الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

شبرا الشهيد !

الإثنين 26/أكتوبر/2020 - 08:09 م
الهلال اليوم
حامد محمد
طباعة
لا شىء قادرٌ على اكتناز التاريخ كالأماكن ..

فالأماكن هي شاهد العيان الماثل أمام أعيننا دوماً مُثبتاُ لنا أن ما ترويه كتب التاريخ ليس محض حكايات و أقاصيص عابرة ، إنما هي حيوات أناس من لحم و دم عاشوا و قضوا على ذات الأرض وبين ذات الأماكن التي  نعيش عليها اليوم.
فكيف نستطيع و الحال كذلك أن نتمثّل التاريخ عبر مكان كشبرا الخيمة ؟!

دعونا قبل أن نشرع  في الإجابة أن نشير إلى كتاب ديني مسيحي وثيق الصلة بقصتنا، هو كتاب السنكسار القبطي ..
و حسب موقع الأنبا تكلا هيمانوت القبطي فالسنكسار هو كتاب يحوي سير الآباء القديسين و الشهداء وتذكارات الأعياد و أيام الصوم  مرتبة حسب أيام السنة، و يُقرأ منه في الصلوات اليومية ، وهو يستخدم التقويم القبطي و الشهور القبطية الثلاثة عشر.

يذكر السنكسار القبطي قصة استشهاد الأنبا يحنس السنهوتي في اليوم الثامن من شهر بشنس بدون تفاصيل كثيرة على النحو التالي :

"في مثل هذا اليوم استشهد القديس يُحنس السنهوتي، وقد ولد هذا القديس بسنهوت من أب اسمه مقاره و أم اسمها حنة، وحدث وهو يرعى غنم أبيه أن ظهر له ملاك الرب وأراه إكليلاً من نور وقال له: لماذا أنت جالس ٌهنا والجهاد قائم؟، قم امض إلى أتريب (بنها)  وجاهد على اسم السيد المسيح، ثم أعطاه السلام ومضى عنه، فودّع والديه ومضى إلى الوالي واعترف أمامه بالسيد المسيح، فسلمه الوالي إلى أحد الجنود ليلاطفه عساه يُذعن إلى قوله، ولمّا تسلمه الجندي أجرى القديس أمامه جملة آيات جعلت الجندي يؤمن أيضاً بالسيد المسيح وينال إكليل الشهادة على يد الوالي. فغضب الوالي وعذّب القديس بكل أنواع العذاب، ولكن الرب كان يُقويه و يصبره، ثم أرسله إلى أنصنا فعُذب هناك أيضاً، وفي الآخر قطع رأسه بالسيف فأخذ يوليوس الأقفهصي جسده و كفنه و أرسله إلى بلده سنهوت (في الشرقية حالياً)، فتلقاه أهلها بالتسبيح و الترتيل"للوهلة الأولى تبدو سيرة القديس يحنس السنهوتي لا تختلف كثيراً في مجملها عن حياة أي قديس آخر أعلن إيمانه بالمسيح و عانى صنوف العذاب جرّاء ثباته على إيمانه حتى استشهاده ،أما على المستوى الشعبي فالأمر جد مختلف !

ففي عصر سلاطين المماليك كان عيد الشهيد يُحنس السنهوتي أحد الأعياد الشعبية الكبرى التي يشارك فيها جموع المصريين على اختلاف أديانهم ،فكان عيد الشهيد على حد تعبير المقريزي : "أنزه فُرَج أهل مصر" 
وقبل أن نستكمل ما كان يحدث في عيد الشهيد وما حفظته لنا المصادر التاريخية من زخم الاحتفال وارتباطه بفيضان النيل، علينا أن نتوقف قليلاً لنشير لطبيعة العلاقة بين الدولة و المسيحيين في عصر سلاطين المماليك.
فحسب كتاب "أهل الذمة في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية عصر المماليك" للدكتور قاسم عبده قاسم ، فإنه يمكننا التعرف على الموقف الرسمي لسلاطين المماليك تجاه رعاياهم من خلال الوثائق الكثيرة التي خلفها لنا ذلك العصر، فقد صدرت المراسيم من السلاطين و كبار الأمراء طوال عصر المماليك تأمر لأهل الذمة أن تكون "جهتهم مرعية على الدوام،وذمتهم محفوظة بذمة الإسلام" ، و ذلك "عملاً بحكم الملة الإسلامية وشريطة الشريعة المحمدية" . ومن الألقاب التي أسبغتها الدولة على رؤساء الطوائف المسيحية يُصبح الموقف الرسمي للدولة أكثر وضوحاً،فقد كان من بين ألقاب بطاركة الأقباط التي ذكرتها الوثائق (الحضرة السامية، الشيخ، الرئيس، المبجل، عماد بني المعمودية، كنز الطائفة الصليبية .. إلخ)

