الأحد 06 ديسمبر 2020 الموافق 21 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

أحمد مجدي همام يكتب: كيف جعل «هيمنجواي» البحرَ هجينًا من الذكر والأنثى؟

الثلاثاء 27/أكتوبر/2020 - 03:20 ص
الهلال اليوم
طباعة
للبحر، بكل تجلياته، وجهان، أحدهما يبرز ذلك الملعب الأزرق المفتوح بوصفه فضاءً للموت والضياع، في حين يظهر الوجهُ الآخر البحر كجهة مانحة للخير وأسباب الحياة. ويمكن هنا أن نضرب مثالًا على ذلك بظاهرة مثل "دوار البحر" الذي يمكن تناوله بشكل واقعي على أنه داء مؤقت يحدث نتيجة وصول معلومات متضاربة للمخ، فمن جهة تخبره العين بأمور فيما يستقبل إشارات أخرى متضاربة من الأذن والجهاز الدهليزي المسئول عن التوازن. وعلى جانب آخر يمكن تناول دوار البحر كمسبب للابتهاج والانتشاء كما قدمه فيتكور هوجو (1802 – 1885) في العديد من الأعمال التي كتبها أثناء إقامته في منفاه بعيدًا عن فرنسا وأهمها، "عمّال البحر".

الكاتب الأمريكي الأشهر إرنست هيمنجواي (1899 – 1961) يقدّم مقاربة ثالثة للبحر في رائعته الخالدة "العجوز والبحر" أو "الشيخ والبحر". وهي المقاربة التي تقف في منتصف المسافة بين الطرحين السابقين، فالبحر في "الشيخ والبحر" يقتل كما يحيي ويسلب كما يمنح، وينضح بالحياة مثلما هو في نفس الوقت صحراء مائية شاسعة يصعب أن تلتقي فيها – بالذات كلما أوغلت - إنسانًا إلا بالصدفة.
 يرد وصف البحر على لسان الصياد العجوز سنتياجو صـ 26 على النحو التالي: "إن المحيط كريم وجميل جدًا، ولكن في مقدوره أن يغدو قاسيًا جدًا وأن يرتفع بصورة مفاجئة (...) كان يفكر دائمًا في البحر بوصفه la mar (بالمؤنث) كما يدعوه الناس باللغة الإسبانية عندما يحبونه. وأحيانًا يتفوّه أولئك الذين يعشقون البحر بأشياء سيئة عنه، ولكنهم كانوا دائمًا يقولون تلك الأشياء كما لو كان البحر امرأة. وكان بعض الصيادين الأصغر سنًا، أولئك الذين كانوا يستعملون الطوّافات لتعويم خيوطهم، ولديهم قوارب بخارية اشتروها عندما كان كبد سمك القرش يدرّ عليهم الدخل الوفير، يدعون البحر el mar بالمذكّر، كانوا يتحدثون عن البحر بوصفه منافسًا، أو مكانًا، أو حتى عدوًا. ولكن الشيخ كان دائمًا يعتبر البحر بمثابة امرأة تمنّ أحيانًا بعطايا عظيمة، أو تبخل بها في أحيانٍ أخرى، وإذا ما فعلت أشياء شريرة وغريبة فلأنها لم يكن في وسعها أن تفعل غير ذلك. فالقمر يؤثر في البحر كما يؤثر في المرأة، هكذا فكّر الشيخ في نفسه". (ترجمة علي القاسمي – منشورات المن).

