الأربعاء 02 ديسمبر 2020 الموافق 17 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

«الهلال اليوم» تنشر الفصل الأول من كتاب أحجار على رقعة الأوراسيا

السبت 21/نوفمبر/2020 - 04:55 م
الهلال اليوم
طباعة
تنشر بوابة "الهلال اليوم" الفصل الأول لكتاب "أحجار على رقعة الأوراسيا"، للكاتب عمرو عمار، والصادر عن دار سما للنشر، وجاء فيه:

النظام العالمي الجديد

يعتقد البعض أننا (عائلة روكفلر) جزء من عصابةٍ سرية تعمل ضد المصالح الفضلى للولايات المتحدة، وتصف عائلتي وأنا، بالأممية، وبالتآمر مع الآخرين حول العالم، لبناء هيكلٍ سياسي واقتصادي عالمي متكامل - عالم واحد، إذا كانت هذه هي التهمة، فأنا مذنب، وأنا فخور بذلك.

مذكرات ديفيد روكفلر

الإمبراطورية الكونية

بسقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسميًّا نهاية الحرب الباردة، وبداية (النظام العالمي الجديد) الذي أفصح عنه الرئيس الأمريكي (جورج بوش الأب) عام 1991، كعالم يسوده الوئام والسلام تحت شعارات (الليبرالية الجديدة) وكأنما يستدعي مبادئ تأسيس منظمة التنويريين، وفي حقيقة الأمر لم يكن إعلان بوش سوى عولمة للحرب الباردة، في اتساقٍ كامل مع الثورة العالمية لآدم وايسهاوبت التي أفصحنا عنها في الجزء الأول من هذا المؤلف.

 أي أن واشنطن خدعت العالم برواية انتهاء الحرب الباردة، وإحلال السلام، للتستر على نواياها الحقيقية الخاصة بعولمة هذه الحرب، بهدف ضمان هيمنة القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية على رقعة الأوراسيا، وبعبارةٍ أخرى كما قال (جورج واشنطن): «الانفتاح في كل الاتجاهات، والسريان في عروق الكرة الأرضية، الشيء الذي سيسمح للولايات المتحدة، التوسع بمصالحها الاقتصادية».

 ولهذا ظل المسار الأيديولوجي التاريخي لشعب الله المختار، تلك الأمة المشمولة بالعناية الإلهية، يسير وفق مبدأ (المصير المحتوم).. تلك العقيدة القدرية التي تفلسف السياسة الخارجية الأمريكية في حقبة ما بعد السوفيتية، فالولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة القدرية التي يجب أن لا تخضع للقوانين الوضعية أو القانون الدولي، وكما نجحت في نشر مذهبها، ونظام فيدراليتها، على أراضي الأمريكتين، فقد حان الوقت بمشيئة الله أن تنشر مذهبها ونظام فيدراليتها على العالم أجمع، ما بعد السوفيتية.

تلك الأيديولوجية التي حملت بذرة المغالاة القادمة داخل حقائب طلائع المهاجرين وموجاتهم المتلاحقة من إنجلترا وهولاندا وغيرها من دول أوروبا المنكوبة، جراء حرب الثلاثين عامًا، إلى الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية، وفقًا لتعاليم الكالفينية التي تقول:

«إذا سمح الله أن يجتمع في الأرض الأمريكية شعب من رجال ونساء اختيروا من قبل الله، ذلك لأنه مناط به حكم العالم ذات يوم».

أي تطبيق نموذج الإمبراطورية الكونية لأتباع جون كالفن، وآدم وايسهاوبت، والآباء المؤسسين، تحت مسمى (النظام العالمي الجديد) بعد أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأولى والأوحد في عالم أحادي القطبية، ويجب الآن على جميع الدول والشعوب الانصياع لليانكي الأمريكي.

