الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

أسرار الكنيسة السبعة

الإثنين 26/أكتوبر/2020 - 08:39 م
الهلال اليوم
فاطمة عبدالله
طباعة
وضع السيد المسيح السبعة أسرار فى كنيسته لتمثل أركان المسيحية، ولابد لكل مسيحي أن يتم  خمسة منهم بالكامل كأساس للإيمان المسيحي،ـ ويتبقى سرَّان يمكن له أن يعملهما أو لا، وهما  "سر الزيجة" و "سر الكهنوت"، إذ يمكن للإنسان أن يعيش بتولا بلا زواج فى العالم، وسط الناس، أو يذهب للرهبنة بدير بالصحراء، والكهنوت دعوة إلاهية، إضافة لكونه استعدادا شخصيا للحياة الروحية، والاشتياق لخدمة الله وأولاده " كل البشر" نتيجة تذوق محبة الله، والرغبة في أن يتمتع كل الناس بحلاوة التعامل والحياة مع الله.

وقد وضع السيد المسيح هذه الأسرار في الكنيسة لينال بها المؤمنون نعماً وعطايا تفتح لهم الطريق إلى ملكوت السماوات، وتعينهم على السير فى هذا الطريق؛ لذلك ورد في الكتاب المقدس قرابة ستمائة مرة، منها "يوحنا الرائي رأى سبع منارت ذهبية فى كنيسة الله، لعلها هى السبعة أسرار التى تعطى للمؤمنين فتضيئ لهم الطريق إلى الملكوت" رؤ1: 12، 13 ؛ فصار يمثل دورًا بارزًا في كثير من طقوس العبادة والتطهير.

أسرار الكنيسة السبعة:

أولا: سر المعمودية:

 يتم فيه تغطيس المولود في الماء ثلاث مرات على اسم الثالوث القدوس، فالمعمودية لازمة للخلاص حيث تنقي من الخطايا وتطهر النفس وتجددها وتلدها ولادة جديدة، ولا يجوز إعادة التعميد لمن سبق له ذلك، فالمعمودية حالة تجعل المتعمد يستحضر المسيح عليه السلام، فيصبح التعميد هو الباب الذى يدخل منه المؤمن إلى الكنيسة وملكوت الله، كما أشار بولس إلى ذلك بقوله: "أم تجهلون إنما كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت" (رو6: 3-4)، وقوله "مدفونين معه فى المعمودية" (كولوسى2: 12) وطبقاً لقول المسيح: "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو3: 5).
فاعتبر التعميد سرا لأنه يولد الإنسان ولادة ثانية من فوق بالماء والروح "من آمن واعتمد خلص" (مر16: 16).
فالمعمودية تنقي من الخطايا، فتعميد الأطفال يكون لتنقيتهم من الخطية الجديّة الأولى، التى وفق العقيدة المسيحية أقامت فاصلا بين الله والبشر، فتأتي المعمودية لتعيدهم أبناء الله بالتبنى  .. تلك الخطية التى أعطى السيد المسيح تصريح الغفران لها على الصليب؛ فيناله المسيحي فى المعمودية – فالسيد المسيح حمل صفات الفادي كاملا.. إنسان  كامل.. غير محدود.. بلا خطية وغير حامل الخطية الجديّة؛ لأنه وُلد بدون زرع بشر، كما بشّر الملاك جبرائيل العذراء (الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك لذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله) 

وعلى هذا فالمعمودية هى باب الأسرار، ويعمد الطفل على إيمان والديه، ومن طقس المعمودية أمران مهمان:
صلاة "جحد الشيطان" لرفض الشيطان وكل جنوده الشريرة وأعماله النجسة، والثاني: قبول الله مخلِّصا راعيا إلها أمينا. 
ويعين للطفل أشبينا، وهي كلمة يونانية تعنى مربيا مسئولا عن تسليمه الإيمان وإرشاده لطريق الحياة مع الله ـ وغالبا ما تكون الأم هى أشبينا الطفل.. ولو كان المعتمد كبيرا يعين له أشبينا مسئولا عن ذلك.

ثانيا: سر الميرون (المسحة المقدسة):

ينال به ختم موهبة الروح القدس، وهو سر قائم بذاته مستقل عن سر المعمودية، وتباشره الكنيسة لكل متعمد بعد خروجه من المعمودية مباشرةً، حيث يضع الأسقف يده على المتعمد، ويمسحه بزيت الميرون المقدس المكون من بقايا الحنوط الذى كان على الجسد المقدس للسيد المسيح والأطياب الممزوجة من ثلاثين صنفاً، ومضاف إليه زيت الزيتون النقى بعد تلاوة كلمة الله والصلاة عليه ليصبح "ميروناً" أو طيباً مقدساً وهو المادة المنظورة لسر حلول الروح القدس فى سر الميرون؛ لتمكث فيه روح الحق للأبد، مستندا إلى قول الكتاب المقدس: "إن الروح القدس حل على السيد المسيح على شكل حمامة بعد صعوده من الماء (مز1: 10)، وأيضاً القديس بولس لما ذهب إلى أفسس وعمّد التلاميذ وضع يديه عليهم فحل الروح القدس عليهم (أع 19: 5-6).