المحيط كفضاء مكاني

وهذا الصياد المسن نفسه الذي يؤمن بأن البحر امرأة، رأى وجهي البحر في رحلته التي خاضها منفردًا لصيد تلك السمكة الكبيرة التي يفوق حجمها حجم قاربه القديم. لقد انشغل بتفاصيل ذلك البحر وبرع هيمنجواي في جعل البحر مسرحًا لقصته، رجل وحيد في المحيط. هكذا يتحول المركب بكل مفرداته إلى ديكور، الشراع والحبال والمجدافين وعدّة الصيد من صنارة وشص وطُعم ورمح وهراوة لضرب الأسماك على رؤوسها وغيرها من المفردات. لقد تمكن هيمنجواي من تقديم أدق التفاصيل في هذا الملف: "بماذا ينشغل رجل وحيد في عرض البحر لمدة ثلاثة أيام؟" حتى أنه جعل للعجوز سنتياجو علاقة جيدة بيده اليمنى القوية، مقارنة باليسرى الأقل قوة، وأفرد هيمنجواي لذلك (بروفايل) لليد اليمنى وسيرتها المجيدة في الصيد ومصارعة اليدين. وغاص أكثر في تلك التفاصيل ليمنح نصه مستوى من الإقناع المبطّن بالبلاغة، فأنشأ علاقة بين الصياد العجوز وطير ضال وقف على مركبه ليستريح من الطيران فوق المياه المفتوحة، وبالمثل نشأت علاقة بينه وبين سمكته الأثيرة، علاقة غريبة تحمل النقيضين فهو يصفها من جهة بأنها أخته على هذا الكوكب، لكنه في المقابل يصر على اصطيادها لإطعام الناس ولجني بعض الأموال التي ستمكّنه من الصرف على نفسه.

استطاع إرنست هيمنجواي أن يقدم وجهي البحر، الأنثى والذكر، المعجزات والأمل مقابل اليأس والحرمان. لأن سنتياجو خلال رحلته حقق معجزته الكبرى واصطاد بمركب صغير وأدوات بسيطة تلك السمكة التي يصل طولها من الرأس حتى الذيل 18 قدمًا، لكنه في المقابل لم يرجع بها أبدًا إلى ميناء الصيادين، لأنه لم يستطع حملها على ظهر المركب الصغير فربطها ببطن القارب وأبحر بها إلى الميناء، لكن أسماك القرش فتكت بها قبل أن يصل، ليلة كاملة قضاها سنتياجو في (التنافس) مع أسماك القرش التي انتصرت في النهاية بسبب كثرتها. هكذا كان البحر في "الشيخ والبحر" امرأة تمنحك بعض العطايا العظيمة، وفي الوقت نفسه رجل أو عدو ينافسك على تلك الهبة. 

لغة البحر وتقنياته

استخدم إرنست هيمنجواي تقنيات السرد ببراعة جرّاح، ووظّف منها كل ما يخدم نصًا تدور معظم أحداثه في عرض المحيط وبحضرة رجل واحد، فبات المونولوج أو الحوار في أغلب صفحات الرواية دائرًا بين الشيخ سنتياجو ويديه أو المجدافين أو طير عابر أو حتى تلك السمكة التي يصطادها وأسماك القرش التي أرادت أن تنهش غنيمته، وفي أحيانٍ كثيرة وجّه سنتياجو حواره وصوته المسموع إلى الله. وبالتوازي مع ذلك، لا تكاد تخلو جملة نطق بها الصياد، من تعقيب داخلي (مونولوج) يتردد في رأسه. شبكة طويلة من الديالوجات المتبوعة بمنولوجات أطول بعض الشيء من الجمل التي قد يقولها رجل وحيد لنفسه بصوت مسموع. رسمت تلك الطريقة شخصية العجوز الطيب وسمحت بكشف دواخله في ظل حضور راوي يسرد الأحداث بضمير الـ"هو".

وبالمثل كان توظيف هيمنجواي لمستويات اللغة، فجاءت مساحات كبيرة من السرد بشكل تقريري، لغة محايدة تترجم المشاهد البصرية إلى كلمات، لا سيما وأن النص مليء بالحركة خاصة في لحظات الاصطياد واقتراب السمكة من سطح الماء. أما الحوار فجاءت لغته شعرية، لغة عقل وحيل يخاطب كائنات الله في فضاء المحيط الشاسع، يعاتب يديه، وينصح طيور البحر ويدردش مع الأسماك.

هكذا قدّم إرنست هيمنجواي البحر، وهكذا كانت روايته البحرية، فريدة، واستثنائية، وقطعة خالدة في تاريخ الأدب الأمريكي بل والأدب بشكل عام.

نشر المقال بالتعاون مع مجلة عالم الكتاب - عدد 47 - أغسطس 2020