الإثنين 30 نوفمبر 2020 الموافق 15 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

محمد سليم شوشة يكتب: أحمد مراد..السيمياء والكيمياء والثقافة البصرية

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 04:22 ص
الهلال اليوم
طباعة
بقلم محمد سليم شوشة
في سرد أحمد مراد مجموعة من الأنساق البنائية الثابتة، وتركيبة سردية تمثل هوية خطابه الروائي وخصوصيته، وتشكل ملامحه، وتحدد موقعه بين كُتَّاب الرواية المصريين والعرب. وفي تقديرنا كذلك أنها كاشفة عن نقاط القوة والضعف لديه. وسوف نتلمس ملامح هذا الخطاب السردي عبر مقاربتنا لثلاث روايات، وهي تراب الماس، والفيل الأزرق، ثُمَّ الرواية الأحدث "لوكاندة بير الوطاويط". 
يُجمع معظم القراء على أن خطاب أحمد مراد الروائي يتسم بقدرة كبيرة على التشويق وجذب انتباه المتلقي، والهيمنة على حواسه وإدراكه حتى نهاية العمل. وقد وظف العلامات والكيمياء لصناعة رواية بوليسية، تتأسس على لُغْز يتم طرحه منذ البداية. 
في الروايات الثلاث التي ندرسها هنا نجد أن لديه توظيفًا للأثر الكيميائي لمواد غريبة، أو مخدرات معينة، أو تركيبات طبيّة أو كيميائية معينة، باعتبارها أداةً للقتل. وإن لم يتم استخدامها كأداة مُلْغِزة للقتل فإنها تُسهم في خلق نمط غرائبي من الشخصيات الروائية، التي تتداخل لديها الرؤية، وتصبح مختلفة عن سائر البشر. وهذا ما تحقق في رواية الفيل الأزرق، حيث كانت الأقراص المخدرة صانعةً لنموذج إنساني غريب ومختلف، تختلط لديه الرؤية والأحلام، ويتداخل لديه العالم الواقعي مع عوالم ما ورائية، تصنع تمديدًا في الحياة التي يقاربها السرد أو يتناولها. 
في تراب الماس تنحصر قيمة الكيمياء، أو المادة الكيميائية، في كونها وسيلة للقتل، ولكن هذا لا يعني أن الظلال النفسية العميقة للشخصيات غير حاضرة، إذْ نجد شخصية الأب/ والد طه في غاية التركيب والتعقيد، ويحمل ميراثًا ثقيلًا حوّله إلى قاتل دون مجهود، ويبدو قاتلًا خفيًّا مثل مادته السحرية؛ لأن القتل يبدو مُحَيِّرًا أو غير محدد بدقة، وهو ما يصنع ثراءً في الطرف الآخر، ألا وهو رحلة البحث البوليسية لمعرفة القاتل والكشف عنه، ومن هنا يكون الربط بين عدد من حالات القتل. ثم تأتي فكرة استغلال الضابط له زيادةً في تداخل الخطوط الدرامية، وهو ما يخلق في الرواية نموذجًا آخر - مُركبًا ومُعقدًا - وهو الضابط. فنجد الرواية هنا تأسست بدرجة كبيرة على أثر المادة الكيميائية، وهو لغز واحد يجعل الرواية في غاية التماسك وبعيدة عن الترهل. 
أمّا في الفيل الأزرق فنجد أن استخدام الكيمياء تطوَّر واختلف عن تراب الماس السابقة عليها؛ لأن المادة المخدرة لم تكن قاتلة بذاتها، بل بأثرها، أو بشكل غير مباشر، ولم تكن هي الأساس الوحيد الذي يقوم عليه العمل، بل تضافر معها فكرةٌ شعبيةٌ راسخةٌ، وهي الجانُّ الذي يتلبس البشر، ويأتي هذه المرة عبر شخصية تاريخية، ومن ثَمَّ يتم تمديد العمل إلى مساحة تاريخية بدرجةٍ ما، لأن الروح العابرة - المتلبّسة بالشخصية - تصبح هي الأخرى شخصيةً روائيةً لا بُدَّ أن يكون لها جذور، ويتم طرحها بتاريخها وتفاصيلها القديمة، وهو ما يصنع - مع الأثر الكيميائي والرواية البوليسية - حالةً من الفانتازيا أو العجائبية، التي تُسهم بشكل كبير في إعلاء التشويق، وبخاصة إذا اقترنت هذه الروح الخفية بحالٍ من العداء، وأصبحت فاعلة في صُلب الجريمة أو اللغز البوليسي. هنا تتضافر الكيمياء مع عنصر آخر يصبح علامةً شبه ثابتة وتيمة محورية في أعمال أخرى لأحمد مراد. 
