الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

"الدرس الاخير"

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 01:27 م
الهلال اليوم
ألفونسو دوديه - ترجمة: سماح ممدوح
طباعة

 تربض فى الساحة وسط مديتنا ، لوحة كبيرة هى بمثابة نشرة الأخبار ، والتى تعلق عليها كل الأخبار الجديدة .

كنا قد اعتدنا نحن سكان هذه البلدة فى العامين الماضيين، على أن تأتينا الأخبار عبر هذه اللوحة،أخبار المعارك فى الحرب ،القوانين الجديدة،الأوامر التى تصدر عن القائد.

فى ذلك اليوم، كنت مارا بجانب لوحة الأخبار،عندما كنت متجها إلى مدرستى والتى بدأتها متأخرا اليوم، وذالك بسب خوفى من توبيخ المعلم"هامل" وعقابه لنا إن لم نجب عن الأسئلة التى سيسألها فى درس النعوت الذى شرحه فى اليوم السابق،وأنا للأسف لم أستذكر كلمة منه .

فى طريقى فكرت فى الهرب من المدرسة، وقضاء اليوم فى الخارج،كل ما حولى يغرينى على هذه الفكرة ،دفء الجو،شروق الشمس،صوت تغريد العصافير، الذى يأتينى من أطراف الغابة القريبة، والتى وراءها ساحات تدريب الجنود . لكنى تحليت بالقوة الكافية لأقاوم كل هذه الإغراءات وأذهب إلى مدرستى.

عند لوحة الأخبار، تجمهر عدد كبير من سكان البلدة، حتى يقرأوا ما ورد من الأخبار الجديدة. عندما رأيتهم بهذا التجمهر زاد قلقى . وسألت نفسى ما الذى سيحدث ويخبروننا به الآن؟ عندها انطلقت ركضا بأسرع ما يمكننى إلى المدرسة.

أطلقت ساقيّ للريح عدوا قاصدا مدرستى، عندها استوقفنى"آشر" الحداد والذى كان يقف مع والديه يقرآن الأخبار الجديدة،وقال لى ساخرا:

"لا داعى للعدو بهذه السرعة للمدرسة،  سوف تصل فى الموعد،لا يزال هناك متسع من الوقت ".

فى أيام الدراسة العادية، كان ابتداء اليوم الدراسى يعنى الصخب، والضجيج، الذى يسود كل الأنحاء، والذى يستطيع المارة فى الشارع أن يسمعوه،صوت فتح وإغلاق المكاتب،صوت تحريك مقاعد الفصول ، إلقاء الدروس بصوت مرتفع، حتى إننا كنا نضع أيدينا على آذاننا حتى نستطيع الفهم أفضل.

لكن اليوم هناك شيء مختلف،بل كل شىء مختلف،فعندما وصلت إلى المدرسة وجدت كل شىء هادئا تماما ،هدوء صباحات أيام الآحاد،أيام العطلات .

عندما وصلت إلى المدرسة متقطع الأنفاس،كان المعلم"هامل" يقف فى حديقة المدرسة الصغيرة,وبدأ التلاميذ فى دخول الفصول .

 " كل شيء هادئ " لكننى كنت أعتمد اليوم على الضجيج المعتاد حتى أستطيع الدخول إلى الفصل دون أن يلحظنى أحد.

عبر النافذة رأيت المعلم"هامل" يدخل إلى الفصل مع باقى زملائى الذين كانوا بالفعل اتخذوا أماكنهم، وراح المعلم يمشى بين مقاعدهم جيئة وذهابا. عندها فتحت باب الفصل ودخلت.

 يمكنك تخيل مدى خوفى وخجلى حتى أحمرت وجنتايّ، لكن لم يحدث شيء مما كنت أخشاه.

فعندما رآنى المعلم"هامل" قادما، قال لي بمنتهى اللطف والهدوء:

 "اذهب إلى مكانك بسرعة ، كنا أوشكنا على البدء من دونك ، اذهب واجلس بسرعة فرانز الصغير"ّ! قفزت إلى مقعدى وجلست.

عندما رأيت الأمر كذلك بدأت مخاوفى تتبدد شىيئا فشيئا ،عندها بدأت ألاحظ الموجودات حولى . أول ما لاحظت كانت ملابس معلمى، مختلفة أيضا اليوم.

 فقد كان المعلم"هامل" مرتديا ملابسه التى كانت خاصة فقط للأيام التى كانت تأتى فيها لجنة للتفتيش،وهى أيضا ملابسه لأيام العطلة والإجازات.

فقد كان يرتدى معطفه الأخضر الجميل،وقميصه ذا الحوافى المزركشة بهذه الأطراف الرائعة، ويرتدى أيضا ذلك (البريه) الأسود الحريرى الصغير ، والذى طرز بأروع النقوش .