وقد اعتبرتهم الدولة موظفين رسميين، فقد كانت قرارات تعيينهم تصدر عن ديوان الإنشاء، وصحيح أن كل طائفة كانت تختار رئيسها ليقوم بتنظيم العلاقة بينها و بين الدولة، ولكن قرار التعيين كان يصدر عن الدولة ذاتها تثبيتاً لهذا الانتخاب واعترافاً من الدولة به.  

و على الرغم من ذلك فيجب أن نأخذ في اعتبارنا أن الحروب الصليبية قد خلقت مناخاً مسموماً في طول العالم الإسلامي وعرضه تجاه الغرب المسيحي، كما جعل الدولة تشكك في أحيان كثيرة في ولاء رعاياها من المسيحيين الملكانيين (أتباع الكنيسة البيزنطية) على وجه الخصوص، وقد زادت الحملات الصليبية المتأخرة من هذه المناخ السام، كما أن علاقات دولة سلاطين المماليك السياسية بالممالك المسيحية كانت تؤثر على أحوال المسيحيين في مصر سلباً أو إيجاباً.  

ربما بهذا يمكن أن نتفهم حكاية الاحتفال بعيد الشهيد و ما آل إليه ..

في هذا العيد كان يتوافد الأقباط من جميع الجهات ومعهم أهل القاهرة على اختلاف أديانهم إلى ساحل النيل حيث ينصبون خيامهم للمشاركة في هذا المهرجان الشعبي الضخم، الذي كان يحفل بجميع ألوان اللهو المتاح أيامهم، فعلى حد وصف شيخ المؤرخين تقي الدين المقريزي في الجزء الأول من خططه :"لا يبقى مغن و لا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا بغيّ و لا مخنث ولا ماجن و لا خليع ولا فاتك و لا فاسق إلا ويخرج لهذا العيد.فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم وتُصرف أموال لا تُحصر، ويتجاهر الناس من القبح بما لا يُحتمل من المعاصي و الفسوق" !

ويكفي أن نعرف أن فلاحي شبرا كانوا يعتمدون دوماً على مبيعاتهم من الخمور في عيد الشهيد لكي يسددوا ما عليهم من ضرائب سنوية للدولة لكي نتخيل الكميات المهولة التي كان يتم شربها من الخمور في هذا الاحتفال الصاخب جداً!. 

بالطبع يمكننا تفهم تحفظات المقريزي على ما كان يحدث في عيد الشهيد بحكم ثقافته الدينية المحافظة ووظيفته كمحتسب للقاهرة وظيفته التأكد من إقرار الضبط والربط والحفظ على الأخلاق الحميدة! 

وفي يوم عيد الشهيد، كانوا يقومون بهذا الطقس الغريب: 

من كنيسة يُحنس السنهوتي يخرجون صندوقًا صغيرًا، يحوي هذا الصندوق إصبع الشهيد «يُحنس» شخصيًّا، وفي يوم العيد يخرجون الإصبع من الصندوق ويغسلونه في النيل، ثُمَّ يرجعونه إلى الصندوق مرَّة أخرى، وكان الشائع بين الناس أنه إذا لم يتم غسل الإصبع في النيل سنويًّا، فلن يفيض النهر، وسيعم الخراب أرض مصر. 
وظل الاحتفال السنوي بعيد الشهيد مستمرًّا حتى سنة 755 للهجرة.. حينها كان يحكم مصر والشام السلطان صالح بن محمد بن قلاوون. 

