السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

وسائل التواصل الاجتماعي ومستقبل الديمقراطية

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 10:24 ص
الهلال اليوم
د. صفوت حاتم
طباعة

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية لملايين البشر في كل قارات العالم، ويتنوع  روادها بين الريف والحضر في أكبر ظاهرة اجتماعية  إنسانية، بعد اختراع الراديو والتليفزيون في حقبة  قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة.

ولا أظن أن هناك من توقع قبل عدة سنوات أن تحتل وسائل التواصل الاجتماعي ومنها "فيسبوك وتويتر" ..  هذا الحيز المتزايد في حياة البشر وأن تنجح  في كسر العزلة المفروضة على الإنسان داخل بيته وأسرته وجيرانه.

فالإنسان المنزوي في ركنه القاصي البعيد يخترق الأزمنة والقارات وينفتح على بشر من كل لون، وثقافات من كل نوع، وفنون من كل ذوق، وأخبار من كل حدب وصوب .

والأهم في رأيي، أن هذه  الوسائل الجديدة  قد أتاحت الكثير من الحوارات، وتبادل للآراء والأفكار والثقافات بين المتشابهين والمختلفين  فكريا وثقافيا واجتماعياً وسياسيًا، ومن مختلف الأعمار والفئات.

وككل تقدم تكنولوجي جديد فهو يثير الجدل حول إيجابياته وسلبياته، بين فوائده وأضراره.

وإذا كان الكثيرون يأخذون على هذه " الوسائط " أنها عززت من عزلة الإنسان مع نفسه وانغماسه في ذاته، وهشمت  كثيرًا من الروابط الأسرية والعائلية بين الأفراد، من خلال انغماس كل فرد في عالمه الخاص، بالمقابل فتحت له عوالم من التواصل والجدل والحوار، ما كان ممكنا أن يصل إليها من خلال عالمه الطبيعي المحدود .

دفتر أحوال الميديا التقليدية

الصحافة :

ظلت الصحافة حتى سنوات قليلة ماضية الوسيط الأكثر تأثيرا في الحياة السياسية والاجتماعية

وبسبب  الصحافة   ظل الخبر، والتحليل، ومقال الرأي، أهم الوسائل نفوذا وسيطرة على المجتمعات، وعلى النخب المتعلمة بشكل خاص، وهو ما أتاح قدراً من الهيمنة الأيديولوجية التي تمارسها الأنظمة الحاكمة "السلطة السياسية والطبقات الحاكمة"، وتوجه بها الجمهور صوب ما تريده من أهداف وبرامج  بهدف تغيير قناعاته وتوجهاته، أو التأثير فيها إيجابيا أو سلبيا  .

كانت الصحافة في مصر بلدنا شكل التعبير السياسي الوحيد منذ الثورة العرابية، وكانت أداة " العرابيين" لإيقاظ الشعب وإلهاب حماسه الوطني.

هكذا كانت "الصحافة" السلاح الذي اعتمد عليه الإمام محمد عبده تلميذ جمال الدين الأفغاني .. في معاركه من أجل التنوير الديني في بداية القرن العشرين حتى أتى الزعيم الوطني الكبير مصطفى كامل لينعش الصحافة الوطنية بجريدته اللواء الناطقة باللغة العربية، وبجانبها صحف أخرى ناطقة بالفرنسية والإنجليزية لعرض قضية مصر على الأمم الأخرى.

وظلت الصحافة أداة تنوير للشعب في معاركه الوطنية والاجتماعية مع ثورة يوليو ١٩٥٢ وما بعدها، لكن السنوات القليلة تشهد أعظم أزمة تواجهها الصحافة الورقية خلال تاريخها الطويل،فقد نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في سحب الأرض من تحت أقدام الصحافة الورقية، فقد صارت تلك المواقع ساحة لنشر الأخبار والحوادث لحظة حدوثها، وبشكل أسرع من كل وكالات الأنباء، ففقدت الصحافة ريادتها كمصدر سريع للأخبار .

من ناحية ثانية وربما الأهم، أن مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في خلق نوعية جديدة من الكتّاب "كتاب المقال"، خارج دوائر الطبقة التقليدية من الصحفيين الرسميين في الصحف المختلفة .

لقد نجحت مواقع التواصل في خلق دائرة واسعة من الكتّاب المبدعين والقرّاء والقراءة، ونوعية جديدة من الكتابة، بعيدا عن الحلقات التقليدية التي كانت تحلق حول الصحافة والصحفيين.