كل هذا يبدو غريبا بعض الشيء لكنه جميل. لكن أكثر ما أثار دهشتى فى هذا اليوم بعد الهدوء وملابس المعلم، ما رأيته فى المقاعد الخلفية للفصل، فقد كانت هذه المقاعد عادة هادئة لأنها خالية .لأن المعلم، كان قد خصص هذه المقاعد لبعض الكبار من رجال القرية، والذين لم يكونوا يحضرون فى العادة، أما اليوم فحضورهم هو الذى أكمل دهشتى لهذا اليوم الغريب، فقد حضر هؤلاء وكان يجلس"هاوزرالعجوز" ومعه العمدة السابق، ومدير مكتب البريد السابق، وعدة أشخاص آخرين، وقد بدا على وجوه الجميع الحزن العميق، انتبهت على صوت سحب المعلم هامل لكرسيه على الأرض فى حزم ،وهو يقول:

 " يا أولاد، ما سأدرسه  لكم اليوم هو الدرس الأخير" .

  واستكمل المعلم ضاغطا على الكلمات وأكمل:

 "لقد جاءت الأوامر من برلين بأن اللغة الألمانية هى الوحيدة المقرر التدريس بها فى مدارس (الإلزاس واللورين) وسوف يصل معلمكم الجديد غدا،وهذا هو درسكم الأخير بالغة الفرنسية فانتبهوا إليّ الآن جيدا".

 كان لهذه الكلمات وقع صواعق الرعد على أذنى ّ لابد وأن هذا هو الخبر فى اللوحة، وكانت تلتف حوله الحشود لقراءته.

يا لهم من تعساء، أحقا هذا هو درسى الأخير للغة الفرنسية، التى بالكاد بدأت أتعلم كيف أكتب بها، هل عليّ أن أتوقف عن تعلمها الآن؟  يا لغبائي وأسفي على ما فوتّ من أوقات لم أتعلمها فيها عندما كان يجب عليّ ذلك.

 فبدلا من التعلم كنت أذهب للبحث عن بيوض الطيور أو أذهب للتزلج، وكتبى هذه كانت من وقت قليل ثقيلة فى حملها، كتاب القواعد اللغوية، كتاب تاريخ القديسين، وكل أصدقائي القدامى، هل يجب عليّ أن أتخلى عن كل هذا الآن.

أيضا المعلم"هامل"وفكرة أنه سوف يرحل بعيدا، ولن أستطيع رؤيته مرة أخرى ،كل هذه الأفكار تجعلنى أنسى كم كان غريب الأطوار، يا له من مسكين معلمى، لكم أعطى شرفا وأهمية لهذا الدرس الأخير، حتى أنه ارتدى ملابسه المخصصة ليوم الأحد.

الآن أدركت لماذا حضر كبار رجال القرية الجالسون فى المقاعد الخلفية للفصل. لابد وأنهم يشعرون بالأسى لأنهم لن يرجعوا إلى المدرسة مرة أخرى .

 كانت هذه هى طريقتهم لشكر معلمنا على أربعين عاما من إسداء الخدمات الجليلة لمواطنى هذه البلدة،وأيضا لإظهار احترامهم لبلادهم هذه .

 بينما كنت غارقا فى أفكارى، سمعت من ينادى باسمى،نعم لقد حان دورى فى القراءة .

كيف أستطيع تعريف معنى"النعوت"التى سبق وشرحها المعلم،بصوت عالٍ وواضح وبدون ارتكاب أي خطأ؟ لقد اختلطت على الكلمة الأولى ووقفت عندها ووقفت عند مقعدى،وأخذت دقات قلبى تتسارع،ونظرت لأعلى "لأسمع المعلم هامل وهو يقول:

" أنا لن أؤنبك يافرانز الصغير، يبدوا أنك تشعر بالسوء كفاية، هل ترى كيف سارت الأمور؟ كل يوم نقنع أنفسنا أن لدينا متسعا من الوقت،ونقول لنؤجل هذا سوف نتعلمه غدا، والآن أنت ترى أين وصلنا.

يبدو أن هذه مشكلتنا جميعا نحن شعب الإلزاس، فإنا جميعا نؤجل التعلم إلى الغد، الآن لا يمكنك أن تلوم الغرباء، لأن لديهم الحق إن قالوا لك كيف تكون فرنسيا ولا تستطيع القراءة والكتابة بلغتك الأم؟

لكن فرانز الصغير لا تشعر بالأسى أنت لست بهذا السوء لأننا الأولى بهذا اللوم ،فاللوم يقع على كاهل والديك اللذين لم  يحرصا على تعليمك بشكل جيد، لقد فضل أبواك أن تعمل فى الحقول، أو تكون عاملا فى أحد المطاحن حتى تستطيع كسب حفنة قليلة من النقود؛ ثم إننى أيضا ملام، فأنا الذى كنت أرسلك مرات عديدة، لتروى لى الأزهار، بدلا من أن أعلمكم دروسكم، حتى إننى عندما كنت أرغب فى الذهاب إلى رحلة صيد كنت أعطيكم إجازة.