كان «الصالح» في السابعة عشرة من عمره، وبلا حول ولا قوة، أما الذي كان يحكم مصر بالفعل فثلاثة أمراء كبار، هم: «شيخون» و«طاز» و«صرغتمش». 

لا نعرف بالضبط مَن مِنهم هو صاحب هذه الفكرة الشيطانية: الاستيلاء على أراضي «الرزق الأحباسية» الخاصة بالكنائس والأديرة، أي مصادرة الأوقاف التي يُصرف ريعها على الكنائس. 

فبسرعة، تم حصر هذه الأراضي الشاسعة، ووجدوا أنها تزيد على 25 ألف فدان، وقرروا أن يتم تقسيمها على المماليك والفقهاء! 

قرار كارثي كهذا كان من المتوقَّع أن يقلب البلد رأسًا على عقب؛ لذلك قرروا أن يصلوا بالأمر إلى مداه ويطرقوا الحديد وهو ساخن، وبتزامن غريب أخذ بعض الأشخاص  يرسلون أوراقًا إلى المحكمة يتظلمون فيها من أن المسيحيين يقومون ببناء كنائس جديدة، ويزيدون من مساحة الكنائس القائمة بالفعل، وأن كل هذا مخالفٌ لأحكام الشريعة الإسلامية، فأمر السلطان بأن تُهدم الكنائس الجديدة فورًا، وكان الهدف من وراء قرارات الهدم هو المداراة على نهب أراضي الأوقاف المسيحية؛ إذ ما جدوى الأوقاف إذا ما كان وجود الكنائس نفسها غير قانوني أصلًا؟! 
ومع ذلك فيجب التأكيد على أن سياسة المصادرة كانت سمة من سمات السياسة الداخلية لعصر سلاطين المماليك، ولم تكن نتيجة لدوافع دينية بالأساس، بل تعبيراً عن علاقة المماليك كطبقة حاكمة برعاياهم من المسلمين و المسيحيين على السواء. 

فتذكر المصادر التاريخية أن السلطان جقمق قد استولى في وقت لاحق على أراضي الرِزَق، وهي أراضٍ أوقفتها الدولة منذ القدم لتُنفِق من ريعها على أعمال الخير و البر، وأيضاً لكي يُنفق من هذا الريع على الموظفين السابقين الذين هرموا و أصبحوا بطّالين، أي لم يصبحوا قادرين على العمل، وعلى أراملهم و أولادهم، أي أن الرزق كانت معاشات ذلك الزمان وتأميناته الاجتماعية. ففي البداية قرر جقمق أن يفرض ضريبة سنوية على أراضي الرِزَق، وكانت معفاة من الضرائب قبل ذلك، وفي العام التالي، وافق السلطان على مصادرة الرِزَق بالكامل، فخربت بيوت أعداد ليس لهم أول و لا آخر من وراء تدبير ابن عبد الرازق، أو على حد تعبير المؤرخ أبوالمحاسن بن تغري بردي :"كانت هذه الحادثة التي لم يُسمع بمثلها فيما مضى من الأعصار، وعمّ هذا البلاء المسلمين حتى الجوامع و المساجد والفقهاء والفقراء وغير ذلك، فلا قوة إلا بالله" !

ووسط معمعة الاستيلاء على الرزق الأحباسية الخاصة بالكنيسة، تذكر الأمير «صرغتمش» حكاية إصبع الشهيد، فبعث الجند لشبرا فورًا، وهناك هدموا كنيسة الشهيد، واستولوا على الصندوق الذي يحوي الإصبع، وأحضروه للسلطان الطفل الذي كان جالسًا يتشمَّس على النيل في باب اللوق، ويبدو أن «الصالح» وجدها فرصة ملائمة لكي يثبت لنفسه وللناس أنه سلطان حقيقي وليس مجرد واجهة يحركها مماليك أبيه الأقوياء، فأمر بأن يحرق إصبع الشهيد وأن يُذرى رماده في النيل! 

فإذا رأيت يومًا مداخن شبرا الشهيد، التي أصبح اسمها اليوم شبرا الخيمة، نسبة للخيام التي كانت تُنصب في كل مكان على النيل يوم عيد الشهيد، فتذكَّر الشهيد يُحنس السنهوتي، والسبب الحقيقي الذي حُرق من أجله إصبعه!