الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

الأمن القومي بين ثنائية الحروب السيبرانية والإرهاب العولمي

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 12:32 م
الهلال اليوم
حسام العادلي
طباعة

مع انتشار الإنترنت لأقصي بقاع الأرض , وما صاحبه من تطوُّر متسارع لوسائل التواصل الاجتماعيSocial media""", ظهر عالم موازٍ للعالم الواقعي , تم تسميته بالعالم الافتراضي  virtual world" "" . واصطلاح العالم الافتراضي بات - الآن - غير دقيق ؛ فلفظة "العالم الافتراضي" إنما تُدَلل عليه بأنه : عَالْم غير حقيقي ومصطنع . ولكن الواقع يشير لأن هذا العالم "الافتراضي", صار بدورهِ عالمًا حقيقيًا ومتكاملًا يُحَاكي العالم الحقيقي ويعبر عنه , بل ويتطابق معه بشكل شبه كامل . له خصوصية تتمثل في تفرُّد إحداثياته , وقوانيه , وضوابطه , ومعاييره. ففضاءات عالم ماوراء الشاشات , تتشظى كل ثانية لعدد لا نهائي من المواقع الإلكترونية , والصفحات : الشخصية , والعامة , والرسمية , والاعتبارية . بل وأن هذا العالم -الافتراضي - يبسط سطوته على الواقع الحقيقي , من خلال قدرته الفريدة علي تجاوز قيود الحدود الجغرافية بما يحمله من أفكار وآراء ، والتأكيد عليها بطريق الترويج لبراهينها ومدركاتها .

على الخط المتوازي مع قدرة "السوشيال ميديا" في التأثير الاجتماعي على نطاق واسع تظهر خطورة المقاصد اللاشرعية للعالم الشبكي ، ودرجة تهديدها الهائلة لاستقرار الأمن القومي للدول بشكل مخيف ؛ إذ تُنشئ أجهزة الاستخبارات المعادية , والكيانات الإرهابية , والأيديولوجية المتطرفة , كتائب إلكترونية مدسوسة , تدأب على صياغة الآراء والأفكار المسمومة , وبلورتها في صورة خطاب تفاعلي منزّه عن صلته بالأيديولوجيات , وبريء - ظاهريًا - من الانتماءات السياسية , وإطلاق قذائفها من فوهات منصات مواقع التواصل المختلفة فوق عقول العامة , ثم تصديرها للشعوب بشكل انشطاري مذهل ، عبر خطاب عالمي متكامل . فتبدو لهم وكأنها للصالح العام , ومن ثم تجنح لإدانة القيادة السياسية للبلاد والتشكيك في كفاءة ونزاهة جميع مستوياتها الأفقية والرأسية , بالنزوع إلي عرض سلبيات مجافية للواقع وتجريفها من ثمة إيجابيات , وتزامنًا مع موجات التفاعل واسعة النطاق trend"" يُعاد تكوين المعتقدات العامة للجمهور, عن طريق إيجاد حالة عامة من الالتباس"whataboutism", وبث حالات الإحباط العام , والحض علي الكراهية المجتمعية , والتمييز العنصري , والديني والعرقي .

هذا النمط السالف ذكره هو صورة الويب المعتاد "web  wide world" أو w.w.w"" علي مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة مثل " فيسبوك , تويتر, جوجل , إنستجرام " . وأما الصورة الأخري المستترة والخفية , فهي الأكثر خطورة , والأضخم حجمًا ، بل والمحرك الحقيقي لعالم التواصل الاجتماعي ؛ ألا وهي فضاءات "الحرب السيبرانية" (Cyber war) أو الحرب الإلكترونية , والتي تلعب الآن دورًا محوريًا بل وحاسمًا في استراتيجيات التفوق العسكري والاستخباراتي للدول, كما يستخدمها الإرهاب والمنظمات غير الشرعية , سواءً في شكل القرصنة الإلكترونية , أو التبادل المعلوماتي السري فيما بين حلقاتها صعودًا وهبوطًا . مسرح هذه العمليات التقنية الغير شرعية ما يسمي بالشبكة المظلمة "dark web  " أو الشبكة العميقة "deep web " ؛ وهي منطقة من شبكة الإنترنت تتجاوز 80% - علي الأقل- من مساحتها العنكبوتية , يتم فيها كل ما يتعلق بالحرب السيبرانية , والقرصنة المعلوماتية , ومن ثم الإعداد لتنفيذ العمليات الإرهابية , والعمليات غير الشرعية بما فيها نشاطات المافيا الدولية , والاغتيالات السياسية عن طريق قتلة مستأجرين , وتمتد إلي الأبحاث العلمية السرية , ووثائق ويكليكيس .

والواقع أن ؛ ما يحدث من تفاعلات موجهّة علي منصات التواصل الاجتماعي علي الويب ؛ لاستهداف الأمن القومي للدول واستقرار المجتمعات , ما هو إلّا نتاج لما يحدث ويتم ترتيبه وإعداده في تلك المنطقة المعتمة ""dark territory من الإنترنت بشتي صورها السيبرانية , وكذلك تفاعلات الإرهاب الرقمي ؛ الذي يضطلع بمهمة تأسيس شبكات ومنظمات دولية لتفريخ , واستقطاب العناصر القابلة للإدماج الفكري والعملي , في هيراركية هذه المنظومات الإرهابية , لتنفيذ مخططات إرهابية محدودة في نطاق زمني ضيق كحادث 11 سبتمبر, أو واسعة النطاق وعلي مدي زمني بعيد كتأسيس تنظيم داعش الإرهابي وبوكو حرام .

