الخميس 26 نوفمبر 2020 الموافق 11 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

جماليات النصر فى رواية لعنة ميت رهينة لسهير المصادفة

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 10:00 ص
سهير المصادفة
سهير المصادفة
رمضان رمضان متولى
طباعة

لم يكن اختيار سهير المصادفة لقرية ميت رهينة مسرحاً لأحداث هذه الرواية اختياراً عشوائيًا. فهي كما أسلفنا عاصمة الدولة القديمة ولكونها قرية فإنها ترمز إلى الزراعة التي قامت عليها الحضارة في مصر القديمة وعبر آلاف السنين.

فى هذه الرواية ذات الطابعين الاجتماعى والتاريخى تستثمر سهير المصادفة قدراتها الروائية الفذة ، وامتلاكها وحسن سيطرتها على أدواتها الفنية والدرامية فتقدم لنا في "لعنة ميت رهينة" عملًا روائيًا يكشف عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والحضارية ومساراتها من خلال معالجة فنية ورسالة فكرية ورصد التطور في بيئة المجتمع وتفسير الحاضر كي نتمكن من استشراف المستقبل. وهي رواية يصنع أحداثها عدد كبير من الشخصيات المنتمية إلى ثلاثة أجيال من أسرتين هما: أسرة الثري السعودي أدهم الشواف وأسرة عبد الجبار الفلاح المصري الفقير ويجرى الصراع بينهما.

ونجحت سهير  ببراعة فائقة سواء بالدلالات اللغوية أوغير اللغوية في تشخيص المرض الذي أصاب نسيج المجتمع المصري منذ بداية عصر الانفتاح العشوائي الذي أخل بدعائم المجتمع وأخلاقياته بحيث لم يعد المصري يجد غضاضة في بيع تراث مصر ومؤسساتها ومصانعها ومتاجرها.... وعلى هذا النحو كان إجماع النقاد على أن رواية لعنة ميت رهينة تشكل من الجودة والإتقان فى عرض الأحداث معلمًا هامًا في تطور الرواية المصرية وتحتل نفس أهمية ثلاثية نجيب محفوظ من حيث قيمتها الفنية والاجتماعية والسياسية.

فكلما تعمقنا فى تحليلنا لشخصيات الرواية وسلوكياتها في مجرى الأحداث وصلنا إلى معانٍ ذات عمق فكرى إيجابى مستنير .. من ذلك أنه كلما ظن الإنسان - وخاصة الإنسان المصري - من عينة عبد الجبار وأبنائه وأحفاده، أنه أحكم التدبير للخلاص من كارثة أصابته ؛ كلما اشتد ضحك الأقدار منه وعبثها به لأنه يزداد تخبطا فى الشبكة التى نسجتها له ، كلما زاد اقترابا من الفخ الذي يبذل جهده للابتعاد عنه ، ويصبح البشر أقرب إلى دمى مسرح العرائس ، يبدو لك أنها تنفعل وتتكلم ، ولكنها فى الواقع لا تتحرك إلا من خلال تجربة الخيوط الخفية التى تتحكم فى فعلها ، ويصبح الفعل الإنسانى عبثا لا جدوى منه ، حتى لو أخذ أكثر صفات الواقعية والجدية ، لأنه خاضع لتفسير وتقدير الأقدار.

لذلك جاء تماسك البناء الروائى عند سهير أكثر قوة ، فليس الفعل البشرى فى الرواية عبثاً وسخرية يتجه إلى المراد منه ولكنه فعل له غاية وله هدف قد ينتهى بالإنسان المهيأ للسعادة كأبناء ليلى - إلى المأساة ولكن هذه المأساة نابعة أصلاً  من طبيعة الإنسان الداخلية ، وليس من مجرد اتخاذه آلة فى يد القدر ، ولذلك بدأ التدخل المباشر للقدر فى أحداث الرواية ومضامينها ضئيلاً ومحدداً.

وتعد هذه الرواية من أبرز الأعمال الروائية الصادرة في مصر خلال العامين الماضيين ، ويجمع نقاد الفن الروائى على أن سهير تقدم فيها عملا يمثل نقلة نوعية في مشروع روائي بدأ في التسعينيات من القرن المنصرم بروايتها لهو الأبالسة، ثم ميس إيجيبت، ثم رحلة الضباع، ثم بياض ساخن… وصولا إلى لعنة ميت رهينة… فمنذ الصفحات الأولى للرواية  يتكشف للقارئ المتأني أنه أمام عمل تطمح مؤلفته لتقديم بناء روائي ثري بتفاصيله وعناصره، يرتكز على درجة من الوعي المعرفي والجمالي تحفظ للنص توازنه دون طغيان عنصر على آخر… فتأتي الدهشة من القدرة الروائية لسهير على تقديم معالجة فنية لقضايا راسخة رسوخ الوجود الإنساني كالهُوية والانتماء والتاريخ وفق تناغم تام لجهد عين حساسة تتعامل بعمق مع إحباطات وتداعيات اللحظة الراهنة في المجتمع المصري… فمن البداية يتقدم العمل وفق مسار شديد الإحكام من خلال فصول ذات بنية ثنائية مع حرص المؤلفة على أن يكون افتتاح كل فصل من خلال نص أقرب إلى الشعر عن مسرح الأحداث وبطلها الأول، كما يلعب الاختيار الذكى واللماح لعنصر المكان وما يعبر عنه من بعد تاريخى وقومى على اعتبار أن ميت رهينة قرية منف القديمة التى كان لها دورها التاريخى كعاصمة أثناء تلك الفترة ، يعقبه حكي ممتع عن الشخوص والأحداث… آمالهم وأحزانهم ومشاعرهم ومعاناتهم.

