الأحد 06 ديسمبر 2020 الموافق 21 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

دلالة الرموز والإشارات المشهدية في سينما محمد خان

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 09:52 ص
الهلال اليوم
رشا الفوال
طباعة

على الرغم من أن السينما ولدت متزامنة مع التحليل النفسي، ففي العام 1895م الذي أصدر فيه"سيجموند فرويد" بمشاركة"بروير" أول مؤلف بعنوان"دراسات حول الهيستيريا" قام "الأخوان لوميار" بعرض أول شريط سينمائي لهما في مقهىَّ بباريس، إلا أن هناك تنافسًا شديدًا بين السينما والتحليل النفسي من حيث القدرة على التمثل وإخراج اللاوعى؛ فالتحليل النفسي يصل إلى رموز وخبايا النفس عن طريق الكلمة، بينما تصل السينما عن طريق الصورة، وأول محاولة لفهم السينما من منظور سيكولوجي كانت على يد عالم النفس"هوجومنستربرج Hugo Munsterberg" عام 1916م وذلك من خلال كتابه"الصور المتحركة"الذي انقسم إلى قسمين: جماليات السينما، وسيكولوجية السينما(1)، وانطلاقًا من محاولتنا لفهم(المجال الرمزي) المبني على اللغة نهتم هُنا بتقديم قراءة نفسية لفيلم"ضربة شمس"الذي يعتبر أولى تجارب المخرج"محمد خان" في مشواره السينمائي عام 1978م وفيلم "الرغبة" الذي تم إنتاجه عام 1980م".

محمد خان " أحد أبناء جيل الواقعية التي تهتم بتفاصيل الشارع المصري وما تحويه من دلالات معتمدًا على مستويات المجال الرمزي: المستوى الأول هو الطبيعة، والمستوى الوسيط هو تحول الطبيعة إلى فكرة مُدركة، والمستوى الثالث هو الفكرة كما هى دون تحريف.

أولًا: المقابلات الفضائية وطريقة استخدام الكاميرا

"محمد خان"مغرم بالمقابلة بين الأسفل والأعلى وهي الإشارات التي تحمل دلالات "الطبقية"في نظرة القائمين على تجارة الآثار ورجال الأعمال إلى الشارع وعامة الشعب في فيلم"ضربة شمس"؛ فنراه يرصد حالة الزحام التي"ترمز إلى تجربة المعاناة عامة"(2) فبداية الفيلم اعتمدت على (التصوير الفوقي)، ثم استخدم المقابلات الفضائية بين المغلق والمفتوح، والإطار عندما هبط بالكاميرا لأرض الشارع الذي صوره (خلف قضبان حديدية) كقضبان السجن مثلًا، والثابت والمتحرك؛ فالبطل في معظم المشاهد يستقل دراجته البخارية في الشارع وهو الأمر الذي يوحي بارتباطه الوثيق بمجتمعه، وأثناء مشهد هروب البطل الذي قام به الفنان"نور الشريف" والفنانة"نورا" من مافيا تجارة الآثار، تم تسليط الكاميرا على جدار مكتوب عليه عبارة (مصر للمصريين)، وهو ما يتعارض مع قول البطلة عندما سألها عن ماحدث لها، ولماذا كانت تجري خائفة وقالت" كانوا هايخطفوني"؛فالجدار الذي لا يتجاوز عند الآخرين كونه بناءً فاصلًا والكتابة عليه مجرد تشويه وفوضى بصرية يعتبر بالجملة المكتوبة عليه دالًا على التناقض.

ودلالات العلو و"السمو الأخلاقي"التي رصدتها كاميرا "محمد خان" في فيلم "الرغبة"، ففي بداية المشهد يدور الحوار بين البطل"نور الشريف" والفنانة "مديحة كامل" داخل حمام السباحة وهو فارغ تمامًا وفي ذلك دلالة على جفاف المشاعر بينهما رغم الحنين، ثم تصعد البطلة وتخرج من حمام السباحة عندما تتحدث عن كونها زوجة لرجل محترم ولديها طفلة صغيرة، ويبقىَّ البطل بداخل الحمام يحدثها عن الحب وعن عودته ورغبته في إعادة العلاقة التي كانت قبل غيابه، وعلى عكس ذلك في المشهد قبل الختامي نجد البطلة وزوجها بينهما حمام السباحة ممتلئ، وعلى المتلقي إدراك حرصهما على استمرار الحياة رغم قسوته وصبرها وعدم الإحساس بالرضا

