الإثنين 30 نوفمبر 2020 الموافق 15 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

بعد 13 عامآ.. تحقق حلم متحف نجيب محفوظ

الخميس 22/أكتوبر/2020 - 12:40 م
الهلال اليوم
خالد ناجح
طباعة

ككل الزملاء الكادحين في بلاط صاحبة الجلالة عملت معدًا لبرنامج "هو فيه إيه" الذي كان يذاع علي القناة الأولي وكان يقدمه الإعلاميان رشا مجدى وعمرو خليل وقتها بجانب عملي بالصحافة بمجلة المصور .

أنهيت مكالمة مع الروائي يوسف القعيد للتأكد من موعد لقائنا مع الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي كان القعيد واسطتي للحصول علي هذا السبق بعدما حصلنا علي وعد منه بمحاولة الحصول على كلمة من أديب نوبل نجيب محفوظ للبرنامج.

هرولت على سلالم دار الهلال العتيقة إلي وسط البلد لشراء قدر استطاعتي من روايات محفوظ فلم تكن لدي سوى ثلاث أو أربع روايات وقتها حصلت عليها من مكتبة الأستاذ حلمى النمنم وزير الثقافة السابق، وكان وقتها مساعد رئيس التحرير وكان لا يبخل علينا كشباب المصور بشيء من مكتبته بل كان كثيرا ما يدلنا علي بعض الكتب لقراءتها.

بصراحة كانت ميزانيتى لا تتحمل شراء أكثر من رواية ركبت الأوتوبيس وبدأت قراءتها وانتهيت منها بعد وصولي شارع الهرم بساعتين كنت جالسا علي مقهى بمقربة من "السايبر " الذي دخلته للقيام بواجبي كمعد في البحث عن أسئلة للضيف ..فما بالك لو هذا الضيف نجيب محفوظ العربي الوحيد الحاصل على جائزة "نوبل".

 ليلة لم أنسها في حياتى هى تلك الليلة التي سبقت نهار رؤيتى للأديب العالمى نجيب محفوظ ، دخلت علي محرك البحث ومحاولة إيجاد شيء ما أسئله للأستاذ ..لا أعرف ما هو هذا الشيء لكنى كنت أبحث لعلي أجد هذا الشيء المجهول...ساعات قضيتها في معرفة رواياته وقراءة ما كُتب عنه ولم أكن أعرف عن ماذا أبحث ، وقبل أن يغلق "السايبر" أبوابه دونت بعض الأسئلة والملاحظات.

مرت ساعات النهار التي بدأت بدخولي أرشيف الأهرام ثم دار الهلال ولم أضف إلي ما دونته سوى بضعة أسطر واتفقت مع أهم المصورين بدار الهلال إبراهيم بشير أن يرافقنى في عمل هذا الحوار المهم مع العلم أننى لم أحصل علي أي وعد أو تحدثت مع القعيد لكنى جهزت كل شيء لإجراء الحوار.

بدأ تجهيز كاميرات التليفزيون ووصلنا إلى مركب "فرح بوت "التي ترسو علي ضفة نيل الجيزة ودخلت المركب ومعى المصور وفنى الصوت واتجهت إلي القعيد لأخبره بوصولنا ووضعت كاسيت تسجيل خاص بي واستعديت لأفوز بالحصول علي طرح عدة أسئلة علي محفوظ .

تحدث القعيد مع الأستاذ محفوظ ليخبره بوصولنا ثم التقط المايك وسأل الأستاذ محفوظ عدة أسئلة ثم أنهى الحوار ولم أفز سوى بمجموعة صور تجمعنى بالأديب العالمي نجيب محفوظ والروائي يوسف القعيد.

كل هذه الذكريات مرت من أمامى كشريط سينما عندما تلقيت دعوة كريمة من وزيرة الثقافة لافتتاح متحف الأديب العالمى نجيب محفوظ في تكية أبو الدهب التي تقع بجوار الجامع الأزهر، عند دخولك المكان ستقع عيناك على الأزرق بدرجاته المختلفة كلون أساسي  قرره فريق المتحف برئاسة المهندس الاستشاري كريم الشابوري وهو أحد أبطال مهمة إنجاز هذا العمل في وقت وجيز بعد أن أنجز من قبل متحف الزعيم جمال عبدالناصر، وهذا ما أعلنته وزيرة الثقافة التي كانت فخورة به وبفريق العمل وأعلنت عن دخول المتحف مجانا لمدة شهر، بمناسبة افتتاحه، وأن تذكرة الزيارة بعد ذلك ستكون بخمسة جنيهات للمصريين، وبعشرين جنيها للأجانب، كما أنها مخفضة للطلبة المصريين والأجانب أيضا، وكذا أعلنت عن توفير خمس منح لكتاب السيناريو والرواية والقصة القصيرة في المتحف.