انصياع عبر عنه الأديب والفيلسوف الأمريكي (هرمان ملفيل) في القرن التاسع عشر قائلًا:

«نحن الأمريكيون شعب مختار متميزون... نحن إسرائيل زماننا... نحن نحمل سفينة نوح الخاصة بالحريات العالمية المشتركة... لقد خص الله شعبنا بالقضايا الكبرى، والبشرية تنتظرها منا... القضايا الكبرى تعيش في نفوسنا، وبقية الشعوب ستسير خلفنا عما قريب... نحن رواد البشرية، طليعتها التي بعثت كي تعبر الصحراء إلى حيث لم تطأ الأرض قدم إنسان»(1).

كلمات (هرمان) تدل على محاكاة واضحة لـ (سفر التكوين) في العهد القديم، وتعبر عن العقيدة البوريتانية ومرجعيتها من التلمود، وتعكس الأسس النظرية للهيمنة والإمبريالية الأمريكية.

وعلى هذا وبنفس آليات وديناميكيات خطط تحلل أيديولوجية الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة، شرعت أمريكا في تنفيذ هذه الخطط ما بعد انهيار جدار برلين، وعلى جميع الجبهات التي واجهت عليها الاتحاد السوفيتي؛ الجبهة الثقافية (حرب أفكار) - الجبهة العسكرية (غزو عابر للحدود) - الجبهة الاقتصادية (اقتصاد السوق الحرة) - الجبهة السياسية (تغير الأنظمة الحاكمة).

وهذه المرة ليست فقط على مساحة دول الاتحاد السوفيتي القديم، إذ امتدت المعارك القدرية وفق العقيدة البوريتانية، لتطال مختلف دول العالم تحت شعارات ومفردات لغوية ديمقراطية صنعتها مراكز أوعية الفكر الأمريكية، وروجت لها الآلة الإعلامية الكوربوقراطية، والهدف هو التأكيد على القرن الأمريكي، أو باكس أمريكانا.

هذا ما دفع بوش الأب، الإعلان عن ميلاد نظامٍ عالميٍّ جديد عام 1991؛ أي نظام الكونية، أو نمط الحياة الأمريكية الذي يسود العالم بأسره، واتساقًا مع هذا النظام تم الإعلان عن تأسيس (منظمة التجارة العالمية) عام 1995، كسلطةٍ ثالثة بجوار سلطة صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

وإن بدت هذه المنظمة وكأنها امتداد طبيعي لقوانين اتفاقية الجات العالمية، المنظمة لحرية التجارة العالمية، فإنه وفي حقيقة الأمر، تم صياغة برامج هذه المنظمة، بغرض فرض قوانين تجبر حكومات العالم، لا على الانصياع إلى قوانين السوق الحرة فحسب، إذ فرضت على هذه الحكومات  إطلاق الحريات الثقافية؛ أي حرية الإنسان في أي مكانٍ من العالم، أن يحدد لون وشكل الثقافة التي يمارسها ويقتنع بها، بدون رقابةٍ أو محظورات أو ضوابط حكومية عليه، ويمكن القول أن منظمة التجارة العالمية في ثوبها هذا، كانت امتدادًا طبيعيًّا، أو إعادة استنساخٍ لرواية الحرب الباردة الثقافية مع الكتلة الشيوعية.

هذه المرة اللعبة تختلف، فالمستهدف كان شعوب العالم بأسره، الأمر جعل دولة عريقة مثل فرنسا تتحفظ على هذا الجانب داخل المنظمة، حفاظًا على الشخصية الفرنسية من الذوبان والتحلل في الثقافة الأمريكية، مثلما حدث مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تمزقت بين حكومتي احتلال؛ الأولى هي الاتحاد السوفيتي في ألمانيا الشرقية، والثانية كانت الولايات المتحدة الأمريكية في ألمانيا الغربية.. آنذاك تحولت الأراضي الألمانية إلى مسرح عمليات تسدد فيه كلا الحكومتين ضرباتها على الجبهات الثقافية، من أجل فرض الهيمنة والنفوذ، إلى أن ذاب الشعب الألماني في الثقافة الأمريكية، ومن بعده العديد من شعوب دول العالم، حتى كانت الهيمنة الثقافية الأمريكية على عالمٍ أحادي القطبية.

