الخميس 03 ديسمبر 2020 الموافق 18 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

مارثون"وادى الدوم"

الجمعة 23/أكتوبر/2020 - 01:46 م
علاء فرغلي
علاء فرغلي
سماح ممدوح حسن
طباعة

من أين نبدأ الكتابة عن حكاية "وادى الدوم" للكاتب علاء فرغلي؟ ليست الحيرة فى البداية فحسب إنما كم الكتابة التى يمكن أن تستوعبها هذه الرواية.

تحكى الرواية عن تلك الأرض التى اكتشفها "الشاهين" أحد الآباء المؤسسين لـ" وادى الدوم" بعدما ظن أنها ممكلة "زرزورة" الأسطورية التى يتناول حكايتها أهل الصحراء، أتى الاكتشاف صدفة عندما كان يعمل دليلا للباحثين فى الصحراء، تبدأ الحكاية بضرب أرض وادى الدوم بالبازوكا ولم تكن تلك المرة الأولى التى تتعرض فيها الدومة لمثل هذا القصف، يتجمع أهل الدومة فى المخابئ التى أعدوها للاحتماء من مثل تلك الضربات، وأثناء تجمع شيوخ الدومة الكهول تنساب الذكريات والحكى وتذكر ما مضى من زمان واديهم وأجدادهم منذ التأسيس الأول. مستعينين بدفتر "الصاير" وهو التاريخ المكتوب لذلك الوادى والذى كانت تدون فيه الحوادث الجسام التى تلم بالوادى وبالأحداث البارزة وأيضا بسيرة الشخصيات المؤثرة المسهمة فى تكوين تاريخ"وادى الدوم" ويؤرخون للحروب والجماعات التى مرت بهم مثل الجماعة المهدية السودانية والسنوسية الليبية والإنجليز والإيطاليين والبربر.   

  رواية"وادى الدوم" عبارة عن ماراثون سردى، يشعر القارئ حين يبدأ فى القراءة بأنه يعدو بين الأزمان والرواة، فآلة الزمن التى تنفتح فى الرواية وترجعنا إلى قرنين من الزمان خلوا، زمن عثور الجد الأكبر "الشاهين"على مملكته الأسطورية "الزرزورة" بالمصادفة التى ستصبح "وادى الدوم" عندما كان مرشدا لإحدى البعثات الاستكشافية، منذ أن بدأ فى تشييد مملكته"وادى الدوم" وهو وثلاث فقط من أهله"مهود، بوسنة، باجة" لتسرع بعدها آلة الزمن لتصل بنا إلى الوقت الحاضر فى التسعينيات عندما يجلس أحفاد الأحفاد يستمعون إلى الراديو والاحتفالات لإحدى البطولات الرياضية فى تسعينيات القرن الماضى.

  يشعر القارئ والذى يعدو طول الرواية كأنه يلهث، ليس فقط فى الركض بين أزمنة حاضرة وغائرة فى القدم، إنما أيضا تلك الطريقة التى سرد بها علاء فرغلى الرواية، فتارة يضع الحوار على لسان الراوى وتارة أخرى على ألسنة شخوص تلك المغامرة السردية الشاقة على القارئ، فما بالنا بالكاتب والذى ركض فى تلك المتاهة بمنتهى الدقة والروعة دون أن تتسرب منه خيوط السرد مما جعل الرواية أيقونة تشويق لا يشوبها الملل.

 إن القارئ المعتاد على قطع الصحراء القاحلة بين صحراء العرب لعبد الرحمن منيف ومدن الملح، وقطع أشواطا فى صحراء طوارق إبراهيم الكونى يألف المفردات الصحراوية التى تتخم بها تلك الأعمال، لكن بالنسبة للقارئ حديث العهد بهذه العوالم سوف يتوقف كثيرا فى بداية الرواية عند بعض المصطلحات والأفكار أيضا الآتية من قبل مائتى عام مضت، لكن سرعان ما سيعتادها لتنساب منه نطقا وفهما سلسًا.

على الرغم من طول الرواية التى تقع فى أكثر 400 صفحة، إلا أن القارئ يستحيل أن يشعر لوهلة بالملل فآلة الزمن التى تنطلق إلى المستقبل حيث بات شخوص الرواية الأحفاد والمعمرون من الأجداد يذكرون متن الحكايات التى حدثت قديما، وياتت إرثهم عن الآباء والأجداد، ويصيغ الكاتب ذلك المتن حتى يقتنع القارئ بذلك المتن من الذكرى عن حكاية سوف تروى بالتفاصيل لتتكشف بها حكايات وتاريخ آخر لأشخاص ظلوا أو غادروا، عابرون أو مقيمون، وأماكن، وحوادث، وحروب، بعدما تعود آلة الزمن إلى عصور مملكة الدومة القديمة.

تتجلى عبقرية الرواية فى أنك سوف تنغمس فى قساوة الصحراء التى ستمر بها مع القوافل، سوف تشعر بحرارة الطقس ولسعات الشمس الحارقة، ستغوص قدماك حتى الكاحل فى الرمال الملتهبة، ستضيق بشظف العيش فى الصحراء وبيوت جريد النخل، والخلاء، وربما ستغشى عينيك عاصفة رملية تعصف فجأة من بين الصفحات وتتوه فى أعقاب قافلة اهتدت أخيرا إلى جنة مملكة الدوم.

ربما تشابهت"وادى الدوم" كثيرا مع رواية "فساد الأمكنة" لصبرى موسى، كلتاهما تطرقتا إلى دروب لم يغزُها الكّتاب كثيرا أو لم تولَ اهتمام يليق بها، فالكتابات المصرية تشبعت بالكتابة عن الريف وامتلأت صفحات لا محدودة بحكايات المدينة والقاهرة وأهلها، لكن قليلون هم من شدّوا الرحال وعبروا بالقارئ إلى أمكنة لم تطأها أقدام من قبل غير أقدام أهلها. فـ "صبرى موسى" أخذنا إلى حلايب فى حدود مصر الجنوبية فى عصر لم يكن أغلب  الناس حتى يدرون عن وجود هذا المكان أصلا فى حدود دولتهم، وكذالك فعل"علاء فرغلى" طاف بنا فى الصحراء الغربية وواحتها، كلا المكانين بكرا لم ينتهك أرضهما غريب فى زمان منسى وتاريخ أسطوري، وكلا المكانين بنيا أو أدخل عليهما التجديد على يد شخص حالم قالوا عنه مجنون أو به مس من الجن، حتى أضحت مملكة المجنون جنة يتهافت المتهافتون للوصول إليها.

وأيضا جاءت نهاية الأمر والقضاء على براءة المكان وأصالته فى كلاً العالمين فى الروايتين ، بغزو الغرباء للمكان الذى أصبح مباحا للجميع، يبدلونه ويغيرونه حتى لم يعرف أهله أكان هذا التغير لهو فساد للمكان أم هو الناموس الطبيعى للتغير والتطوير كما حدث فى نهاية رواية "وادى الدوم" من دخول المظاهر الحديثة مثل الراديو والذى لم يكن بالتأكيد فسادا، وطموح الأجيال الجديدة من أهل الدومة الصبية الصغار فى الخروج إلى المدن فى الصعيد والإسكندرية للعيش بشكل مغاير، ربما أكثر راحة ودعة من ذلك الشكل الذى طالما عاشوا وعاش عليه آباؤهم وأجدادهم المؤسسون.