الثلاثاء 01 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

حكايا يسوع فى قلب جبل المقطم

الإثنين 26/أكتوبر/2020 - 08:46 م
الهلال اليوم
كتبت : مروة أحمد تصوير : أحمد حامد
طباعة
تستطيع أن تتجول عيناك بين جنبات التاريخ، تشتم رائحته، عبق الحكايا القديمة فى  سطور نُسبت على ألسنة القديسين والسيد المسيح، وكأنك فى جولة داخل الكتاب المقدس، لا تستطيع الوصف ولا تكُف عن النظر، تجتمع فى عقلك العديد من الجمل المرتبة المنمقة ولكنها تخذلك أمامه مشدوهًا، المنظر بهى، والتاريخ يقول كلمته ويتركها مسطرة فى أعالى جبل المقطم وبين الكهوف وفى داخل المغارات.

وبينما تدلف فى شوارع منشية ناصر تلك المنطقة العشوائية التى تقع فى قلب القاهرة تجدها عامرة بالمعالم الأثرية، تلك التى تكسر الصورة النمطية المعتادة عن أشهر منطقة يتمركز فيها الحرفيين وأصحاب الحرف الصغيرة، فتجد مسجد السلطان قايتباي الذى يقع بشارع السوق فى منطقة قايتباى التابعة لمنشية ناصر  وقبة قراقجا الحسنى وتعرف بـ (قبة السادات الشناهره)  و جبانة المماليك الشرقية

وقبة الكلشنى التى تقع بقرافة المماليك بشارع درب الساقية وكذلك قبة قرقماس بشارع قبة الأشراف بقرافة المماليك الشرقية بالقرب من مسجد الأشراف برسباى، قبة أزرمك بشارع العفيفي فى صحراء المماليك الشرقية وقبة الخديو توفيق التى تقع فى مدافن العفيفي بطريق الأوتوستراد، وغيرها من المعالم الأثرية القديمة، ولكن الأمر لم يتوقف على البنايات التاريخية فمازال أهل المنطقة يتشبعون بالفن.

أثناء سيرى فى شوارعها وقعت عيناى على عبارة الله محبة على أحد حوائط بيوتها، وتطلعت عينى إلى شرفاتها فوجدت السيد المسيح بطلاً حاضرًا على جدران بلكونات منشية ناصر، يتجلى فى ألوان زاهية وتكوينات فنية ملهمة حتى لا تسطيع أن تفرق من هو القائم بهذا العمل الحرفى المبدع المحب لدينه أم فنان مخضرم، فتجد الصليب مرسومًا بألوان زاهية تارة ومحفورًا وكأنه قطعة من البناء وهنا يتضافر الوازع الدينى والحس الفنى لدى المصرى الذى يرسم طائرات وعبارات حج مبرور وذنب مغفور، وكلمة الله أكبر التى تتوسط الأبينة، وبين البلكونات التى تتزين بصور المسيح والقديسين لتصبح تلك التفاصيل الصغيرة تحمل ملامح المصرى البسيط الذى ينتمى إلى فطرته.

 وعندما تصل إلى حى الزبالين يصطحبك أحدهم إلى مغارة تقع أعلى الحى بجبل  المقطم لتتلمس جماليات الثنائيات المتضادة التى جمعت بين الجمال وقبُح العشوائية وأكوام القمامة المتراصة فى كل مكان، فيخرج من قلب كل ذلك، دير سمعان الخراز أحد قديسي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذاك الدير منحوتًا فى قلب الجبل وكأنه واقف صامد بين الصخور شاهد على تاريخ وحضارة غنية بأحداثها التى تلاحقت عبر السنون.

يُعرف دير سمعان الخراز أو الدباغ وذلك لأنه كان يمتهن حرفة صناعة الأحذية ودباغة الجلود، ويطلق البعض أيضًا عليه كنيسة الكهف لأنها منحوتة فى إحدى كهوف جبل المقطم، تلك التحفة المعمارية التى تتناغم مع الطبيعة وتتآلف معها وكأن سطور التاريخ قد تجمعت كلها فى جسدٍ واحٍد لا ينفصلان عن بعضهما البعض، بل يتحدان ويتشابكان، يحملا معًا معجزات يسوع وجولاته وصولاته، نصائحه وتعاليمه السامية محفورة فى الصخور.

 يضم دير سمعان الخراز كنيسة الأنبا شنودة، كنيسة الأنبا برام بن زرع سرياني، كنيسة الملاك وماري وحنا، كنيسة الأنبا بولا والأنبا أنطونيوس، كنيسة مارى مرقص، كاتدرائية العذراء والقديس سمعان، يتسع الدير لآلاف الزائرين، وقاعة القديس سمعان الخراز التى تتسع لألفين شخص، بدأ بناء الدير فى سبعينيات القرن الماضى بأياد وسواعد أبناء حى الزبالين حيث قاموا بنقل ما يقرب من 2 مليون ونصف المليون حجر من الحجارة اللازمة للبناء، وقد أعطتهم هذه الكنائس أسباب الحياة والاستقرار، فبعد أن كانوا يعيشون فى أخواخًا وبيوتًا من القصدير بدأوا فى استخدام الطوب والأحجار لبناء بيوتهم إيذانًا منهم بالاستقرار، وقد بنى الدير على مساحة تخطت الألف متر، حيث تم بناء أول كنيسة فى عام 1975 م. 