إذًا بعد انهيار جدار برلين وسقوط الشيوعية، بدأت واشنطن في إعادة ترتيب العالم بمفهوم نموذج الكونية، وبسيطرة التوتاليتارية الأمريكية على جميع مناحي الحياة على كوكب الأرض (عسكريًّا - سياسيًّا - اقتصاديًّا - ثقافيًّا) تحت راية العولمة.

وعكفت مراكز أوعية الفكر، وأقلام الفلاسفة من اليمين المتطرف التابع للكوربوقراطية، على تقديم الجانب الفلسفي للهيمنة في اتجاهاتها السياسية والاقتصادية والثقافية، إلى إدارات البيت الأبيض المتعاقبة، كما عكف المحافظون الجدد على تقديم مشروع القرن الأمريكي، الذي يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة العسكرية لقرنٍ جديد.. وقد أوردنا جميع هذه التفاصيل في الجزء الأول من المؤلف.

 

نهاية التاريخ وبداية الإنسان تفلسف الهيمنة الاقتصادية

بعد تحلل الاتحاد السوفيتي، هللت الأبواق الإعلامية، والدعائية المتأمركة، لانتصار الرأسمالية الأمريكية على الاشتراكية، وروجت لهذا النموذج، على أنه النموذج الأوحد والأخير في تاريخ البشرية الذي سيحقق الرفاهية للإنسان.

وقد حظت الأفكار التي قدمها فيلسوف الكوربوقراطية (فرانسيس فوكوياما) في كتابه (نهاية التاريخ وبداية الإنسان الأخير) بالقدر اللازم من الدعاية والانتشار، في مقابل الترويج لتعثر الرأسمالية اليابانية، نتيجة تدخل الدولة في توجيه مسارات الإصلاح الاقتصادي، وأيضًا الترويج للأزمة الاقتصادية التي واجهت دول جنوب شرق آسيا عام 1997، بسبب عدم صلاحية الحكومات، وحتى الترويج بعدم قدرة الاقتصاد الأوروبي على المنافسة والابتكار، لتمسكه بنظام الضمان الاجتماعي، وحقوق القوى العاملة، حيث يظل نموذج الاقتصاد الأمريكي (اقتصاد السوق الحرة) هو النموذج الذي يحتذى به.

وقد تناسى المهللون للنظام الاقتصادي الأمريكي، أن واشنطن تدخلت لمساندة قطاع الأعمال والشركات الأمريكية الكبرى، منذ أزمة الكساد الكبرى عام 1929، مرورًا بالأزمة المالية العالمية عام 2008، ومؤخرًا في عهد الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) الذي تبنى سياسة الحمائية، وتوجيه كافة السياسات الاقتصادية، وتشريعاتها الداخلية، في اتجاه مساندة الشركات الوطنية الخاصة والمتعثرة، في تجاهلٍ واضح لأدبيات السوق الحرة، ونظريات آدم سميث، وقوانين منظمة التجارة العالمية.

يرى (فرانسيس فوكوياما) في كتابه، أنه وبتحلل الاتحاد السوفيتي، تصبح (الديمقراطية الليبرالية) هي آخر مراحل التطور الأيديولوجي، والشكل النهائي لأي حكمٍ إنساني؛ أي أنه من هذا المنظور هي (نهاية التاريخ) وعلى هذا لا يقصد (فوكوياما) نهاية أحداث التاريخ، فهي بالطبع لا تنتهي إلا بقيام الساعة، بل يقصد نهاية المسار التطوري.

إذًا.. (فوكوياما) قفز إلى فكرة الكونية، التي ستقف شعوب العالم على أعتابه، متوسلين العفو والمغفرة الإلهية، تحت كنف الإمبراطورية الكونية لشعب الله المختار، بعد أن توقفت مسارات التطور، ووصل قطار الابتكارات إلى محطته الأخيرة، أي محطة الديمقراطية الليبرالية ولن تتغير، ولن يحدث أي تطورٍ جديدٍ في المجتمعات البشرية، وفق مفهوم (فوكوياما).