إن مساحات  الحرية  التي أتاحتها  مواقع التواصل الاجتماعي لروادها في كل مجالات الحياة،  بعيدة عن  أي قيود  سياسية أو رقابة سلطوية، ولا شك ان هذا الهجوم الكاسح  الذي  قامت  به هذه المواقع قد نجح  في خلخلة دور ومكانة الصحافة الورقية، وكانت النتيجة الطبيعية أن تضاءل  دورها وانحسرت مكانتها، بل واضطرت صحف مهمة وعريقة أن تنتهي وتتوقف عن الإصدار،خصوصا مع الارتفاع  الباهظ في تكاليف الطباعة من ورق، وأحبار، وعمالة، وتوزيع، وتوظيف. 

صحيح أن كثيرًا من هذه الصحف الورقية لجأت لـ " الطبعات الإلكترونية"لإنقاذ نفسها،بل  واضطر بعضها لإصدار طبعات  خاصة على مواقع التواصل، خصمها اللدود، لكنه منطق الحياة والتطور الحتمي.

وهكذا أصبحت الصحافة الإلكترونية تلهث وراء ما يكتبه ويناقشه رواد مواقع التواصل، وتضاءل دور الصحافة كمحفز على الحوار والنقاش، كما كان في خوالي الأيام. 

سلاح  ذو  حدين

ولكن لكل سلاح حدّان.. كما يقولون، وأخطر سلاح فتاك لهيمنة مواقع التواصل على حياتنا العقلية سلاح "الشائعات" والأكاذيب والمعلومات المغلوطة والمزيفة التي تنتشر عبر وسائل التواصل التي تبثها جماعات سياسية منحرفة الأهداف والمقاصد من جماعات التشدد الديني والطائفي، أو التطرف السياسي، ولا يخلو الأمر من توجهات مريبة تقف وراءها جهات أجنبية استخباراتية تجمع المعلومات عن الحياة السياسية والاقتصادية للمواطنين وتوجهاتهم ومزاجهم في لحظة معينة من الزمن وقياس ذلك تجاه الحرب والسلم وطبيعة العدو.

برامج الـ "توك شو" :

أحد تجليات ثورة الاتصالات الكبرى التي ظهرت في أوائل التسعينيات تلك التي حدثت في"الفضائيات"، فبعد  أن كان الفضاء حكرا على وسائل إعلام ما يمكن أن نسميه " فضاء الدولة الوطنية " من راديو وتليفزيون تبثه الدولة الوطنية على مواطنيها وتحميهم، أو تمنعهم من الإطلال على أي وسائل إعلام أخرى من خلال " الهيمنة " الإعلامية، أو"التشويش" على الإعلام المضاد،نجحت في فترة قصيرة برامج الـ" توك شو" في جذب ملايين المشاهدين من كل الأقطار، وأن يسمع المواطنون في قُطر كل ما يحدث في أي قُطر آخر في اللحظة والتو، ويسمعون الجدل والحوار الذي يدور بين أقطابه وقواه وتياراته؛ وكان ذلك تطورا خطيرا في  مفهوم "السيطرة"على مساحات البث التليفزيوني وعمقه وأهدافه .

والحدث الذي يهمنا رصده في هذا المقال "دور مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على البرامج السياسية خاصة الـ" توك شو"،فالمتابع المتعمق يمكنه أن يلاحظ بسهولة الانحسار الجماهيري لظاهرة برامج الـ "توك شو" .. بل واختفاء بعض نجومها، وقد يبرر البعض ذلك بتضييق مساحة التعبير السياسي التي تفرضها الدول على وسائل الإعلام المرئية، وخاصة برامج الـ" توك شو " السياسية.

ربما يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات وبعض البلدان بل إن بلدا كفرنسا اشتكى البعض فيه خلال أزمة السترات الصفراء من هيمنة بعض الأقلام والشخصيات السياسية، واستبعاد البعض، ووصل الأمر إلى حد لجوء بعض الشخصيات المستبعدة للقضاء لفك الحصار الإعلامي عنهم، وبالفعل أصدر القضاء حكما بوجوب ظهور بعض الشخصيات المستبعدة أثناء الحملات الإعلامية لانتخابات البرلمان الأوروبي، والأغرب أن بعض هذه القنوات الحكومية رفضت الانصياع لأحكام القضاء ؟؟؟!!! لكن يبدو لي أن السبب الأول في انحسار برامج الـ"توك شو" السياسية سيطرة وهيمنة مواقع التواصل على حياة الناس، فالمشاهدون لم يعودوا يثقون ببرامج "الميديا المرئية" ويشعرون أنها موجهة لصالح جماعات الضغط السياسي والمالي التي تمتلك الإعلام وتوجه الميديا.