ثانيًا: التقطيع المشهدي وآلية الاسترجاع

السينما تتحد مع خاصية إدراكنا الحسي في كونها" تستطيع أن تتبنى الحدث من خلال مجموعة عناصر تتمثل في اللقطات المتعاقبة"(3)؛ لذلك برع "محمد خان" في المزج بين الحاضر والماضي من خلال اتباع آلية(الاسترجاع)في فيلم "الرغبة"، وتوظيف البُعد المتمثل في استلهام انفعالات البطل المهزوم في الحرب والمهزوم أيضًا في ساحة العشق، وبذلك يكون السقوط والانحدار في حمام السباحة الفارغ(امتدادًا بصريًا) للإحساس بالضعف والعجز، هُناك أيضًا علاقة متبادلة بين الحركة والزمان والمكان وانفعال اليأس والشعور بالضياع عن طريق الحركة البطيئة التي تتضح مع خطوات البطل المتثاقلة في الرمال، الرمال في الحرب، والرمال على الشاطئ، وفيما بين اللقطات عن طريق تغيير التسلسل الزمني و(الانتقالات الفجائية (Jump_Cuts، مؤكدًا على المضمون أكثر من الشكل، ومعالجة الموضوع بعمق دون السقوط في الثرثرة من خلال الاستعانة بالموسيقىَّ التي حلت محل الحوار في مشهد (استرجاع) حالة الهزيمة بعد حرب 1967م، فالترابط الدقيق بين الزمان والمكان يعمق الإحساس بالحدث وما طرأ على الشخصية من تغيرات.

ومن حيث اللغة السينمائية نجد التركيز على استخدم الكاميرا المخفية في التصوير للحصول على عفوية الأبطال في فيلم "ضربة شمس"؛ والتي تتضح في إبراز السمات الإنسانية للبطل"شمس" مع حبيبته"سلوى" من أجل مخاطبة مشاعر المتلقي، واستخدام الإضاءة الطبيعية دون تقنيات، واستغلال الفضاء المكاني لأغراض رمزية توحي بانفتاح أو انغلاق المشاهد، فالسينما "تدخل بنا إلى البساطة السرية للخليقة"(4)

