الأربعاء 25 نوفمبر 2020 الموافق 10 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

"الموسيقى القبطية بين التراث اللحني والترانيم المعاصرة"

الأحد 25/أكتوبر/2020 - 09:37 م
الهلال اليوم
دكتور/ إيهاب صبري
طباعة
ترتل فى الكنيسة القبطية أنواعٌ عديدة من الترانيم والألحان، ولكل مناسبة ألحانٌ خاصة بها، والشكل العام لتراث الموسيقى القبطية تغير عندما بدأ راغب مفتاح* Ragheb Moftah ( 1898 -2001 ) المحافظة على الألحان والنصوص القبطية وتسجيلها والتى كانت تتوارث بالتواتر، فلأول مرة فى التاريخ أصبح يوجد تسجيلات صوتية وكتابية باللغات القبطية والعربية والإنجليزية مصحوبة بالنوت الموسيقية.

   وهذا كان مجرد جزء من مشروع حياة د.راغب مفتاح للحفاظ على التراث القبطي، ففى عام 1927، بدأ مشروع المحافظة على تراث الألحان والموسيقى القبطية خوفًا عليها من الاندثار وتأثير أجهزة الإعلام الحديثة عليها.
 
بدأ د.راغب مفتاح الحفاظ على الموسيقى القبطية بتسجيل الألحان المؤداة بصوت (المعلم) ميخائيل جرجس البتانوني (وهو رئيس مرتلي الكاتدرائية المرقسية)، وفى الوقت نفسه كان الأستاذ أرنست نيولاند سميث Ernest New land smith (الأستاذ بالأكاديمية الموسيقية بلندن) يدون هذه الألحان فى شكل نوت موسيقية، حتى تمكنوا من تسجيل أول عمل وهو مردات «القداس الباسيلى». 
   
ومما هو جدير بالذكر هنا ما أفادنا به راغب مفتاح حول تقييمه للمعلم ميخائيل البتانوني، حيث يذكر قوله:إنه ذلك العبقري الذي تمكن بعبقريته الفنية الخارقة أن يؤدي للموسيقى القبطية خدمة تجل عن الوصف، لأنه من بين أفراد جيله الذى عاش فيه يعتبر أكثرهم جميعاً استيعاباً للألحان القبطية على اختلافها، وكان هو الواسطة الوحيدة فى تسليم هذه الألحان إلينا.

  ويضيف فى ذلك أيضاً "ميشيل عبد الملك"، رئيس قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية حين يقول:إن المعلم ميخائيل البتانوني كان مسبحاً من الطراز الأول، فكان يؤدى اللحن بأحاسيس صادقة نابعة من قلب مفعم بعمق وحرارة وحلاوة التسبيح والصلاة، فكان أحياناً يبكي أثناء الصلاة كما رُوي ذلك من معاصريه.

وكما ذكر د.راغب «إن الألحان والتراتيل الخاصة بالكنيسة القبطية تعد أقدم موسيقى كنائسية في العالم». 

وفي نفس الحديث ذكر د.راغب «إن لأهمية هذه اللغة وموسيقاها وعذوبتها وسهولتها يجب تعليمها للأطفال منذ نشأتهم وذلك للحفاظ على جمال طقوس الكنيسة وتراثنا المصري؛ فقد وهب الله الأطفال ذاكرة ممتازة للغات وحفظ الكلمات». ويقول أيضًا عن اللغة القبطية «إنها لغة الصلاة وإن ميزة هذه اللغة أن أغلب كلماتها تحتوي على حروف متحركة كثيرة تؤدي إلى سهولة اللفظ وجمال الغناء، لهذا السبب تفقد أنغام هذه اللغة عندما تنقل إلى لغة أخرى 70 % على الأقل من أصولها الموسيقية».

هذا التراث القبطي الكنسي لم يتم نشره حتى عام 1991، لأن د.راغب أدرك أن كتابة هذه الألحان في شكل نوت موسيقية ليس كافيًا من أجل تعليم وتدريس هذه اللغة بنجاح، فقال «يجب على الأقباط أن يتعلموا ويقرأوا هذا التراث الكنسي، والمحافظة على هذه الجوهرة الثمينة التي وصلت إلينا من حوالي ألفي عام ، واستلمه جيل بعد جيل».

في عام 1932، انعقد المؤتمر الأول للموسيقى العربية فى مصر المشمول برعاية الملك فؤاد الأول ( 1868 – 1936) واختير راغب مفتاح ليكون ممثلًا للموسيقى القبطية في ذلك المؤتمر الذى عنى بدراسة الموسيقى الشرقية، وكلف راغب مفتاح بسكرتارية لجنة التسجيلات والتى كان رئيسها الدكتور لاخمان، وبعضوية القامات الموسيقية من قامة ( السيد . حسن حسنى عبد الوهاب – الأستاذ ب. بارتوك – أ. شوتان – م. جميل بك – الدكتور هاينز – الدكتور فون هورنبوستل – مدام هرشر كليمان – مدام لافرنى – مسيو ب. ريكار – الأستاذ سترن – مصطفى بك رضا – منصور عوض أفندى)، وفيما يختص باختيار القطع المسجلة لا يجوز أن ينظر من يجمعها إلى أساليب التأليف، ولكن يجب أن يراعى فى ذلك القطع ذات الأهمية الخاصة بكل نوع وكل منطقة وكل قبيلة، فقد يكون لهذه النماذج قيمة كبيرة فى الدراسة التاريخية وقد تصبح فى الحال أو الاستقبال مصدر نفحات للموسيقيين، ويجب أن يهجر كل ما يحمل طابع التقليد السطحي للموسيقى الأجنبية وليس له أصل ولا طابع خاص فى الإنشاء التلحيني. 