بدأ المشوار بعد عام من وفاة محفوظ عام 2006، كانت ابنته أم كلثوم (هدى) قد أهدت مقتنيات محفوظ الشخصية لوزارة الثقافة على أمل إقامة متحف له،وكثيرا ما تعالت أصوات محبيه وقرائه للمطالبة بتخصيص متحف يضم مقتنياته الشخصية، وبعض أعماله التي لم تر النور  تخليدا لذكراه، حيث استجابت وزارة الثقافة لتلك الأصوات، وصدر قرار وزاري آنذاك، باختيار تكية محمد بك أبوالدهب بمنطقة القاهرة التاريخية لتكون مقرا لمتحف أديب نوبل.

 

وعلى مدى 13 عاما، تواصلت أعمال تأسيس المتحف، الذي تم افتتاحه أخيرا، بالقرب من المنزل الذي وُلد وعاش فيه محفوظ بحي الجمالية، وبين المناطق التاريخية التي كتب عنها معظم رواياته واستوحى منها شخصيات أبطاله، إلى أن انتهى العمل بالمتحف الذي تم افتتاحه في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وتعد التكية من أهم تكيات ذلك العصر، شيدت عام 1187هـ لتكون مدرسة تساعد الأزهر في رسالته العلمية، على يد محمد بك أبوالدهب، وتتكون من 3 أدوار، خصص منها الدوران الأرضي والأول للمتحف، بينما ظل الدور الثاني تحت حيازة وزارة الآثار.

جاء اختيار التكية بمنطقة الغورية لأنها مركز القاهرة التاريخية، التي لطالما صورها محفوظ في رواياته، وقد كانت التكية قديما مقصد لعابري السبيل والدراويش وطلاب العلم وفريق العمل وفضل هذا المكان ليكون متحف ومركز إبداع لتقام به الكثير من الأنشطة الثقافية، وتكون تكية أبوالدهب مقراً لمتحف صاحب نوبل التي يعدها علماء الآثار ثاني أهم مجموعة أثرية تجسد روعة العصر الإسلامي بعد مجموعة "الغوري" لأنها تجمع بين كونها جامعاً وتكية، ورغم أنها لا توجد بها مئذنة أو منبر، إلا أن بها محرابا لإقامة الصلاة،كما تضم سبيلاً وكُتاباً ومسجداً من 3 طوابق، وحوضاً وسبيلاً ملحقين بالمسجد من الناحية الجنوبية، وتصميمها المعماري عبارة عن صحن مكشوف به حديقة ونافورة، تحيط به مجموعة من القاعات.

وزيرة الثقافة كرمت "هدى" ابنة نجيب محفوظ، التي تجولت معها داخل المتحف، وكان يظهر عليها شعور الاطمئنان على صحة مقتنيات والدها "كنت خايفة بالذات بعد الثورة"، هكذا صرّحت لعدد من وسائل الإعلام المتزاحمة حولها، إلا أنها وجدت كل شيء علي ما يرام وخاصة حين لمحت بذلة محفوظ الزرقاء وجهاز سمعه والقلم الذي أهداه توفيق الحكيم لمحفوظ، كذلك ساعة يده وماكينة الحلاقة الخاصة به والعطور التي استخدمها، وفي جلسة قصيرة حضرتها بجانب الوزيرة والأستاذ يوسف القعيد ووزير الآثار وبعض نواب مجلس النواب والكاتبة سلوى بكر والإعلامية منى الشاذلي وانضم إلينا إبراهيم المعلم صاحب دار الشروق الحاصلة على حقوق نشر أعمال محفوظ وعدت "هدى"  الوزيرة بإهداء " بالطو" نجيب محفوظ الشهير للمتحف وقالت لو والدى علي قيد الحياة : "مكنش هيتوقع حاجة زي كدا، بابا كان زاهد في الحياة".

وبعد أن كانت تكية أبوالدهب يذهب إليها الناس لتقدم لهم غذاء البطون أصبحت متحفًا لأديب نوبل لتقدم لهم غذاء الروح والعقول.