طريقة عمل الميرون المقدس:

تضاف الأعشاب التي تدخل في عمل الميرون بعد أن تطحن وتنخل جيدا إلى الماء وتنقع، ثم يضاف زيت زيتون فلسطيني وتطبخ على نار هادئة مع التقليب المستمر على أربع طبخات تستغرق حوالي أسبوع، ثم يبرد ويصفى (مع الاحتفاظ بالتفل).
تضاف الدرور (العطور) وبعد أن تمزج تماما بالتقليب المستمر فيتكون الميرون، ويعبأ فى الأواني، ثم يضاف زيت الزيتون الفلسطيني إلى التفل الناتج من الأربع طبخات، ويغلى ثم يبرد ويصفى فيتكون زيت الغاليلاون الذي يستخدم فى المعمودية أيضا.

استخدامات  الميرون  المقدس:

1- فى تقديس مياه المعمودية، ورسم المعمدين حديثاً (فى سر المسحة المقدسة)، وتدشين الكنائس، وتكريس مذابح الكنائس، وتكريس اللوح المقدس، وتكريس أوانى المذبح (الصينية – الكأس – الملعقة – الثياب – المجمرة)، وتكريس جرن المعمودية، وتدشين الأيقونات بالكنيسة وأخيرا مسح وتكريس الملوك.
 ويطبخ زيت الميرون المقدس بواسطة البابا البطريرك وبمشاركة الأباء الأساقفة،  ويذكر أن زيت الميرون قد تم إعداده ثمانية وثلاثين مرة: ثلاثون منها منذ أول مرة عملها الرسل عام ٣٣م  سنة صلب وقيامة السيد المسيح  حتى قداسة البابا كيرلس السادس البطريرك الـ ١١٦، ثم سبع مرات عملها البابا شنودة الثالث البطريرك الـ ١١٧ نظرا لاتساع الكرازة وللاحتياج لزيت الميرون فى عهده، ومرة واحدة قام بها البطريك الـ  118 الحالي البابا تواضروس.

3- سر الافخارستيا (الشكر) (التناول):

يتناول المسيحي كسرة خبز وجرعة خمر، استدعى عليهما الكاهن الروح القدس في صلوات التقديس، وهو طقس يمارس كرمز لاتحاد كل متناول مع جسد المسيح ودمه، وكذلك للاتحاد به بين كل مسيحي وآخر، ويدعى هذا الطقس بـ "كسر الخبز" (أع2: 42 - 46، أع20: 7-11) و"الشكر" وذلك لأن الرب فى إتمامه للسر شكر وكسر (لوقا22: 19). صلوات القداس الإلهي هى الصلاة الجماعية تقوم على أركان هامة هى: الأب ـ الكاهن ـ الشماس ـ الشعب. 
الكل يصلى معا، وهى تقام ليس فقط فى الآحاد ولكن يوميا ويمكن عمل أكثر من قداس فى اليوم بمواعيد مختلفة فى أيام الصيام والإفطار والأعياد، ولكل منها "طقس"، كلمة يونانية أصلها "تاكسيس" تعنى ترتيب أو نظام مختلف يشير لحدث، وأنواع الصلاة ( صيامى ـ فرايحي ـ سنوي ـ شعانيني ـ بصخة....)
فذبيحة الصليب كانت للتكفير عن خطايا العالم، ووفاء عدل الله وفاءً أبدياً. أما ذبيحة القداس فتقدم استعطافاً لله عن خطايا الذين قدمت لأجلهم، وبواسطتهم. ولذلك سماها الآباء: "ذبيحة استعطاف"، كما سموها "ذبيحة شكر" و "ذبيحة إلهية". "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو6: 53).
وتؤمن الكنيسة منذ عهد الرسل أن الأفخارستيا "ذبيحة غير دموية"، وأنها فى طبيعتها وجوهرها هى ذبيحة الصليب. تقول تعاليم الرسل: فى كل يوم أحد اجتمعوا معاً واكسروا الخبز وقدموا الشكر بعد أن تكونوا قد اعترفتم بآثامكم حتى ما تصبح ذبيحتكم طاهرة فهذا ما قاله الرب: "فى كل مكان وزمان يُقرب لى بخور وَتقْدمة طاهرة لأن اسمى عظيم بين الأمم" (ملا1: 11).

