الأحد 29 نوفمبر 2020 الموافق 14 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

"الوفاة السابعة لصانع الأحلام" لـ كريم عبد السلام .. قصائد تبحث عن السعادة

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 12:35 م
الهلال اليوم
حسن محمود
طباعة

"الوفاة السابعة لصانع الأحلام " هو الديوان الثالث عشر فى مسيرة الشاعر كريم عبد السلام ، فقد أصدر أول أعماله الشعرية عام 1993بعنوان " استئناس الفراغ " وبعدها توالت الأعمال " بين رجفة وأخرى " ، "باتجاه ليلنا الأصلى" ، "فتاة وصبى فى المدافن  "،  " نائم فى الجوراسيك بارك "، " مريم المرحة " ، "كتاب الخبز  " ،"قنابل مسيلة للدموع " ،"مراثى الملاكة من حلب " ، "أكان لازما يا سوزى أن تعتلى صهوة أبى الهول " ، " وكان رأسى طافيا على النيل"

 يشتمل الديوان الأخير للشاعر كريم عب السلام على خمسة أقسام أو أبواب رئيسية ،هى : " باب الأحلام ، باب الحب ، باب الألم ، باب الغابة ، باب السعادة " ،و تندرج تحت كل باب سبع قصائد تدور فى الأجواء التى يحددها عنوان الباب ، فنجد قصائد عن الأحلام وأخرى عن الحب وهكذا الألم والسعادة والغابة، إلا أن الرقم سبعة يمثل مدخلا ملحوظا إلى الديوان وقصائده ، فبدءا من العنوان " الوفاة السابعة لصانع الأحلام " وانتهاء بملاحظة أن كل قسم من أقسام الديوان يحتوى على سبع قصائد ، يبدو أن الشاعر يبنى ديوانه معماريا على الرقم 7 بما له من حمولة تراثية مقدسة وإحالات متعددة فى الذاكرة الدينية والشعبية على السواء.

يمكن القول إن قصائد الديوان الأخير للشاعر كريم عبد السلام ، هى قصائد البحث عن الحب والسعادة والأمل ، قصائد نقد الألم والعنف والحزن ، قصائد ترجو مزيدا من السلام والسكينة بين البشر بعد أن ضاقت بهم الأرض وضاق عليهم الخيال وأصبحوا أميل للعنف والتوحش وكائنات الغابة.

فى القسم المعنون بـ " باب الغابة " ، نقد عنيف لعلاقات العنف التى تظهر حولنا والتى يمكن ملاحظتها فى الأحداث اليومية أو الأخبار عن ضعف الروابط بين أعضاء الأسرة الواحدة ، أو بمعنى آخر ، الشاعر ينشد العودة إلى ذلك المجتمع الذى تسوده علاقات المودة والوئام ، وفى قصيدة بعنوان : "لم يعد فى الغابة نمور" ، نقرأ:

"لم يعد فى الغابة نمور

أول نمرٍ دخل المدينة بطريق الخطأ،التهم عابر السبيل

 وارتدى جلده وأصبح فى الظاهر إنساناً

وعندما انتصب واقفًا على قدميه الخلفيتين، استطاع إخفاء

 مخالبه تحت أصابع يديه، وأنيابه وراء ابتسامة ناصعة

وأرسل إلى أبناء عمومته فى الغابة: الطعام وفير فى المدينة.

بعد النمور أتت الضباع وبدأت ترتدى بدورها جلد الإنسان.

الأسود بدت متأففة لكنها وصلت إلى ميدان التحرير ومعها

 الفهود السريعة،

والذئاب التى فضلت طريق الأوتوستراد ، انتهت إلى أطراف

 المدينة، حيث يسهل عليها أن تستدرج فرائسها

وامتلأت البيوت بالسكاكين التى تهوى على أعناق الآباء،

والخناجر التى تبقر بطون الزوجات والأبناء المقتولين أثناء نومهم "

فى القسم الأخير من الديوان ، المعنون بـ باب السعادة ، قصائد شديدة الإنسانية تمسك بلحظات السعادة البسيطة المتحققة فى شاى الخشب للعمال وهم جالسون على الأرض فى حديقة عامة ، أو سعادة الأم المنهكة من العمل وهى تعد طعام العشاء لبناتها وتصالحهن بأكواب من الشوكولاتة الساخنة ، وكأن الشاعر يبحث عن السعادة التى كانت تميز المجتمع المصرى والأسر المصرية والتى كانت تتحقق من أبسط الأشياء ، ويتساءل فى قصيدة أخرى فى نفس الباب أين ذهبت السعادات الصغيرة.

 السعادة تبقى هى الشىء الذى يسعى الجميع للحصول عليه لأنها سر الحياة المثلى التى تُعبر عن الشعور بالرضا والأمان والسكنية ، ورغم تفاوت تعريف السعادة من شخص لآخر واختلاف معانيها بين الكُتاب والشعراء وحتى الناس البسطاء إلا أن السعادة تعبر عن الفرح الغامر الذى يُبديه الناس لتحقق شىء ما أو هدف مرجو أو مطموح مأمول فى المستقبل القريب؛ وقد تكون السعادة فى القرب من الحبيب أو بإكمال التعليم أو ارتقاء أعلى  الدرجات العلمية أو تقلد المناصب ، فى حين يرى البعض أن السعداء لا يملكون كل شىء بل مقتنعين بكل شىء.

والشاعر كريم عبدالسلام بحث فى ديوانه " الوفاة السابعة لصانع الأحلام" عن السعادة التى قد تكمن وراء التفاصيل البسيطة فى الحب أوالأمل أو حتى فى الأحلام، بحث كريم عبدالسلام عن السلام والطمأنينة والسكينة التى نفتقدها فى كثير من الأحيان.

كما سعى عبدالسلام من خلال بعض قصائد الديوان إلى العودة إلى القيم التى سادت فى الماضى بالمجتمع-المجتمع الذى يتمناه وينشده الجميع- ذلك المجتمع الذى يسوده السلام والحب والمودة والألفة بين أفراده من خلال نقد لعلاقات العنف التى نلاحظها فى الحياة اليومية، وهو ما يظهر فى قصائد الديوان مثل:

"العشب ينمو باستمرار

العمال الأربعة

يفترشون العشب فى الحديقة

ويضحكون من قلوبهم

اليوم الأربعاء

الأول من الشهر

والمرتبات فى جيوبهم

العالم يدور بسرعة ويسوده السلام

العمال الأربعة

يجمعون الحطب

قرروا أن يشربوا شاياً على الطريقة القديمة

أخشاب

نار

براد من الألمونيوم

والشاى يغلى على أول نار اكتشفها الإنسان ،

مزيد من السكر للتغلب على مرارة الأيام

أحد العمال وضع يده على العشب

كم يشبهنا

ينمو باستمرار

أرغفة سمراء وقطعة من الجبن القديم

وتقاسموا اللقيمات ،

قبل الشاى المغلى على نار الخشب

تحت سماء صافية

استقبلت ضحكات قلوبهم بسعادة سماوية" .