الأربعاء 02 ديسمبر 2020 الموافق 17 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
حلمي النمنم
حلمي النمنم

محمد مرسى.. وجه العمالة القبيح

الخميس 29/أكتوبر/2020 - 10:06 ص
طباعة

تضع «إيميلات» وزيرة الخارجية الأمريكية فى إدارة أوباما هيلاري كلينتون الكثير من النقاط على الحروف وتقطع الشك باليقين فى قضية العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية والإدارة، ما كنا نلاحظه ونرصده أن ارتباط الجماعة وإدارة أوباما بات مؤكدًا وموثقًا الآن وأنها كجماعة اختارت أن تكون أداة للإدارة الأمريكية فى إحداث الفوضى بمصر وغيرها من بلاد المنطقة، كانت العلاقة وظيفية بينهما، الإدارة تحملهم إلى الحكم الذى حلموا به منذ سنة ١٩٢٨، وهم يسلمون لها المنطقة على طبق من فضة.

غير أن معظم المنصات الإعلامية عندنا تعاملت مع تلك الإيميلات باعتبارها تسريبات، وواقع الحال أنها وثائق كاملة، بالمعنى العلمي والأرشيفي لكلمة الوثيقة، التسريبات شيء مختلف تمامًا، عادة تكون التسريبات، جملة أو عدة جمل وربما مشهدا مقتطعا من سياقه بهدف المكايدة السياسية وأحيانًا تعرية الخصوم وتجريسهم وربما تصفيتهم معنويًا وحتى جسديًا، وقد يكون الهدف تنظيف وتلميع شخص ما أو غسيل لاسمه وسمعته وتقديمه في موقف البطولة والبطل، وهناك تسريبات سياسية ومخابراتية أحيانًا تكون مقصودة لذاتها، لتنقل رسالة أو معلومة معينة إلى أطراف محددة، كما جرى فى حالة نقل يهود الفلاشا من أثيوبيا إلى إسرائيل عبر السودان زمن الرئيس جعفر خيرى، فقد كان الهدف إضعاف موقف خيرى تمهيدًا لإسقاطه وكان الهدف نقل رسالة إلى البلاد العربية عن قوة جهاز المخابرات الإسرائيلي، وحدث كذلك أيام صفقة «إيران-كونت را» زمن الحرب العراقية – الإيرانية، حيث تلقت إيران أسلحة من إسرائيل عبر بعض المسؤولين فى إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان تلك هي التسريبات وقد شاعت فى عالمنا كله وليس فى بلادنا فقط، وامتدت من السياسة «إلى الصحافة والأدب والثقافة والاقتصاد، وأحيانا إلى العلاقات الخاصة داخل البيوت، والخوض فى الحياة الشخصية وإثارة النميمة، تلك هي التسريبات كما عهدناها وعرفناها، ولكن هل حوالى ٥٠ ألف إيميل كامل تفرج عنهم وزارة الخارجية الأمريكية وتحيلها إلى الاطلاع العام يعد تسريبا، أم أننا إزاء عملية إفراج عن وثائق كاملة، بعضها يتعلق بنا وببلادنا.

وجرت العادة أن مثل هذه الوثائق يفرج عنها بعد ربع قرن من وقوعها أو أكثر من ذلك وربما أقل قليلًا، وتكون متاحة أمام الدارسين والباحثين وفق شروط معينة، لكن هذه الوثائق تكشف بعد فترة وجيزة، بعضها يعود إلى سنة ٢٠١٥، أى قبل خمس سنوات فقط، وهى متاحة على الشبكة العنكبوتية لمن يريد الاطلاع عليها.

الواضح أن هناك إيميلات أخرى، أشد خطورة، تصل فى بعد التقديرات إلى حوالى ٣٠ ألف إيميل لم تسلمها هيلاري كلينتون للخارجية الأمريكية، أو ربما سلمتها ولم يتم الكشف عنها بعد، ربما لأن فيها ما يتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

وقد حاول بعضنا التقليل من أهمية تلك الوثائق، بدعوة أنها لا تقدم جديدا أو أن ما فيها نحن نعرفه ضمنيًا، وهذا صحيح من جانب وخاطئ في جوانب أخرى، ذلك أن السياسات ليست التوجهات العامة فقط، ولكن التفاصيل تكتسب أهمية كبرى، ربما تفوق التوجه العام، ذلك أن جماعة الإخوان تعاملت مع الإدارة الأمريكية، هذا معروف لنا جميعًا، وقد حدث منذ سنة ١٩٥٣، حيث استقبل الرئيس الأمريكي فى مكتبه زوج ابنة حسن البنا، سعيد رمضان عضو مكتب الإرشاد بالجماعة ومسؤولي نشاطها الخارجي، ومن يومها بدأ التنسيق بين الطرفين، كانت الولايات المتحدة تريد توظيف الجماعة فى الحرب على الاتحاد السوفيتي، باعتبار أن الشيوعية تمثل الإلحاد والكفر، وقامت الجماعة بذلك على خير وجه مع الإدارات الأمريكية وصولًا إلى حرب أفغانستان، حيث كانت الجماعة «مقاولي أنفار» تولت إرسال الشباب إلى أفغانستان وجنت من تلك المقاولة عشرات المليارات من الدولارات، فضلًا عن تعميق الارتباط مع الولايات المتحدة، هذا كله معروف ولا تنكره الجماعة، فقط تزعم أنهم هم من وظفوا أمريكا لصالحهم.

