السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

فلسفة الحياة عند طه حسين

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 12:42 م
الهلال اليوم
د. بهاء درويش
طباعة

"أن يتخطى المرء صاحب الإعاقة إعاقته ويقاوم ويتحدى كل المعوقات ليحيا حياة صحية فإن هذا يعد نجاحاً كبيراً، أما أن يتجاوز مجرد واقعة ويستطيع الاستمرار في الحياة ويسهم في كتابة تاريخ الفترة التي عاشها وتكون له بصمات تغيير إيجابي وفلسفة واعية في الحياة، فإن هذه تعد بكل المقاييس حياة استثنائية متميزة". تلخص هذه العبارة السابقة مسيرة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وهي المسيرة التي تعد حياة استثنائية بكل المقاييس، ساهم في صنع مسيرتها ولم يكن مجرد مستقبل لأحداثها أو رد فعل لها، محققاً بذلك عبارة فولتير "كل إنسان نتاج عصره، والقليلون هم من يتمكنون من تجاوز أفكار زمانهم".

ولد طه حسين عام 1889 في صعيد مصر، وفقد بصره في طفولته. من هنا تبدأ قوته في الظهور والتعبير عن نفسها، فلم يضايقه من هذه المحنة إلا أن الناس لو كانوا " من رقي الحضارة وفهم الأشياء على حقائقها بحيث لا يسخرون من الذين تعتريهم بعض الآفات، ولا يرثون لهم... لعرف الصبي وأمثاله محنتهم في رفق.... ولكن الصبي لم يستسلم للحزن ولم تدفعه ظروفه لليأس وإنما مضى في طريقه.. محاولاً الخير لنفسه وللناس ما أتيح له أن يحاول من الخير". هكذا يعبر طه حسين عن نفسه في واحدة من أجمل السير الذاتية التي كُتبت في القرن العشرين. اعتمد الصبي على قوة البصيرة في الاستمرار في الحياة وهي ما يبدو أنها كانت أول الملامح الواعية لفلسفته في الحياة. "متى أعجزني البصر، فلن تعجزني البصيرة في الاعتماد عليها". ظهرت علامات الذكاء والنبوغ مبكراً عليه في كُتّاب القرية الذي التحق به فأظهر قدرة في الحفظ السريع للقرآن جعلت شيخه يتعجب من ذلك. كذلك تعلم هناك اللغة العربية والرياضيات وهو ما أهله للالتحاق بالأزهر فيما بعد. تبدت قوته أيضاً في اعتماده المبكر على قوة الخيال في تصور الأشياء المحيطة به حتى كان أفضل من صور بكلماته الأدبية البحر تصويراً قد يعجز الرائي عن تصويره، وهي الملكة التي نماها فأفادته مستقبلاً في أعماله الأدبية ومؤلفاته بصفة عامة.

انتقل طه حسين إلى الأزهر – القاهرة. وهنا يظهر الملمح الثاني من ملامح فلسفته في الحياة: "العلم سبيل تحدي الإعاقات، كل أشكال الإعاقات". فلم تكن إعاقة طه حسين فقدان البصر فقط، ولكن الجهل والفقر الذي كان يعاني منهما هو وأبناء قريته كانا من مظاهر الإعاقة التي أراد أن يتخلص منها طه حسين وأن يخلص – لاحقاً- غيره منها. يقول عن بداية التحاقه في الأزهر "أقبل إلى القاهرة وإلى الأزهر أريد أن ألقي نفسي في هذا البحر، فأشرب منه ما شاء الله لي أن أشرب ثم أموت فيه غرقاً. وأي موت أحب إلى الرجل النبيل من هذا الموت الذي يأتيه من العلم ويأتيه وهو غارق في العلم."

تعلم الطفل الفقه والنحو والمنطق في السنوات الأربع الأولى ثم التحق بالجامعة المصرية التي أُعلن عن افتتاحها – جنباً إلى جنب مع دراسته في الأزهر، وإن كانت الدراسة في الجامعة قد راقت له بشكل أفضل كثيراً من الدراسة في الأزهر ذلك أنها – على حد قوله- فتحت له من أبواب العلم والمعرفة ما لم يخطر له ببال. جرّب الفتى إلى جانب الجامعة – الكتابة في الصحف، وهنالك عرف لطفي السيد وعبد العزيز جاويش وهما- على حد قوله- من أصبح كاتباً بفضلهما.