وعلى هذا، فالديمقراطية الليبرالية؛ هي نموذج الكونية، التي سيعيش العالم بأسره تحت رحمة قوانينه ومبادئه، وكأنما أفكار (فوكوياما) تجسيدًا حقيقيًّا لمبدأ البوريتانية الكالفينية، التي طلت على العالم بوجهها القبيح بعد مرور أكثر من قرنين، وبمفهوم الخطاب الموحد لأمةٍ قامت في عام الاستقلال 1776، قيل فيها على لسان (جورج واشنطن):

«إن أمريكا هي النموذج الديمقراطي المختار بالعناية السماوية، وهي لا تستطيع أن تكون سوى تلك الأمة التي تدل على الطريق الذي يجب السير عليه، وعليها أن تسير هي في مقدمة ركب أمم الأرض كافة».

لم تقدم فلسفة (فوكوياما) الجديد، قدمها من قبله كل من الفيلسوف الألماني (هيجل) وقدمها أيضًا (كارل ماركس) وقد اعتقد كلاهما، أن تطور المجتمعات البشرية ليس بلا نهاية، لكنه قد يكتمل حينما تصل المجتمعات البشرية إلى الشكل الاجتماعي الذي يشبع حاجاتهم وتطلعاتهم، في حالة هيغل تتجلى تلك النهاية في الدولة الليبرالية، بينما مع ماركس فهي، المجتمع الشيوعي.

ويمكن القول أن الصهيونية المسيحية في اتجاهيها الديني والرأسمالي، أي ما بين العقيدة البوريتانية والمرابين الدوليين، أرادت أن تضع المجتمعات البشرية بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما القبول بالشيوعية، أو العيش في كنف الليبرالية الجديدة،  وحينما تسقط الشيوعية، فبالتأكيد العالم مقبل بنهاية التاريخ وحكم الإنسان الأخير، على الدولة الديمقراطية الليبرالية، أي الإمبراطورية الكونية.

كان الدور البارز الذي لعبه (فوكوياما) عبر سطور هذا الكتاب، هو فلسفة هذه الدولة القدرية، وتقديمها إلى شعوب العالم بأسلوب الصدمة والأمر الواقع؛ فلا يوجد بديل عن الديمقراطية الليبرالية، وكل المطلوب من المجتمعات البشرية، هو الاستسلام وتقبل هذه الفلسفة والتعايش معها، بعد أن تخلصت هذه المجتمعات من حكم الديكتاتوريات العالمية، سواء اليمينية العسكرية، أو اليسارية الشيوعية التوتاليتارية، وعلى هذا أصبحت الديمقراطية الليبرالية، هي التطلع السياسي المتماسك الوحيد، من وجهة نظر (فوكوياما) التي ستوفر حياة الرفاهية والازدهار لهذه الشعوب.

والمقصود بالديمقراطية الليبرالية، أو ديمقراطية السوق، أو الليبرالية الجديدة؛ هو انتصار أيديولوجية (اقتصاد السوق الحرة) بدعمٍ من مؤسسات دولية ترفع شعارات الديمقراطية.

 وبفيتو من السلطة الثلاثية (صندوق النقد الدولي – البنك الدولي – منظمة التجارة العالمية) تُرفع يد الدولة الوطنية عن الاقتصاد المحلي، وتدمج اقتصادات الدول في الفضاء الاقتصادي الكبير، وفق قوانين السوق، بعد أن تخضع البنوك المركزية لهذه الدول إلى شروط وإملاءات الكوربوقراطية في (وول ستريت) وشارع المال في لندن، عبر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