وازداد التعاون بينهما بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١، حيث خلصت إدارة بوش الابن إلى أن الجماعة تمثل الإسلام المعتدل فى مواجهة إسلام أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، نحن نعرف أن بن لادن ليس سوى فرع فى شجرة الإخوان، لكن الولايات المتحدة راهنت على العكس، ونجحت الجماعة فى اختراق عدد من مراكز البحث الأمريكية بالرشاوى حينها وتقديم الخدمات طوال الوقت، وكانت الجماعة تقدم نفسها باعتبارها صوتا ديمقراطيا معتدلا مثل الأحزاب المسيحية الديمقراطية فى أوربا، ومساء ٢٩ يناير ٢٠١١ رفع ستار الأمن القومي الأمريكي تقريرًا إلى الرئيس أوباما، ينصح فيه بالاعتماد على الجماعة بديلًا لحسنى مبارك ونظامه، وجاء فى التقرير أن عصام العريان القيادي بالجماعة، قال للمخابرات الأمريكي «لا تحاسبوننا على اسمنا، نحن جماعة علمانية، كل هذا معروف.

لكن التفاصيل تكشف معنى وحدود هذا التعامل، هل هى تفاهمات مشتركة ومنافع متبادلة أم أنها تصل إلى حدود العمالة والخيانة الوطنية، أو ما يمكن أن نعتبره كذلك، هذه الإيميلات تؤكد أن الأمر لم يكن مجرد تفاهمات وتبادل مصالح، لكن استخدام يصل إلى حدود العمالة.

جاء فى هذه الإيميلات أن عضو مكتب الإرشاد محمد مرسى، كان يبلغ السفارة الأمريكية بالقاهرة بكل ما يدور فى الاجتماعات التى يحضرها بصفته مع آخرين من القوى السياسية بقادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لم يكن مطلوبًا منه ذلك، كان يفعله تطوعا منه أو تكليفا من السفارة، والحق أن تعاملا بهذا المعنى يقتضى إحاطة واستئذان الخارجية المصرية وعدد من الجهات الأخرى، وهذا يعنى أننا يجب أن نتساءل متى بدأت هذه العلاقة وكيف؟

والحق أن هناك بعض المعلومات فى هذا الصدد، يمكن الإشارة إليها فيما بعد.

من التفاصيل المهمة التي تكشفها الإيميلات «الوثائق» أن محمد مرسى حين صار رئيسًا للجمهورية يحذر الخارجية الأمريكية من أن وصول المعونة الأمريكية سنويًا إلى القوات المسلحة المصرية يقلق جماعة الإخوان ويضعف علاقة الجماعة بالإدارة الأمريكية، هل هذا له معنى سوى أنه تحريض على الجيش المصري وحرمانه من مصدر هام للتسليح والتدريب، المعونة لا يأتي معظمها أموال سائلة، بل فى شكل أسلحة ودورات تدريب.

وتكشف أيضًا اتفاق مرسى مع الإدارة الأمريكية على أن يأتى خبراء أمن أمريكيون يتولون تفكيك منظومة الأمن «وزارة الداخلية» وإعادة تكوينها وفق ما يتراءى لهم..؟

مثل هذه الوقائع وبتلك التفاصيل وذلك التوثيق لم يكن معلومًا للرأى العام، ولذا فإن القول أن مرسى ظل ولاؤه للجماعة ومارس تطويع الدولة للجماعة وليس العكس، هو قول صحيح وكان يريد إضعاف الجيش والشرطة وكان رجل الجماعة فى قصر الاتحادية، ورجل الولايات المتحدة فى الجماعة، ترى ماذا يمكن أن نطلق على كل تلك التصرفات، وهل يستحق من كان على هذا المستوى أن يظل رئيسًا للجمهورية؟ السؤال هو كيف صار رئيسًا للجمهورية، رغم كل ذلك؟!

وينبغى القول أنه لدينا بين النخب المصرية والعربية، كتاب وأساتذة جامعة وشخصيات عامة لديهم إعجاب شديد بالنموذج الأمريكى، لا يخفون ذلك ويتمنون أن نصبح مثلهم وأن نحذو حذوهم وينصحون أن لا ندخل فى صدام مع الولايات المتحدة، هذا معروف ونتفهمه، بل نتقبله، أما كتابة تقارير إلى السفارة الأمريكية وإلى المسؤولين فى الإدارة الأمريكية فهذا يدخل فى باب آخر، يعرفه رجال القانون، يطلق عليه العمالة والخيانة.

وثائق المخابرات البريطانية تؤكد أن الجماعة تعاملت معهم منذ صيف سنة ١٩٤١، وكان حسن البنا هو الذى فتح قناة التعامل مع المخابرات البريطانية، ولما سقط هتلر سنة ١٩٤٥ وكشفت الوثائق النازية التى تتعلق بالمنطقة العربية تبين وجود تعامل بين النازى وجماعة حسن البنا أيضًا.

إيميلات هيلارى تقطع أمامنا أن تعاملا شبيها بين الجماعة والولايات المتحدة، وأنه لم يكن تعاملًا سياسيًا كما كان يزعم عصام العريان، وأن الأمر ليس مجرد جلسات تعارف جرت فى مكتب الإرشاد بالمقطم صيف سنة ٢٠١١ بين الرئيس الأمريكي السابق جيمى كارتر والمرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد، فى الأمر خبيء كما يقول العرب، وإيميلات السيدة كلينتون كشفت ذلك الخبيء كنا نشم الرائحة ومنتشرة لكنه الآن بات موثقًا.

الغريب فى أمر تلك الجماعة أنهم يدينون من يدافع عن الحكومة المصرية ومن يساند الدولة المصرية، ويتهمونه بأبشع التهم، أما أن يصل الأمر بهم إلى كتابة تقارير إلى السفارات الأجنبية، فإن ذلك يعد عاديًا لديهم، وهو عندنا أقرب إلى الخيانة.