ووصل الأمر إلى حدود اقتران سقوط ونجاح مرشحين في الانتخابات الرئاسية في دول العالم وأمريكا بالذات بالتدخل والهيمنة الكاسحة التي لعبتها وسائل التواصل بشكل عام وفيسبوك  بشكل خاص.

سقوط الآلهة

لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مسرحاً للنشاط السياسي والفكري والثقافي لشخصيات "طبيعية" من الجمهور خارج دوائر النخبة الرسمية التي احتكرت وحدها التعبير والفكر والثقافة وصنعت منها "أنصاف آلهة" يتحرك الوعي والثقافة منهم باتجاه الجمهور الواسع أي حركة ذات اتجاه واحد ووحيد، لكن ظهور مواقع التواصل حطم كل هالات التقديس التي كانت تحيط بهذه النخب "الرسمية" التي تنتج وتعطي بالأمر المباشر، أو وفقا لحسابات المكسب والخسارة و"البيزنس".  

لقد سقط "آلهة الفكر"من جبالهم العالية، وأصبحوا مادة للرد والأخذ والعطاء معهم على مواقع التواصل، بل أصبح بعضهم مادة "للسخرية" والتندر والتنكيت على مواقفه أو كتاباته،وفقدت الثقافة والصحافة ما كان يسمى بـ "كبار الكتاب".  

فصار معتادا أن نرى ردودا عميقة وجادة وساخرة من رواد مواقع التواصل على ما يقوله"كبار الكتّاب" في برامجهم التليفزيونية أو يكتبونه في صحفهم، فاستمدت هذه المواقع قوة رقابة فكرية وثقافية على ما تنتجه النخب الرسمية، وأصبح هؤلاء يخشون من قوتها وتأثيرها على الرأي العام،بل أصبحت تلك المواقع قادرة على التأثير في القرار السياسي و"تلميع" وزراء أو شخصيات سياسية أو ثقافية والهبوط بأخرى  إلى أسفل الدرك .

أراجوزات الميديا  !!!

بالمقابل سنلاحظ  ظهور شخصيات مدعية الثقافة  والوعي أو محتكرة صكوك الغفران الوطنية أو من الهيئات المانحة لشهادات النزاهة الثورية، إنها ظاهرة " شيء لزوم الشيء " .. وما دامت الرقابة معدومة ومستحيلة ستظل مواقع التواصل بيئة خصبة  لتوالد " أراجوزات الميديا" الذين يسعون للشهرة ويبحثون عن الانتشار وإرضاء " الجمهور" بأي طريقة، والانتقال من الموقف وعكسه دون تبرير منهجي واضح،مستغلين في ذلك ضعف ذاكرة الجمهور، وهشاشة البنية الثقافية لكثير من رواد مواقع التواصل، حتى لو كان من بينهم أساتذة جامعيون.

فبمراقبة دقيقة لمستوى ما يكتب، والمتابعة، وتحليل المضمون، سيكشف عن هذه الهشاشة الثقافية، وأن الثقافة ليست سوى قشرة رقيقة متهافتة، تتفتت مع أول حوارعميق يجريه هؤلاء!!

إن ظاهرة مواقع التواصل الاجتماعي وما ينشر فيها واتجاهاتها يحتاج إلى دراسات اجتماعية  وأبحاث أكاديمية جادة، لتبين اتجاهاتها وتأثيراتها في الرأي العام سلبا وإيجابا.

ولعلنا نتذكر الدراسة الرائدة التي قام بها الأستاذ الدكتور سيد عويس،عالم الاجتماع المصري الكبير، حينما قام بدراسة تحليل مضمون ما كان يكتب على سيارات الأجرة والنقل من أدعية وأغانٍ وأمثال شعبية،وعبارات دارجة، وما قام به في دراسة أخرى من تحليل مضمون الرسائل التي يرسلها أفراد الشعب لأضرحة الأولياء وأهل البيت من خطابات وتضرعات وشكاوى  ومطالب.

رحم الله الدكتور سيد عويس، وعلنا نجد في تلاميذه من يخرج علينا بدراسة أو دراسات جادة  في تحليل مضمون ما يكتبه جمهور مواقع التواصل، والسمات الوطنية والذهنية والفكرية التي ترسم صورة قريبة لثقافة وعقل الشعب.