والحقيقة أن الماورائيات، أو الأرواح الخفية وفكرة الجانّ، إذا كان لها إيجابياتها، فإن لها سلبياتها كذلك. فمن إيجابياتها أنها تصنع تمديدًا لعالم الرواية، وخُروجًا عن حدوده المادية والواقعية والعقلية الضيّقة، وتكسر ملل الواقع. لكن من سلبياتها أنها تُحيل القارئ إلى مصادر معرفية وهمية، في عصر غلبت فيه المادة، أو أصبح العلم المادي فيه مُهيمنًا، حتى إن الفلسفة المرتبطة بالماورائيات نفسها تراجعت، وتراجعت معها كافة الأسئلة المرتبطة بالموت والآلهة وغيرها، في حين انصبت الفلسفة الحديثة على الحياة بشكلها المادي المُدْرَك بالحواس؛ لأنها صارت براجماتية ونفعية إلى حد بعيد. والحقيقة أن الإنسان الشرقي - تحديدًا - عقله مُشْبَعٌ بشكل طبيعي بالغيبيات ومُزْدَحِمٌ بالأسئلة الميتافيزيقية الكبرى، وهو ما يجعله بعيدًا إلى حد كبير عن النهضة العلمية والحضارية السائدة في العالم الآن، وتحوَّل إلى مجرد مستهلك. 
هذه الروايات – إذنْ - على قدر كبير من التشويق لفئات كثيرة من القراء، وبخاصة الشباب، لكنها من جهة أخرى قد تكون مُكَرِّسَةً لمزيد من التفكير الغيبي، ربما نحن – على وجه الخصوص - في حاجة إلى التخفف منه. نعم!! قد تكون أعمالًا مُنَمِّيَةً للخيال بدرجة كبيرة، مثل ألف ليلة وليلة وغيرها من الأعمال العجائبية المدهشة، ولكنها من الناحية المعرفية قد تبدو متناقضة. والطريف أن فيها مجهودًا بحثيًّا جيّدًا فيما يخص الكيمياء أو علم العلامات، وكلها مصادر معرفية حداثية من الإنصاف الإقرار بها، وهذا يمثل تناقضًا مع الخط الآخر المرتبط بعالم الأرواح والجانّ والجانب الفانتازي. 
في هذه الروايات كذلك جانب إيجابي، ربما يكون أكثر أهمية مما سبق، وهو ما يرتبط بعلم العلامات أو السيمياء، والحقيقة أن كل الأُطُر البوليسية التي بنى عليها مراد رواياته تتأسس على فكرة العلامات والسيميولوجيا بشكل دقيق، وتصنع حالًا من الثراء المعرفي والعلمي، وهو اتجاه راسخ في الرواية البوليسية في العالم، وكذلك في السينما العالمية، ولكنه مفقود في رواياتنا، وبخاصة الأدب غير محدد الفئة العمرية أو الموجه للكبار، فبعض الروايات البوليسية، وروايات اللغز والجريمة، فيها هذا الجانب العلاماتي، ولكن بدرجة خفيفة تتناسب مع فكر الناشئة، أمّا أدب الكبار لدينا فيكاد يخلو من الرواية البوليسية، وهي أعداد محدودة وقديمة وغير مجارية لتطور هذا النوع في العالم. رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ مثلًا هي واحدة من هذه الروايات المتقدمة، ولكنها نوع أدبي غير متطور لدينا. في الرواية العالمية مثلًا نجد أدباء كبارًا مثل أمبرتو إيكو وأورهان باموق وإيزابيل ألندي كتبوا الرواية البوليسية، ولكنها ظلت كما هي بثرائها الفكري وثرائها الجمالي وقابليتها للقراءات المتعددة، ولم تفقد أهميتها أو قيمتها الأدبية بمعرفة لغز الجريمة وانكشاف القاتل. من هذه الروايات المُهمة تاريخيًّا رواية اسم الوردة أو اسمي أحمر، وهي تحتاج إلى تكرار القراءة؛ لأنها جمعت بين القيمة الأدبية الرفيعة والثراء الدلالي والخط البوليسي المشوق. 