 وربما هذا المعمار الأنيق مستلهم من العمارة اليونانية القديمة أو الرومانية، حيث ترى هذا المكان الفسيح وتتخيل أنك فى أحد ملاعب روما القديمة وترى أحد المشاهد الأخيرة من فيلم المصارع حيث النزال بين ماكسيموس وكودموس، ويحكى الدير لنا قصة نقل جبل المقطم، والتى دارت أحداثها فى عصر المعز لدين الله الفاطمى وكان معروفًا بحب العلم وسعة الأفق وتقبل النقاش والجدال فقد كان يعقد مجالس العلم ويفتح أبوابه للعلماء والأدباء والشعراء .

وعلى إثر ذلك كان وزيره اليهودى الأصل يعقوب بن كلس يعرف بكرهه للمسيحية فذهب إلى الخليفة الفاطمى وعرض عليه تلك الآية التى تقول "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم". (مت 20:17) .

أُعجب الخليفة بما قاله وزيره وخاصة أن كان يريد أن يتخلص من الجبل القائم شرق القاهرة، وخاصة أنه إذا فشل المسيحيون فى إثبات الآية الإنجيلية ستكون دليلاً واضحًا على عدم صحة المسيحية، بعث المعز للبطريرك يعلمه بطلبه مهدداً إياه إذا فشل بعواقب وخيمة ومنحه مهلة ثلاثة أيام لتنفيذ ذلك. قامت الكنيسة كلها في البلاد خلال تلك الفترة بالصوم والصلاة ومع ظهور مريم العذراء للبطريرك في صباح اليوم الثالث، أخبرته بأن يخرج ليرى رجلاً يحمل جرة تتحقق من خلاله المعجزة، وعند تنفيذه لوصية العذراء وجد سمعان الخراز فكلمه بما حدث وطلب الخراز من البطريرك أن يبقى بين الشعب في اليوم المقرر لنقل الجبل ومن هناك سوف يقوم بالصلاة بينما يقوم البطريرك برسم علامة الصليب، وتم ذلك كما   حدثت اهتزازة قوية جعلت الجيل يتحرك حتى أن الشمس ظهرت من تحته.  

ونجد داخل الدير وخارجه منحوتات قام عليها النحات البولندى ماريو دبيتش الذى جاء إلى مصر فى أواخر التسعينيات، وقام بسرد حكايات الإنجيل فى ما يقرب من ثمانين عملاً فنيًا منحوتًا فى قلب الصخور وذلك على مدار عقدين من الزمان حيث كان هدفه أن يقدم رسالة فنية للتواصل بين الناس من خلال تعاليم الكتاب المقدس وتستطيع أن ترى أثناء تجوالك بالدير إحدى منحوتاته فيها القديس سمعان يفقأ عينيه لانسياقه وراء شهواته وكأن عقدة أوديب تتجلى أمامنا من جديد.

وتأتى قصة فقأ عينيه بسبب مرور امرأة إلى دكانه ذات يوم لتصلح حذائها وبينما كانت تقوم بخلعه وقعت عينا سمعان على ساقها فاشتهاها، فقام بقلع عينه لينفذ بذلك إحدى وصايا المسيح التي يقول فيها: "إن كانت عينك اليُمنى تعثرك، فأقلعها، وألقها عنك.. لأنه خيرٌ لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يُلقى جسدك كله في جهنم" (متى 28:5 - 29)، والتى قام ماريو بنحت تلك الوصية أسفل أيقوناته المنحوتة، ويسطر ماريو رحلة القديس بطرس والسيد المسيح فى إحدى منحوتاته وحفر أسفله وصيته التى تقول "وقَبلَ الفَجرِ، جاءَ يَسوعُ إلى تلاميذِهِ ماشياً على البَحرِ.   فلمّا رآهُ التّلاميّذُ ماشياً على البَحرِ ارتَعبوا وقالوا: هذا شَبَحٌ وصَرَخوا مِن شِدّةِ الخَوفِ، فقالَ لهُم يَسوعُ في الحالِ: تَشجّعوا، أنا هوَ، لا تخافوا! فقالَ لَه بُطرُسُ: إن كُنتَ أنتَ هوَ، يا سيّدُ، فَمُرني أن أجيءَ إلَيكَ على الماءِ.  فأجابَهُ يَسوعُ: تعالَ.  فنَزَلَ بُطرُسُ مِنَ القارِبِ ومشَى على الماءِ نحوَ يَسوعَ.  ولكنّهُ خافَ عِندَما رأى الرّيحَ شديدةً فأخّذَ يَغرَقُ، فَصرَخ: نَجّني، يا سيّدُ! فمَدّ يَسوعُ يدَهُ في الحالِ وأمسكَهُ وقالَ لَه: يا قليلَ الإيمانِ، لِماذا شكَكتَ؟ ولمّا صَعِدا إلى القارِبِ هَدأَتِ الرّيحُ" (متى 14: 25 – 32)، وغيرها الكثير من تعاليم الكتاب المقدس التى سطرها الفنان ماريو فى قلب الصخور لذا فإننا نستطيع القول أن معجزات يسوع وجدت مكانها فى قلب جبل المقطم لتكون محط أنظار السياح، ويصبح دير سمعان الخراز جوهرة فنية ومعمارية بين جنبات الكهوف صخورها.