من بركات التناول:

- غفران الخطايا (مت26: 26-28).
- الثبات فى شخص المسيح، والاتحاد معه (يو6: 56-58).
- الاتحاد بعضنا مع بعض (1كو10: 17).
- يعطى كعربون لقيامتنا للحياة الأبدية الجديدة (يو6: 54).

4- سر التوبة والاعتراف:

يتوجه فيه مرتكب الخطيئة للكاهن ليعترف له بما اقترفه، وليقدم ندامة وتوبة عن خطاياه، هو رجوع الخاطئ إلى الله ومصالحته، حيث يقدم ندامة كاملة عن خطاياه التى ارتكبها، ويعترف بها أمام كاهن الله، فينال الغفران بفعل الروح القدس الذى يستدعيه الكاهن فى صلاة التحليل، والاعتراف لا يكون إلا للقساوسة، على اعتبار أن الكاهن القسيس إنسان أمين على الأسرار الإلهية، لذلك عندما يذهب إليه الخاطئ يرى هل يستحق دم المسيح أم لا؟ فإذا رآه تائباً يستحق دم المسيح يعطيه استحقاقات دم المسيح بواسطة الروح القدس، لذلك يقول فى القداس "يكونون محللين من فمى بروحك القدوس".

وكان الاعتراف كله فى الكنيسة ليتأكد الأب الكاهن من توبة المخطئ، وعزوفه عن ارتكابها ثانية، ثم تراءى بعد ذلك تخفيفا على الناس جعل الاعتراف انفراديا، ولم يثبت على أب كاهن أنه نشر اعترافا لأن ذلك يحتم منعه من قبول سر التوبة والاعتراف، ولا يوجد بتاريخ الكنيسة في مصر حادثة لأب كاهن أفشى اعترافا واجب ستره، وبالتالي لم يتم تجريد أي كاهن من رتبته. 

ونعمة البنوة مسعى مسيحي؛ فالمسيحية تقر بالبنوة الروحية ... المسيح ابن الله بنوة جوهرية أقنومية لا نتيجة تزاوج، بينما نحن كلنا أولاد الله بالتبني وللانتساب له إيمانيا.. والأب الكاهن برتب الكهنوت بنوته روحية بالتلمذة والاحترام والتعليم.

من نتائج سر (التوبة والاعتراف):

- غفران الخطايا: "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" (1يو 1: 9).
- محو الخطية وعدم ذكر الله لها: "قد محوت كغنيم ذنوبك وكسحابة خطاياك" (اش 44: 22).
- التطهير من أدناس الخطية: "أغسلنى كثيراً من إثمى ومن خطيئتى طهرنى" (مز51: 2).
- النجاة من عقوبة الخطية: "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو13: 3).
- الحصول على رتبة النبوة التى فقدناها بالخطية: "كما فى مثل الابن الضال" (لو15: 17-24).
- خلاص النفس فى يوم الرب والحصول على رجاء الحياة الأبدية فى المسيح يسوع: "اليوم حصل خلاص لهذا البيت إذ هو أيضاً ابن إبراهيم" (لو19: 9).

5- سر مسحة المرضى (القنديل) أو سر مسحة الزيت المقدس:

 تتم ممارسة مسحة المرضى بالزيت بعد تقديم المريض توبة واعترافا بخطاياه أمام الكاهن، الذي يزوره في البيت، ثم يصلى الأب الكاهن مع الحضور سبع صلوات، أو سبع أواشي "جمع أوشية تعني طلبة".

المادة المنظورة هنا هي الزيت والماء، توضع ٧ فتايل قطن فى طبق به زيت من أهل البيت، ممكن أن يكون زيت أكل عادى، ومع كل أوشية تضاء واحدة وإبريق ماء وتضاء ٣ شمعات، وبعد الصلاة يرسم الأب الكاهن المريض وكل الحضور 4 رسمات بشكل صليب الرأس ثم الزور ثم اليد اليسرى ثم اليد اليمنى بشكل صليب. هذا ما يحدث الآن فى كل قنديل، ويتم التقديس بحلول الروح القدس على الزيت، ثم يقوم بعد انتهاء الصلوات بدهن المريض من الزيت على شكل صليب فى وجهه لأن الرأس هى مركز كل الحواس ويخص منطقة الزور، وعلى صدر المريض لأن من القلب تخرج أفكار شريرة (مت15: 19) كما أن منه مخارج الحياة (ام4: 23). وعلى يديه لأنهما آلة كل عمل.