكل كبير في كل رواياته السابقة. لكنني ما إن بدأتُ في القراءة حتى شعرتُ بالارتياح؛ فلقد نجح بامتياز في أن يجعلني – كقارئ - أتوحد مع البطل، وأصبح جزءًا رئيسًا من الأحداث. وهنا أصبحتُ مشاركًا ضمنيًّا في البطولة، جزءًا من الرواية وقطعةً من الأحجية.
تدور الأحداث عام ١٨٦٥م، في فترة زمنية قد لا تعلم عنها الكثير من كتب التاريخ. ولو بحثتَ عما يلفتُ النظر في مكان حدوث الرواية، معتمدًا على ما يقدمه لك محرك البحث على الشبكة العنكبوتية، ستقف لتسأل بفضول: ما الذي يلفت نظره ككاتب في هذا التاريخ تحديدًا؟ لكنك ستترك التاريخ خلف ظهرك بعد أن تقرأ الصفحات الأولى، وستطفو مع الأحداث غير عابئ بكل ما هو منطقي. ستدخل عالمًا صنعه أحمد مراد بحرفيه وذكاء وتأنٍّ، وبكثير جدًّا من الخيال.
المكان الذي سيأسرك هو لوكاندة بير الوطاويط، بحرفية السرد الموزون بدقه، ستستطيع أن ترى أثاث الغرفة، أن تنظر من النافذة إلى السماء، أن تشعر بالدماء تتحرك في عروق البطل، أن تسمع أفكاره وتلاحظ أدق التفاصيل. وحين تقرأ بخيالك - الذي سيصبح أداةً من أدوات الرواية - ستقع في غرام أسماء النباتات والأعشاب، وستبحث عنها بمحرك البحث لتتخيلها كما أراد لك أحمد مراد وهو يكتب، ستستخدم كل حواسك، بما فيها حاسة الشم، لتتوغل أكثر في عوالم لم تكن تعلم أنها موجودة من الأساس.
الأحداث التاريخية، المنسوجة بعناية وحرفية من خيال الكاتب، ستدخل في نسيج الرواية كجزء مكمل للحبكة الدرامية، وستشعر بأن هذا التواطؤ المريح يدفعك لتتشبث أكثر بالشخصية الرئيسة، وتتعاطف معها، وتشاركها كل ما يحدث لها. سيتسع عالمك الغريب ليمتلك الحاضر والماضي، ويتركك مع الكثير من التساؤلات: لماذا نضع قيودًا لحدود الخيال؟ وهل الواقع بالنسبة لي هو نفس الواقع لكل الأشخاص؟ أم أننا - وإن تشاركنا الزمان والمكان - قد يختلف واقعنا؟ هل يعنيني إن كانت تلك الأحداث حقيقية بنسبة كبيرة؟ أم إنها حدثت بالفعل في خيال البطل أو خيالي؟ ومَنْ مِنَّا البطل؟ وهل حدوثها في خياله يجعلها أقل أهمية؟ أو يقلل من جودتها؟. 
الإجابة هي لا .. بل ستبحث مُجَدّدًا عن الطريقة المثالية لحماية نفسك، وستهرب مع البطل من كل خطر يتربص به، ستنبش معه في الألغاز وتحاول أن تكشفها، ولن تيأس عندما تتعقد الأمور، بل على العكس سيدفعك كل هذا إلى التورط العاطفي مع الرواية حتى آخر سطر فيها.
في "لوكاندة بير الوطاويط" كُلُّ غريبٍ مألوفٌ، وكُلُّ مألوفٍ غريبٌ. هناك، حيث المذكرات الشخصية لبطل الرواية، تنتظرك في غرفة غريبة الرائحة، مظلمة إلّا من ضوء خفيف تبعثه لمبة جاز، على الجدار صور لأشخاص من طبقات اجتماعية مختلفة. اسمعْ جيدًا، فربما في مكانٍ ما صوتٌ يتحدث إليك، ولا تنسَ أن تستنشق الرائحة وتحاول أن تتذكر، فربما تكون قد علقتْ في خيالك في زمنٍ ما. انظرْ بتمعُّن، وابحثْ في عقلك عن مساحة فارغه ليملأها الخيال. هناك في الزاوية مجموعة أوراق تقبع على طاولة صغيرة بجوار قوارير زجاجيه وأدوات، لن تتعرف عليها الآن حتى تصبح جزءًا من الحكاية وتتشارك البطولة.
في زاوية الغرفة أيضًا يجلس أحمد مراد ليكتب أبرع رواياته، يعلق معطف كاتب السيناريو المبدع على علاقة خشبيه بجوار الباب، ويمسك بالقلم ليكتب رواية كاملة بلغة عربية سليمة، ومفردات تخلو من ألفاظ عامية. يخرج من حيِّزه الآمن ليبرع أكثر دون خوف أو تردد. ستشعر إن كنت من قُرَّائه القدامى أنه وجد ضالته أخيرًا، واستطاع أن يطهو لك وجبة دسمة، لا ينقصها ملح ولا تزيد فيها الشطة .. وجبة لن تؤلم معدتك، لكنها ستترك مذاقها في فمك لفترة طويلة، فلقد قام بطهوها لك خصيصًا على نار هادئة وبتركيز، لتناسبك أيًّا كان ذوقك.
يحضرني ما قاله الممثل البريطاني آلان ريكمان عن سلسلة روايات هاري بوتر الشهيرة للكاتبة الإسكتلندية ج. ك. رولينغ: "عندما أبلغ الثمانين من العمر سأكون جالسًا على كرسي خشبي هزاز، أقرأ في رواية هاري بوتر، ستسألني عائلتي: رغم كل هذا الوقت؟ مجددًا؟ وسأجيب: دائمًا".
أمَّا أنا، فعندما أبلغ الثمانين، وتصبح إصدارات أحمد مراد أكثر من ٣٠ رواية ناجحة، فسأجلس على كرسي مريح - لأنني أكره الكراسي الخشبية التي تؤلم الظهر - وسأمسك برواية "لوكاندة بير الوطاويط"، وستسألني عائلتي: رغم كل هذا الوقت؟ مجددًا؟ وسأجيب: دائمًا.

نشر المقال بالتعاون مع مجلة عالم الكتاب - عدد 48 - سبتمبر 2020