وهكذا من شيء لشيء ذهب المعلم هامل إلى الحديث عن اللغة الفرنسية ،قائلا "إن الفرنسية واحدة من أجمل لغات العالم ،اللغة الأوضح ،الأكثر منطقية، لذا يجب علينا حماية هذه اللغة ولا نسمح أبدا بأن تموت أو تنسى، لآن الناس عندما يحتلهم الغرباء،فإن هم ظلوا معتصمين بلغتهم مالكين لها محافظين عليها ، فهذا يكون بمثابة امتلاكهم لمفاتيح حريتهم من سجن الاحتلال" .

 عندما فتح المعلم كتاب القواعد كنت مندهشا كيف فهمنا بهذه السهولة، كل ما قاله يبدو سهلا ويسيرا، فكرت إننى لم أستمع قط للدرس بمثل هذا الاهتمام،وأيضا المعلم هامل كان يشرح الدرس فى صبر وشيء من الإطناب .

فقد كان المعلم كاالذى يريد إعطاءنا كل شىء، كل ما تحتوى عليه اللغة على عجل قبل أن يرحل ،كالذى يريد أن يعلمنا كل ما يعلم، وأن يحشو فى رءوسنا كل شيء دفعة واحدة.

بعدما فرغنا من درس القواعد اللغوية كان لدينا درس فى الكتابة ، فى هذا اليوم كان المعلم"هامل" قد أحضر لنا كتابا جديدا لتعلم الكتابة، فى غلاف جميل، مكتوب عليه بشكل دائرى "فرنسا الإلزاس، فرنسا الإلزاس" .

كانت هذه الكتابات تبدو وكأنها أعلام صغيرة،  ترفرف فى الفصل وقد علقناها على قضيب صغير فى مقاعدنا ، يا لهذا المشهد الرائع،  فقد جلس كل واحد منا فى مقعده منهمكا فى العمل، كم كان هذا هادئا ورائعا،لم يكن هناك أى أصوات ما عدا صوت خربشات الأقلام فوق الأوراق .

 حتى أن بعض الخنافس عندما دخلت الفصل لم يعرها أحد أى اهتمام، عندما نظرت إلى الأعلى نحو السماء،  ووجدت سرب الحمام يطير فوق، تساءلت هل سيجبرون هذا الحمام على الغناء باللغة الألمانية أيضا؟

على  كل حال كنت كلما رفعت بصرى عن أوراقى، وعما أكتب، كنت أرى المعلم"هامل"وهو محدقا فى شيء ما فى الفصل كأنه يريد أن يحفر فى ذاكرته كل التفاصيل مهما صغرت فى هذا الفصل.

لأربعين عاما خلت ،عاش المعلم"هامل" فى هذا المكان نفس منزله، وحديقته الصغيرة التى نمت فيها أشجار الجوز، وطالت حتى وصلت إلى سطح المنزل .

هذه الفصول،وتلك الحديقة، هل سيترك كل هذا بسهولة هكذا؟ لابد وأن هذا يمزق نياط قلب معلمى .

سوف يُخلف كل هذه الحياة وراءه ويمضى بلا رجعة ، ومما يزيد حزن المعلم صوت أخته فى الطابق العلوى، التى كانت تتحرك فى محاولة لجمع كل مقتنياتهما لآن عليهما الرحيل ومغادرة البلاد صباح يوم غدٍ.

على الرغم من كل هذا امتلك معلمنا الشجاعة  ليعلمنا آخر دروسنا، بعدما فرغنا من درس تعلم الكتابة كان لدينا درس فى التاريخ، جاء صوت منادٍ فى المقاعد الخلفية، وكان صوت"هاوزر" العجوز، والذى كان يضع نظاراته استعدادا لتهجئة رسالة الشكر والوداع الأخير، من كتاب يحمله بين يديه وأخذ يتلوها على معلمنا.

    التفتنا ناحية هاوزر العجوز  ، ويبدو أنه كان يبكى، صوته كان يخرج مرتعدا من اضطراب مشاعره، لكن كان من الممتع أن نسمع صوته، والذى حمل الجميع على الضحك والبكاء فى نفس الوقت.

كم أتذكر الدرس الأخير هذا، أتذكره كلما دقت أجراس الكنيسة فى الثانية عشرة ظهرا، فعند هذه الساعة بالتحديد، كانت تمر من تحت نافذتنا جوقة الكنيسة التى تعزف بالأبواق وكنا نسمعها ساعة الدرس الأخير.

وقف المعلم هامل وكان يبدو عليه الشحوب،وقف من على كرسيه،وخيل لى عندها أننى لم أره أبدا بهذا الطول من قبل،وبدأ يقول:

"أصدقائى ، إننى.....إننى.." ثم  احتبس صوته واختنق ولم يكمل، فقط التفت ناحية السبورة وأمسك بقطعة من الطبشور، مستجمعا كل قواه، وكتب بخط عريض بأقصى ما فى استطاعته جملة واحدة هى:

" تحيا فرنسا" ثم توقف واستدار مشيرا إلينا بيده وقال:

" الدرس انتهى يمكنكم الانصراف".

 (المصدر)

www. The English Library.org