الأحد 06 ديسمبر 2020 الموافق 21 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
أحمد أيوب
أحمد أيوب

قطر.. شعب معتقل!

الأربعاء 28/أكتوبر/2020 - 01:13 م
طباعة

عندما يواجه الشعب حاكمًا فاسدًا ومستبدًا، أو تابعًا أو عميلًا يضيِّع ثروات شعبه ويقهره يكون الغضب، وهكذا قدم لنا التاريخ مئات النماذج لشعوب انتفضت وثارت كى تتخلص من نظام حاكم لا يحقق الاستقلال الوطنى، أو لا يحمى حقوق وحريات شعبه، أو يفسد فى إدارة البلاد، وكل هذا وأكثر منه موجود فى قطر وبصور متعددة تجعل الشعب القطرى أشبه بشعب معتقل رهن إرادة الأمير، ففى إمارة الخوف، قطر سابقاً، يوجد دستور يقمع كل الحريات ويخنق الحقوق ويجعل المواطن مستعبدا عند حاكم مستبد وقوانين تكمم الأفواه وتقهر إرادة الشعب وتحرمه من أبسط حقوقه وبشكل لا مثيل له فى العالم، فليس من حق المواطن القطرى أن يعترض أو يبدى رأيه أو يعبر عن نفسه، حتى الأنفاس محسوبة عليه، لا اعتراض ولا اجتماع ولا مجرد التفكير فى التظاهر ولو كان سلميا، لا مجال للمواطن أن يكون شريكا فى قرار، ولا يؤخذ رأيه فى قانون حتى ولو يخصه.

التجمعات نفسها محظورة بحكم القانون إلا بتصريح من وزير الداخلية وإن وافق فبحضور الشرطة، وطالما تجاوز العدد عشرين شخصا أو توقعت السلطات أنه سيزيد، فمن حقها أن تفرض ما تريد من قيود، لا فارق بين أن يكون هذا التجمع أسريا أو مهنيا، ولا فارق بين أن يكون فى البيت أو مكان عام فكله محظور إلا بإذن ومجرد عدم الرد نفسه يعنى الرفض، العبودية نفسها فى قطر ممكنة لأن الدستور لم يحرمها أو يجرمها والاستغلال القسرى لأى مواطن متاح لأنه لا يوجد فى دستور الإمارة أو قوانينها ما يمنعه.

ليس من حق المواطنين أن يشكلوا أحزابا أو نقابات مهنية أو عمالية مثل بقية خلق الله فى كل العالم، وليس من حق أى مواطن تعرض لتعذيب أو قهر أن يشكو لأنه ليس هناك ما يمنحه هذا الحق أو يحميه من التعذيب ليس من حق أى مواطن أو مواطنة قطرية أن يشكو من التمييز الذى تمارسه السلطة ضدهم، سواء العمالة الأجنبية المقهورة أو القطريين الأقرب إلى محتجزين فى سجن كبير أو القطريات المحرومات من منح الجنسية لأبنائهن.

كل هؤلاء مطلوب منهم الصمت وإلا فالعقاب قاسٍ وشديد وانتقامى، الحاكم فقط هو من يملك أن يفعل كل شىء، يحدد مصير الحكومة بلا شريك ويصدر قرارات إعلان الحرب بلا منازع ويصدر الأحكام العرفية بلا مناقش ويعقد الاتفاقات الدولية بلا ضوابط وينفق أموال الشعب بلا رابط أو ضابط أو حسيب لأن صلاحياته مطلقة بالدستور وهى الوحيدة التى لا يجوز تعديلها أو المساس بها، فالحاكم بالدستور لا شريك له فى حكم البلاد واستعباد العباد وفرض ما يريد من قرارات.

هذا ليس وصفا لدولة من القرن الخامس عشر، بل إمارة فى القرن الواحد وعشرين اسمها قطر يحكمها أمير له من السلطات ما يجعله أقرب إلى مندوب الإله على الأرض المفوض فى كل شىء دون محاسب، لا الشعب يملك تجاهه شيئا ولا فى الإمارة سلطات تواجهه أو تحقق التوازن معه، حتى مجلس الشيوخ الذى يتباهون به ويتم بالتعيين لا صلاحيات له ولا قيمة فهو مجلس شكلى للتجميل فقط لكنه لا يملك أن يحاسب الحكومة أو يراجع موازنة أو يفتح ملفا لا يريده الأمير بل إن مجلس الشورى نفسه لا يملك من أمر نفسه شيئا لأنه ملك للأمير.

ليس هذا فحسب بل إن ثروات الشعب القطرى التى من المفترض أنها تنفق لصالحه ومن أجل رفاهيته تتحول إلى خزائن تفتح بأمر الأمير لدعم الميليشيات الإرهابية وتمويل التنظيمات المتطرفة وإشعال الحروب فى دول أخرى

أموال الشعب القطرى تنفق بعشرات المليارات فى مخططات تجعل هذا الشعب مكروهًا فى أى مكان فى العالم لأنه متهم دائمًا بالانتماء لإمارة تدعم الإرهاب وتمول مخططات إشعال الفتن وإسقاط الدول.

ولا يملك أى مواطن قطرى مهما كان مركزه أو ثقله حتى مجرد أن يسأل ما فائدة هذا لقطر وشعبها وما أهمية أن تدعم قطر الإرهاب وتمول جماعات التكفير والخراب.