 وفي عام 1940، كوّن فرقة مرتلين من طلبة الإكليريكية وخورسين: إحداهما لطلبة الجامعة والثانية للطالبات.

 وفي عام 1945، أقام مركزا لتعليم الألحان للمعلمين والشمامسة في وسط القاهرة، وأسند التدريس فيه إلى المعلم ميخائيل، والعمل التاريخي لراغب مفتاح تدوين القداس الأرثوذكسي القبطي للقديس باسيليوس مع ترجمة موسيقية كاملة والذي استغرق اكتماله 30 عامًا، قامت الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1998 ، بنشر هذا العمل وهو يحتوي على نص القداس كاملًا باللغة القبطية والعربية، ويحتوي على ترجمة إنجليزية، بالإضافة إلى ستة أشرطة كاسيت للقداس الباسيلي، ويشمل هذا العمل أيضًا عدد 26 بكرة لف لشرائط تحوي تسجيلا لقداس القديس إجريجوديوس. والذي عادة يستخدم في الأعياد مثل الميلاد، القيامة والغطاس؛ فهذا العمل يعتبر أداة مهمة ولازمة لمعهد الدراسات القبطية، ويعطي جموع الشعب القدرة على الاتحاد والألفة بالجمال الحقيقي لهذا التراث الموسيقي.

ومما يلاحظ فى تجربة الأرشيذياكون حبيب جرجس** ( 1876 – 1951) فى التعليم الكنسي المعاصر، واستكشاف أساليب التطور الواجب اتباعها فى التعليم الكنسي، فعندما اعتلى البابا كيرلس الخامس الكرسي المرقسي، رأى أن حجر الزاوية للنهضة الكنسية الكهنوت المتيقظ، فاستقر رأي قداسته على ضرورة إنشاء إكليريكية يتسلح بتعاليمها خدام المذبح العتيدون، ولما كان هذا العمل العظيم يحتاج إلى عضو مالى، فقد وقع اختيار قداسة البابا على حبيب جرجس ليقوم برحلة يستحث فيها ذوى النفوس المحبة للكنيسة إلى تقديم ما يستطيعون كى يتم فتح الإكليريكية.

وفى مجال الترانيم الروحية بالكنيسة القبطية يجب الوقوف على أهمية تحديد شكل ووظيفة الترانيم فى التسبيح والعبادة، وهذا بسبب ظهور أشكال كثيرة من إنتاج بعض الموهوبين غير المحترفين أو المتخصصين سواء من الناحية العقائدية أو الموسيقية، فظهر منها أداء يشبه الأداء الغنائي الدنيوي، فمنذ ظهور الرعيل الأول من الكورالات التى كونتها خدمة التربية الكنسية، وكانت الكورالات تهتم بالكلمة واللحن والأداء، ومن ثم كانت تحافظ على التراث الموسيقى اللحني، ويوضح ذلك المؤلف الموسيقي عادل كامل فى مقالته ( الاحتفالات الفنية بمناسبة استشهاد مار مرقس وافتتاح الكاتدرائية)، حين يقول:

 شهدت قاعة سيد درويش للموسيقى أول حفل موسيقي ستصدح فيه الألحان القبطية لأول مرة، وهذا الحفل سيكون صورة واضحة لقدسية وروحانية وعمل اللحن القبطي وامتداده منذ ميلاد السيد المسيح حتى الآن، والصورة الفعلية للتراث القبطي ستقدمها مجاميع كورس معهد الدراسات القبطية التى أنشأها ويشرف عليها الفنان راغب مفتاح رئيس قسم الموسيقى والألحان بالمعهد، والذي يرجع إليه الفضل فى تجميع عدد وافر من هذه الألحان، كما ستشترك فى الحفل مجموعة من كورال قاعة إبراهيم لوقا التى ستقدم لأول مرة بمهارة جريئة فى الترانيم والألحان القبطية والمعالجة بأسلوب علمي معاصر نسبياً، وسيشترك فى أداء هذه الألحان كورال مؤلف من 70 منشداً ومنشدة بقيادة سمير فوزي، وسيصاحب الكورال أداء على الأورغن ستقدمه العازفة سونيا يسى المعيدة بمعهد الكونسرفتوار.