والسؤال الدقيق الذي أتصور أنه يجب طرحه على أنفسنا: أين يقع أدب أحمد مراد البوليسي من هذا النوع من الأدب؟ في تقديرنا الشخصي أنه خطوة جيدة للاقتراب، ولكن ما زالت هنا خطوات أبعد. فلديه توظيف جيد لعلم العلامات وقراءة ملامح الشخصية، أو استخدام أشياء المكان أو العلامات الدقيقة لمعرفة أشياء حول الجريمة. فهذا النوع من الكتابة يُعْنَى عناية كبيرة بالأشياء والتفاصيل الصغيرة، وتوظيفها علاماتيًّا لتقديم فكرة مكثفة، ولصنع حالة من التشابك الدلالي الذي يُسهم في بناء عالم مُلْغِز مرتبط بعضه ببعض. الطبيب النفسي، الذي يستطيع أن ينفذ من ملامح الوجه وتعبيراته إلى أكاذيب الشخصية أو حالتها النفسية - في رواية الفيل الأزرق - تطوَّر بعد ذلك في رواية لوكاندة بير الوطاويط، وأصبح قادرًا على تحليل علامات الجثث أو صفاتها أو المواد الكيميائية التي في المكان حولها ليكشف لُغْزًا ما. 
في رواية لوكاندة بير الوطاويط، وهي مرحلة متقدمة بدرجة أكبر، نجد أن مراد قد أجاد في أكثر من نقطة؛ لأنه لم يجعل جريمة القتل مرتبطة بعلامة واحدة، أو لم يجعل مصير اللُّغز مرتبطًا بتمثال الأسد فقط، بل كذلك بقطعة العملة ذات تاريخ السك الواحد 1223 هجري. ونوّع كذلك في العلامات الدالة على كيفيّات عديدة للقتل والتنكيل والتعذيب، وبلغ درجة مدهشة حين صنع خلطًا بين جثة الغجري وجثة المرأة، معتمدًا على علامات الجثة وثقافة الغجر في الملبس، وتحديدًا الملابس الملونة والخلخال، وجمع بين الثقافة البصرية والعلامات في عالم روائي شديد التماسك، ويتمحور كله حول شخصية واحدة اجتمع فيها الطب والتصوير والبحث الجنائي. 
ومن القيم الجمالية البارزة لهذه الرواية هو تمثلها للغة الحقبة التاريخية التي تدور فيها أحداث الرواية بدرجة كبيرة من المطابقة، وهو ما يَدُلُّ على طاقات بحثية كبيرة وراء الكتابة، ويجعل القارئ دائمًا مُعَايِشًا لشخصية من ذلك العصر. وثمة ملاحظة أخرى حول الإضاءة في ذلك العصر، وأثرها على الرؤية ووصف أشياء الأماكن، لتشكل حالًا شعرية للسرد، تُسهم في زيادة تماهي المتلقي مع الحكاية. 
والحقيقة أن الثقافة البصرية تكاد تكون مُهيمنة بشكل كامل على سرد روايات أحمد مراد، بما يجعلنا أمام ذهنية سردية منشغلة بهذا التكوين البصري، وربما بالمرحلة التالية، وهي الإنتاج السينمائي. والحقيقة أن هذه السمة لها أهميتها وسلبيتها كذلك، فمن أهميتها أنها تجعل المتلقي مُحَاصَرًا بكثافة بصرية، وبعناصر إدراكية تفصيلية، تجعله مُدْرِكًا تمامًا لهذا العالم المسرود عنه، ولكنها – على الجانب الآخر - تعطيه كل شيء جاهزًا، ولا تمنحه فرصة لتخيُّل المزيد، أو ليكون شريكًا في إنتاج ملامح هذا العالم بمخيلته.

نشر المقال بالتعاون مع مجلة عالم الكتاب - عدد 48 - سبتمبر 2020