* الحرب السيبرانية (Cyber war)

منذ اختراع الإنترنت , ورواد مجال الذكاء الصناعي يحذرون من أن التدفق المعلوماتي عبر شبكة المعلومات , يخلق نقاط ضعف وثغرات أمنية لا يمكن الحد منها في الجيوش ولا سيما في المجتمعات , فيما عرف فيما بعد بالحروب السيبرانية . في عام 2009 أنشأ روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكي قيادة متخصصة للحرب السيبرانية قفزت ميزانيتها خلال أعوام قليلة من 2,7 مليار دولار إلي 7 مليارات دولار, وزاد عدد فريق "الهجوم السيبراني" من 900 فرد إلي 14000 فرد . وتبعت الولايات المتحدة نحو ٢٠ دولة في إنشاء جيش سيبراني متكامل .

تستخدم الدول الحرب السيبرانية قوي الإرهاب كمخلب قط في حروبها الهجين (وهي الحروب التي تتلاقي فيها الحرب التقليدية بالقنابل والصواريخ , مع حروب الفضاء الرقمي ) . إذ أنه في الفترة بين عامي 2011:2008 استخدم قادة الضباط الأمريكيين مصطلحات مثل الحرب "السيبرانية والهجين" , لتوصيف الأساليب التي يستخدمها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان , في صناعة المتمردين وجبهات المعارضة , لإيقاع خسائر فادحة بالخصوم الوطنيين . وتأكيد الجنرالات على هذا النمط من الحروب أنه سيصبح هو السائد في المستقبل القريب كما يحدث في سوريا الآن , إذ نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دشنت علي الصعيد العالمي في سبتمبر عام 2014 "التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة" , وبذات الوقت أطلقت البنتاجون "وزارة الدفاع الأمريكية" عام 2015 برنامجا سريا لدعم وتدريب المعارضة المناهضة لنظام بشار الأسد ومنها داعش،  وكلاهما يعتمد علي استراتيجية "الحرب الهجين".

ورغم ذلك تبقي التهم السيبرانية مثل : التجسس , والاختراق , والتأثير السلبي في الأمن القومي للدول , تهمًا صعبة الإثبات , يكتنفها القدرة علي التملص والإنكار, ولو أبرزت محاولات إثباتها , لا تشكل إدانتها مصداقية كبيرة لدي الرأي العام العالمي , وتبدو مطاطية وغير مقنعة.

* الإرهاب العولمي "globalisation terrorism" .

شكلّت التطورات التكنولوجية في وسائل الاتصال الناجمة عن العولمة , واستخدام السوشيال ميديا بنطاق واسع , ملمحًا رئيسيا في تحولات التنظيمات الإرهابية خلال السنوات القليلة الفائتة , وعملت علي تعزيز المنظومة الإرهابية المتجاوزة لحدود الدول , إذ قدمت شبكة الإنترنت مساحة جديدة للإرهاب ليتسرطن في شتى بقاع العالم , بأن جعلته نمطًا عالميًا , يتجاوز الحدود الإقليمية , ويتجه نحو العالمية , إذ تم إعادة الهيكلة القدرات والآفاق التقليدية للتنظيم وإنتاج الإرهابي العولمي .

كلما ضاقت الضغوط المفروضة علي التنظيمات اتجهت نحو التنظيم الشبكي , كبديل مباشر للهيراركية التنظيمية . فإلى جانب اعتماد التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة علي التدربيات القتالية , وصنع القنابل واحتجاز الرهائن , أصبح لا يقل أهمية عندها التدرب علي استخدام السيبرانية باحترافية . ولا سيما توثيق العمليات الإرهابية بشكل سينمائي وبثها علي نطاق واسع , لإحداث الأثر المطلوب , فوفق هذا النمط التقني العالمي ؛ الإرهاب يحتاج إلى الكثير من المشاهدين والمستمعين لا الكثير من جثث القتلى.

والأخطر في اتساع نطاق الإرهاب العولمي ورقعته الإلكترونية , ظهور فصيل جديد من الإرهابيين , يسمي بالإرهاب الافتراضي "virtual terrorist" أي الفرد المتأثر بأفكار التنظيم , دون أن يندرج ضمن هيكله التنظمي , وتم تسميتهم بـ "الذئاب المنفردة" , وهو ما يطلق عليه في المجمل أدبيات الشراكة الافتراضية virtual parentership""" بين الأفراد والتنظيمات الإرهابية , بحيث يستخدم وسائل الاتصال الحديثة لخدمة التوجهات اللامركزية للتنظيم الإرهابي , يدعم التكييف الهيكلي للتنظيم مع السياقات المحيطة في مناطق متباعدة جغرافيًا , وبالضرورة كل إرهابي افتراضي إرهابي سيبراني .

باتت المنظمات الإرهابية لا تستطيع التفاعل أو التعامل إلا عن طريق الشبكة العنكبوتية , وهو الأمر الذي تجد معه أجهزة الاستخبارات الدولية والمؤسسات الأمنية ذات القدرات السيبرانية الكبيرة , وسيلة لاجتذاب تلك المنظمات الإرهابية لتوظيفها وإدماجها في الحروب المهجنة واستخدامها علي أرض الواقع , عن طريق التلويح لها بالدعم التقني واللوجستي .

وفي نوفمبر 2017 نشرت وزارة الدفاع الروسية صورًا وفيديوهات , تشير إلى تورط الجيش الأمريكي في دعم تنظيم داعش الإرهابي، لذا فإن ثنائية الحرب السيبرانية والإرهاب العولمي أخطر ما يواجه الأمن القومي لأي دولة , في ظل التمدد اللا محدود للعالم الشبكي.