يمكن التعبير عن الملمح الثالث من ملامح فلسفة طه حسين في الحياة بالقول المأثور "بدلاً من أن تلعن الظلام، حاول أن تضيء شمعة". أخذ طه حسين على نفسه مهمة إشعال الشموع. إحدى هذه الشموع كانت إخضاع التراث للنقد وهو ما فعله في كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي" الذي اتهم بسببه بالإلحاد وإهانة الاسلام وهي التهمة التي بُرّئ منها. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الفكرة الرئيسية التي جاء بها الكتاب من أن الكثرة المطلقة مما يسمى أدباً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء إنما هي منتحلة بعد ظهور الإسلام، فلا شك أن نظريته هذه في انتحال الشعر الجاهلي قد أحدثت أثرها في تطور الدراسات الأدبية والنقدية وفي التمهيد لمناهج جديدة في دراسة الأدب ونقده، كما عُدت حدثاً أدبياً فريداً في وقتها وعلامة على طريق التجديد في البحث الأدبي. (دعوة الحق: وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، المملكة المغربية. http://habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/4366).

ولم تكد مصر توقع معاهدة الاستقلال مع الإنجليز عام 1936، حتى شعر طه حسين بأن عليه التزاماً أدبياً تجاه شباب الأمة المصرية يبصرهم بكيفية النهوض ببلادهم والسير بها نحو مستقبل أفضل. فكان أن كتب كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" يحدد فيه سبيل النهضة للمجتمع المصري. فهذه شمعة أخرى من الشموع التي حاول بها أن يضيء الطريق بها أمام أبناء مجتمعه. رأى طه حسين أن الاستقلال خطوة نحو تحقيق النهضة وليس هو الغاية القصوى. فكم من البلاد كانت مستقلة ولم يحمها استقلالها من اعتداء الآخرين عليها. فالاستقلال – إذاً- وسيلة وليست غاية. الغاية هي الحضارة القائمة على الثقافة والعلم، ثم الثروة التي تنتجها الثقافة والعلم. ولما كان المستقبل مرتبطا بالماضي، فمستقبل مصر الثقافي مرتبط بماضيها الثقافي. العقلية المصرية ليست عقلية شرقية كعقلية الهند والصين، ولكنها عقلية أثرت في العقلية اليونانية وتأثرت بها نتيجة اتصالها بحضارة اليونان القديم. لم يقطع الصلة بيننا وبين أوروبا سوى العنصر التركي الذي أغار على الأقطار الإسلامية فردها إلى الانحطاط بعد الرقي. ولكن مصر هي البلد الوحيد الذي استطاع حماية الحضارة والعقل والتراث الاسلامي. فالعقل الأوروبي لا يمتاز عن العقل الشرقي الذي يعيش في مصر، وإنما هو عقل واحد، لا فارق جوهري بينهما. وإذا كنا قد قصرنا في حق أنفسنا في فترة ما، فقد آن الأوان أن نأخذ بأسباب الحضارة الحديثة فنستعير ليس فقط نظم الغرب الديمقراطية، بل كل الأسباب التي أدت بالغرب إلى الحضارة الحديثة. علينا أن نبدأ بالتعليم الأولي الإلزامي فهو أهم أركان الديمقراطية، لأنه إذا كان من واجب الديمقراطية أن تكفل لأبناء الشعب جميعهم الحياة والحرية والسلم، فلن تتمكن من هذا إذا قصرت في تعميم التعليم الأولي. وكأن بـ طه حسين يستبق أحداث اليوم فيحذر من ازدحام الفصول. فالتعليم السليم هو ذلك الذي يؤهل المعلم للاعتناء بكل طالب على حده. هذا الأمر يستحيل خاصة في تعليم اللغات والعلوم التجريبية.  فكثرة التلاميذ – على حد قوله- خطر عظيم على صلاح التعليم. هذا الاهتمام بالتعليم نوع واحد فقط من أنواع الثقافة، فالثقافة ليست فقط التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، ولكنها المشاركة في تنمية الثروة الإنسانية من العلم والفلسفة والأدب والفن وهي ما يجب على الدولة أن تساعد على إنتاجه حتى تنتفع به الإنسانية في حياة أفرادها اليومية. ولم ينس طه حسين أن يُذكرنا أن قدر مصر أن عليها واجباً ثقافياً والتزاماً تجاه الأقطار العربية الأخرى. فكما كانت مصر فيما مضى من العهود الإسلامية مصدر الثقافة للأقطار العربية في الشرق القريب، ولم تقصر إلا عندما اضطرها السلطان العثماني إلى التقصير، فعلى مصر اليوم أن تعين البلاد العربية على إنتاج الثقافة، فتسترد بذلك مكانتها المقدرة لها.