فى واقع الأمر، شارك فى هذا الاحتفال المؤلف الموسيقي المصري كامل الرمالي*** (1922- 2011) ، حيث قدم عملا موسيقيا عالميا من الألحان القبطية، حيث كتب تنويعات للأورغن قام بأدائها الفنان التشكيلي الشهير جوزيف كون، والذي قدم أيضاً تنويعات أخرى للأورغن على مجموعة من الألحان القبطية التى أدهشته وأعجب بها أثناء استماعه إليها بالكنائس المصرية، وهذه التنويعات هدية منه فى هذه الاحتفالات التى كانت مشعلاً مضيئاً للفن المصري القبطي، فخر حضارة شهد لها التاريخ ونهلت منها الأجيال.

   وفى أواخر السبعينيات من القرن العشرين ظهرت فرق كورال تنتمي لخدمة التربية الكنسية، وكان يرعاها فنياً أبناء الكنيسة الموسيقيون الذين كانت لديهم الموهبة الموسيقية أو من درس منهم الموسيقى واحترف أداءها، حيث كانوا يقومون بتوثيق أعمالهم من خلال تسجيلها على المسجل الكهربائي إلى أن ظهرت بعض الأستوديوهات القليلة جداً ومنها على سبيل المثال (أستوديوهات المركز القبطي لوسائل الإيضاح بالأنبا رويس بالقاهرة، ومن أهم الكورالات كورال (شباب الأنبا رويس)، كورال التربية الكنسية بكنيسة الملاك ميخائيل بعياد بك بشبرا بقيادة م.

 عماد حليم، كورال أسرة التسبيح بنفس الكنيسة بقيادة الشماس والمرنم المبدع م. ضياء صبري، وكورالات التربية الكنسية بكنيسة الشهيد العظيم مار جرجس بجزيرة بدران بشبرا والتى برز فيها المرنم المبدع أ. ماهر موسى وشقيقه الملحن الفنان ماجد موسى، وكنيسة السيدة العذراء بعياد بك بشبرا، وكورالات التربية الكنسية بكنيسة السيدة العذراء بمسرة بشبرا، والأنبا أنطونيوس بمنطقة شارع الترعة، وكورالات كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس بالجيوشي، والتى قدمت أهم التسجيلات فى تلك الفترة ومنها شريط "احكي يا تاريخ، ويسوع رفيقي"، وأيضاً كورال فرقة دافيد بقيادة الفنان المايسترو جورج كيرلس، وهو يضم أهم الخدام الموهوبين بأداء الألحان والترانيم من قامة الأستاذ مرقس ساويرس، وشقيقه الأستاذ جورج ساويرس،  وساهمت هذه المجموعة فى تكوين أهم أوركسترا للكنيسة القبطية فى بداية التسعينيات من القرن العشرين، وشرفت بأن أكون عازف العود لهذا الأوركسترا الذى كان يضم أهم موسيقيين وعازفين مصريين من أبناء الكنيسة القبطية، وكان يقدم التوزيع الموسيقي الأوركسترالي لألحان هذا الأوركسترا المؤلف الموسيقى المصري سامي نصير، والمؤلف الموسيقي (سامي ترك)، والموسيقار المبدع الأستاذ سمير سليمان، ولا يمكن أن نغفل الدور الرائد الذي قدمه الفنان سعد متري، والذي قدم أجمل ألحان ومدائح للسيدة العذراء، والقديسين، وأيضاً الصوت الذهبي للمرنم فيصل فؤاد الذي اشتهر بتلحين وترنيم أعمال قداسة البابا شنودة الثالث الأدبية كالقصائد والتأملات، وتنوعت وتعددت فرق الكورالات وحدثت نقلة نوعية حضارية فى هذا المجال من خلال مهرجان الكرازة المرقسية الذي ترعاه أسقفية الشباب تحت رعاية نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى أسقف الشباب، والذي شرفت أن أخدم (كعضو لجنة التحكيم للكورال والموسيقى به منذ عام 1990، عندما كانت المسابقات الفنية مقتصرة على الأحياء فقط، حتى تطور المهرجان ليصل لجميع محافظات جمهورية مصر العربية وبلاد المهجر. 

   ومع انتشار القنوات الدينية انتشرت الترانيم بشكل أكبر، حيث أسهمت هذه القنوات فى نشر الوعى الثقافي الموسيقي لأبناء للكنيسة القبطية، وكذلك الأفلام الدينية التى قدمت توثيقا لسير حياة الآباء والقديسين، فقد برز فى هذا المجال الفنان المبدع (عمانوئيل سعد) الذي تميزت مؤلفاته الموسيقية بالتطور التكنيكي فى حرفية التوزيع الموسيقي، مع الحفاظ على الأصالة، وكانت لى تجربة الخدمة فى مجال موسيقى الأقلام حيث شرفت بتسجيل الأداء على آلة العود فى فيلم (الأنبا مكاريوس)، وأيضاً تلحين شارة النهاية لفيلم الأنبا متاؤس الفاخوري بمصاحبة الصوت الجميل للشماس المرنم ساتر ميخائيل.

ومما تقدم حاولت فى هذا المقال تبيان أهمية الحفاظ على التراث الكنسي من ألحان وترانيم، ومحاولة توعية الأجيال الجديدة بأهمية التراث الكنسي من أصالة الألحان، وصلاة التسبيح عبر الترانيم الروحية والمدائح الكنسية.