لوهلة يشعر القارئ أن الجزء الأول مقصود لذاته واستعراض لغوي وإبداعي من الروائية القادمة من أرض الشعر… بيد أن تكرار البنية من فصل إلى آخر يدفعنا إلى إعادة النظر في الأمر؛ فنكتشف أن النص الشعري يعد المهيمن بدلالاته وإيحاءاته على كامل أحداث الفصل، الأمر أشبه ما يكون بخريطة للمشاعر، يتصدرها النص المفتاح وتأتي بعده الأحداث منتظمة بعناية حسب امتثال صارم من قبل الصوت الراوي… وفي مواضع أخرى جاءت الفصول عبر مفتتح تليه أحداث وقد اشتبك القسمان في جدل مثير يفتح على النفس بابا من التساؤلات وتفقد المشاعر العميقة المحركة للشخوص، أو تلك المتولدة من مطالعتنا لمأزقها تحت وطأة المكان ووطأة جوعها وإحباط رغباتها. بداية كل قسم بكتابة عميقة مفعمة بالدلالات ومانحة العمل طقوسية ورهبة، كتابة عن ميت رهينة بعضها عن أحوالها ومشاهداتها وبعضها عن أحوال أهلها وأسطورية تندمج مع معيشهم اليومي وبعضها أيضا عن أحوال الغريب الذي يدخلها فيقع فريسة لتاريخها الفادح في مآسيه وفي جماله أيضا.

أما إعلاء شأن الحكاية فقد تم عبر رؤية عميقة وامتلاك لعناصر الموضوع، وخبرة مديدة بالكتابة الروائية؛ وجاء الحكي منضبطا محبوكا محكوما بما يخدم العمل في كليته، ما من حكي زائد لأن كل التفاصيل تعمل وفق نسق كتابي أشارت له المؤلفة في إطار حالة الجدل بين مطلع كل فصل وما يتضمنه من تفاصيل الحكاية.

كما جاء توظيف الأسطورة عنصراً آخر من عناصر قوة العمل، ومن يقرأ العمل يعرف أن كلمة توظيف هنا كلمة غير صائبة، فالأسطورة تفرض نفسها على صفحات الرواية تتقدم وتتراجع بصورة تبدو للوهلة الأولى مجانية، بيد أنه بقليل من التأمل نجد أن الأسطورة أضافت ثراء للنص الروائي فهي حملته بالروح العتيقة للمكان، مضيفة حالة الرهبة والتوغل في الزمن، كما يصنع حالة من التجاور كمعالجة فنية بين المعيشي واليومي وبين ما يخالطه من الآثار والمقابر التاريخية في ميت رهينة.

إذن ... الرواية نموذج للعمل الذي يقدم المكان كبطل للأحداث، وكان بإمكان الكاتبة أن تعتمد الطريق السهل للمكان كإطار تدور فيه الأحداث لكنها اختارت التحدي الصعب… المكان كفاعل يسم الشخوص وسلوكهم ويلون نفوسهم، بل يلعب دور الغواية أيضا. الرواية ليست عملا تاريخيا، نستطيع أن نلمح فيها نفسا من الواقعية السحرية بيد أن ما يميزها ويبعدها عن هذا التيار أنها لا تنوء بالعجائبي لذاته ولا تلهث خلفه كقيمة… بل إنها تتصدى لسؤال الذات في مواجهة لحظتها الراهنة… الذات المعذبة بفعل الزمن. وإن كان التاريخ له سطوته المستقاة من الاختيار الذكي للمكان في الرواية، فهذا التاريخ أيضا ليس مقصودا لذاته وإنما هو مجال تُعْمِلُ فيه الذات الإنسانية تأملها لمعرفة كيف آلت الأمور إلى ما هي عليه أولا، ثم النظر في تعديل مسار حركة هذا التاريخ ثانيا. هناك حالة من التوازن الداخلي للعمل تدلل على كلامي بشأن التاريخ… التوازن بين حضور الماضي بأساطيره ومقابره وآثاره وفعله في نفوس البشر من أهل ميت رهينة ومن الغرباء الوافدين إليها أيضا - هذا من ناحية - ومن ناحية أخرى الحاضر الذي لا يقل تعقيدا وإبهاما من الماضي… الأمر الذي يفتح علينا فيضا من التساؤلات من نوع: لماذا كانت الدماء الغريبة  المختلطة بامرأة من ميت رهينة عبر جيل أول ثم في جيل تال وقد اختلطت بدماء الأمريكي من أصل مصري المشبع بكل بذاءة الاستغلال وانعدام الأخلاق في تعامله مع من أحبته؟ لماذا هي من ترى القتل هو السبيل الوحيد لحماية تاريخ ميت رهينة؟ بينما صاحب الدماء الخالصة هو من يرى الخلاص في التعليم والتنوير؟! إلا أنه الحامل الحقيقي لحكمة الأسلاف؟ تنهمر الأسئلة المشوقة شأن أي عمل أدبي جميل، تاركتا الإجابة مسئولية ملقاة على كتف القارئ فليس من أهداف الأدب العظيم أن يشرح أو يفسر.

اللغة أيضا كانت ثرية في تنوعها بين الشعرية المحكومة واللغة التوصيلية المخاتلِة إذ مع تقدمنا في القراءة ندرك أن اللغة التوصيلية ليست لمجرد عرض سير الأحداث، بل هي مترعة بتفاصيل إن لم يتمهل معها القارئ يخسر متعة القبض على روح تسري عبر صفحات العمل.