لا يملك كاتب صحفى أو إعلامى أن يناقش هذا الأمر من قريب أو بعيد وإلا كان مصيره الحبس الذى لا يوجد فى الدستور أو القانون القطرى ما يمنعه، فحبس الصحفيين والإعلاميين متاح بالدستور الذى لا يعترف سوى بما يحمى الأمير والنظام الحاكم ويضمن استبداده بل إن اعتقال أى معارض متاح فى أى وقت، وكم من معارضين، وبعضهم من الأسرة الحاكمة أصبحوا نزلاء السجون لمجرد أنهم عارضوا الأمير تميم ومن قبله.

وقانون العقوبات القطرى نفسه يتضمن عقوبات قاسية لمنع الشعب من التعامل مع أى وسائل إعلام خارجية أو المساس بأى شكل من الأشكال بالأمير أو نائبه أو ولى العهد، وحتى يكون الباب مفتوحا للانتقام من أى شخص يريدون التنكيل به، فكل العبارات فى هذه المواد فضفاضة تجعل السيف مسلطا على رقاب الجميع والتعسف متاحا فى أى وقت وبالقانون المفصل خصيصاً لهذا الغرض ولا تراه الجزيرة بل تتعامى عنه بالأمر.

والسؤال الآن: لم يتحمل الشعب القطرى كل هذا الاستبداد الذى يصل إلى درجة الاستعباد؟

لماذا يلتزم القطريون الصمت رغم أن هذا الوضع لا يتحمله أى إنسان على وجه الأرض؟

الإجابة المتاحة هى القهر والخوف الذى يسيطر على الجميع من انتقام النظام الحاكم وأجهزته وهراواته التى تطارد كل من يحاول أن يكون له صوت أو يفكر فى إعلان رأيه أو يعبر عن غضبه، والسجون المفتوحة والجاهزة لاستقبال أى شخص يظهر نوعًا من المعارضة أو الرفض أو حتى يتفوه بما لا يقبله الأمير أو حاشيته.

والدستور يمنح النظام وأجهزته أن يفعلوا ما يريدون دون حساب أو عقاب، فلا مجال هناك للحديث عن حقوق إنسان أو ضمانات محاكمة عادلة أو حماية المواطن من تعسف السلطة، كل هذه مجرد شعارات لا يسمعها المواطن القطرى إلا فى فضائية الجزيرة وهى تمارس دورها المرسوم لها فى تحريض الشعوب على دولهم وحكوماتهم بحجة الديمقراطية والحرية لكن على أرض الواقع فى قطر لا وجود لكل هذا، فقطر تسير عكس كل هذا تمامًا والجزيرة لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم فالمواطن القطرى، وبالطبع الأجنبى المقيم هناك، مقهور رغم أنفه، ولا مساحة لديه لممارسة أى حق إلا بتصريح وإذا تجرأ فالعاقبة غير مضمونة والمصير معروف فى السجون والمحاكمات الخاصة، سجون قطر تضج بأكثر من ٣ آلاف معتقل لمجرد أنهم عارضوا النظام، والأخطر أنهم يتعرضون داخل تلك السجون إلى كل أنواع التنكيل والتعذيب.

حقوقيون ومعارضون قطريون عندما ساعدتهم الظروف وأفلتوا من تلك السجون كشفوا الكوارث التى تحدث داخل تلك السجون وطرق التعذيب المبتكرة التى تمارس ضد كل المساجين، من جلد، ومنع طعام والحجز فى غرف خانقة، إضافة إلى السجون الموجودة تحت الأرض والتى انتهت فى العالم كله تقريبا إلا فى قطر. فالنظام الحاكم فى قطر لا يعترف بحريات ولا حقوق.. وإنما يعمل فقط بمبدأ الجبرتحت بند فضفاض اسمه «تهديد المصلحة العامة» والذى بسببه ينكِّل النظام بكل من يخرج عن طوعه أو يفكر فى ذلك.

والأمثلة عديدة من سياسيين وحقوقيين فشاعر كتب قصيدة كان مصيره السجن، وحقوقى اسمه نجيب النعيمى تحدث عن الحريات فكان القرار بمنعه من السفر واحتجازه داخل قطر، ولا يملك أحد أن يدافع عنه أو يطالب بالصفح عنه؛ لأن القانون القطرى أصلا يحرِّم تأسيس منظمات حقوقية ويضيِّق الخناق على الجميع فى كل الممارسات التى ترتبط بهذا الأمر.

بالتأكيد هذا المناخ يخلق حالة من الرعب تسيطر على الجميع، خاصة أن قطر إمارة محمية من تقارير المنظمات الدولية التى تدفع لها وتمولها كى تضمن ولاءها فلا تهاجمها وفى الوقت نفسه تطلق تقاريرها وفق ما تريده قطر مثل هيومان رايتس ومنظمة العفو الدولية وغيرهما. فرغم أن كل ما يحدث فى تلك الإمارة القزمية يجعل الغضب الشعبى واضحاً وعنيفاً ضد هذا النظام المستبد العميل بعد أن وصلت الأوضاع إلى ما لا يحتمل حسب ما يؤكده القطريون أنفسهم، إلا أن الخوف هو عنوان الإمارة المتآمرة، يسيطر ويكتم الأنفاس ويجعل الجميع مرعوبين من المصير المحتوم إن غضبوا لحقوقهم، لكن المؤكد حسب القطريين أنفسهم أن هذا الخوف الذى لن يطول كثيرا خاصة أن التضييق زاد عن حده والخنق للحريات وصل إلى درجة لم يعد متوقعا أن يستمر معها الصمت والصبر طويلا، هكذا يؤكد أغلب القطريين الذين يعانون من القمع، فالواقع داخل الإمارة أقرب إلى بركان هائج تحت الأرض القطرية يقترب من الانفجار والسجن الكبير ربما يتحول قريباً إلى باب يفتح طريق التغيير أمام الشعب القطرى لاستعادة دولته المخطوفة.