ثالثًا: اللغة الرمزية والمضمون الدلالي

ربط"محمد خان"انفعالات الشخصيات باللغة الرمزية كما في فيلم"ضربة شمس"لذلك كان اختيار اسم البطل"شمس"، وهو الاسم الذي يرمز إلى تجدد البعث والميلاد فنجد الفنانة"نورا" في أول مشاهد الفيلم تقول للبطل"إنت شمس وهاتفضل شمس"، "شمس"هو المتحرك الرئيسي في الفيلم الذي يتمرد نهارًا مرورًا بالليل وكأن الأحداث تتراوح بين رحلة نهارية وأخرىَّ ليلية، وكأن"شمس"المتنقل بين النهار والليل واهب كل مقومات الحياة، والذي يتسم بالتمرد والتحدى والفضول، يراقب بعينيه النفاذتين كل التفاصيل محاولًا رصدها بكاميرته،كما أن قدماء المصريين "كانوا يضعون نماذج من مفتاح الحياة بعد صقلها بالذهب أو النحاس لترمز إلى الشمس"(5)، ثم تنتقل الكاميرا إلى صورة مُعلقة على الجدار لأتوبيس به ركاب أثناء المشهد الرومانسي الحميمى الذي يجمعهما، والربط بين صوت البطلة وصوت موتور الدراجة البخارية عندما قالت له إنها تتمنى أن يقوم بشراء سيارة فقال لها" صوت الموتور مش عاجبنى النهاردة"، ثم يأتي المشهد الثالث لنرى الفنان"حسين الشربيني"وهو يأكل الحلويات ويؤكد في الحوار جملة التلذذ بالتعذيب"، بعدها يتم تسليط الكاميرا على المرآه لنرى البطل"نور الشريف"في صور متعددة لها دلالة على (تشظي الذات) عندما تذكر صديقه الصحفي"فتحي"  الذي قُتل أمامه في وضح النهار، ويظهر أيضًا في المرآه بصورتين في فيلم "الرغبة"عندما تحدث عن إصابته في الحرب  كدلالة علي (انشطار الذات) بين القوة والضعف، وفي مشهد مرور البطلة "مديحة كامل"بصحبة زوجها على"قصر الجوهرة" بعدما اشتراه حبيبها الأول والذي لم تتزوجه عندما قالت "زى مايكون ميت وصحىَّ" وتأكيدًا على فكرة (الصراع الخارجي) للبطل مع تجار الآثار في فيلم "ضربة شمس"نجد أن استخدام الرموز الفرعونية ساهم في كشف بعض الميول لأفراد بعينهم داخل المشاهد، فــ (مفتاح الحياة) كان يحمله الآلهة وملوك الفراعنة ويمثل عنصري الحياة الذكر والأنثى في إطار شكلي لائق، " وقد ظهرت الرموز الدينية المختلفة في أيدى المعبودات المصرية خاصة الأرباب العظمي منها ومن أشيع تلك الرموز علامة الحياة(عنخ)"(6)؛ لذلك جاءت الفنانة"ليلىَّ فوزي"ترتدي أسورة يتدلى منها مفتاح الحياة، و الهيئة المركبة التي ظهرت بها تجمع بين الذكورة والأنوثة فمن يراها من الخلف بقصة شعرها الجارسون يظنها رجلا ومن يواجهها يدرك أنها امرأة ، كما أن ملابسها التي اتخذت من اللون البني كان لها دلالة أيضًا على شخصيتها القوية الحازمة،كما نرى التأكيد على دور المرأة المؤثرة بعقلها وجسدها؛ ففي المشهد الختامي للفيلم يهبط من القطار الرجل الكفيف مستندًا على عكازه والبطل"نور الشريف"مستندًا على حبيبته البطلة"نورا".

نجد كذلك(الصراع الداخلي) في فيلم"الرغبة"يتضح في ارتداء البطل لرابطة عنق بلون غامق وهو في انتظار حبيبته التي حرمته الهزيمة في الحرب من الزواج بها، واستبدالها برابطة عنق فاتحة خضراء عندما حضرت، وكأن رابطة العنق(إشارة رمزية للعضو الذكري) الذي فقده أثناء الحرب، وهى الحقيقة التي ينكرها لاشعوريًا،"محمد خان" هُنا يتعامل مع الواقع بكيفيات مختلفة وعلى معان عدة، وكل ما يقدمه في حقل الرموز إشارات واقعية لا تستبدل الحقيقة؛ بل ترصدها بوصفها مفتاحًا لفهم انفعالات الشخصيات وتلقي السمات التي تتميز بها التجارب الإنسانية، كما أن الاهتمام بالرمز لا يمكن أن يصدر إلا عن فكر إنساني لا يقصد بكلمة(الرمز) معناها الضيق وإنما يقصد بها المعنى الواسع لتجارب الإنسان المميزة لانفعالاته فكل الأنساق الرمزية لها إطار مرجعي وتعتبر صياغة موازية للعالم

المراجع:

1_ نادين إيهاب(2019)، "أفلام الدراما النفسية والباراسيكولوجي"، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مصر، صــ48

2_ أحمد المعداوي(2007)، "ظاهرة الشِعر الحديث"، الدار البيضاء، ط2

3_ نادين إيهاب(2019)، "أفلام الدراما النفسية والباراسيكولوجي"، صـــ55

4_ هنرى آجيل(2005)، "علم جمال السينما"، ترجمة: ابراهيم العريس، منشورات وزارة الثقافة_ المؤسسة العامة للسينما، الفن السابع86، الجمهورية العربية السورية، دمشق، صــ25

5_ سيد توفيق(1990)، "معالم تاريخ وحضارة مصر الفرعونية"، القاهرة، دار النهضة العربية

6_ مهاب درويش(د.ت)، "الرموز والتيجان المقدسة للآلهة والملوك في مصر القديمة"، مكتبة الأسكندرية، القاهرة، صــ6