الاقتصادي الأمريكي (ميلتون فريدمان) هو عراب هذه الأيديولوجية، وأول من نادى بضرورة تقليل دور الحكومة في الاقتصاد الأمريكي عام 1962.. آنذاك لاقى دعمًا كاملًا من قبل بارونات المال والتصنيع في وول ستريت، من أجل الترويج لأفكاره الخاصة برفع يد الدولة عن الاقتصاد، وضرورة خصخصة كل مؤسسات الدولة ومرافقها، حتى أنه عمل كمستشارٍ اقتصادي للرئيس (ريتشارد نيكسون) بنهاية حقبة الستينات، ثم في المجلس الاستشاري الخاص بالرئيس (رونالد ريجان).

نعم هي أيديولوجية، وقد خدعوا العالم حينما زعموا نهاية الأيديولوجيات بتحلل الاتحاد السوفيتي؛ إنها العولمة التي غيرت شكل العالم إلى نمط الحياة الأمريكي، وحررت حركة الإنسان، وحركة التجارة، وأطلقت قوانين السوق الحرة بلا رحمة، من أجل دمج اقتصادات دول العالم في فضاءٍ اقتصاديٍّ واسع تحت هيمنة الكوربوقراطية.

العولمة

إن عولمة الديمقراطية الأمريكية، التي هي مهندس الثورات الملونة في القرن الحادي والعشرين؛ هي الوحيدة القادرة على توسيع تلك الفجوة التاريخية، التي يتمخض عنها فقدان الثقة بين الشعب ودولته، تكمن من جهة، في قدرة الحكومة على إقناع مواطنيها بضرورة التغيير وحشد الجهود والموارد، في مواجهة حجم المشاكل التي تفرض عليهم تضحيات عديدة، وتغيرات جذرية في التوجهات والمواقف، ومن جهةٍ أخرى، في قدرة المواطنين أنفسهم على إقناع حكوماتهم بتفهم مطالبهم، والاستجابة لها وتقبل النقد.

هذه الفجوة تتسع بانتشار خطط العولمة داخل جدران الدول، وتضيق باستيعاب الشعب لتعريف ومفهوم الدولة، وما بين هذا وذاك تندلع الثورات الملونة.

العولمة من منظورٍ أكثر تأصيلًا بالثقافة والمعلومات، وفقًا للعلَّامة المصري (د/ نبيل على) هو منظور ثنائية الوجود (الزمان - المكان).. في البداية كانت عولمة الزمن باستخدام توقيت جرينيتش، ثم جاءت تكنولوجيا المواصلات والاتصالات لتدخل المكان في دائرة العولمة، وبالتالي لم يتبق سوى الأحداث الجارية في هذا الزمان وداخل نطاق المكان، لتدخل مضمار العولمة التي نادت به أمريكا منتصف تسعينات القرن المنصرم؛ لتشمل كل أنشطة الإنسان وممارساته الاجتماعية، اقتصادية كانت أو سياسية، تجارية أو ثقافية، خاصة كانت أو عامة.

هذا ما فعلته عولمة المعاملات المالية والتجارية والأزياء، وموضة قص الشعر، ووجبات الطعام، وحتى عولمة الأجساد (الرشاقة والتخسيس كنمطٍ معولم تحلم به الفتيات) وأيضًا عولمة الشر؛ بجرائم المافيا وغسيل الأموال، واغتصاب النساء، وفساد الحكومات والمؤسسات؛ إنها نموذج الحياة على النمط الأمريكي أي اليانكي الأمريكي.

وفي حالة هذا النموذج الكوني للولايات المتحدة الأمريكية، أصبح المحرك الأساسي للعولمة هو سيطرة الليبرالية الجديدة؛ أي انتصار أيديولوجية اقتصاد السوق الحرة، والنمط الاستهلاكي، وإعلام الترفيه، والخصخصة، وخلافه، وتُقدم فيه الديمقراطية كتوأمٍ لاقتصاد السوق الحرة، وقد كونا معًا استراتيجية النموذج الغربي للرأسمالية في نسخته الأمريكية، بعد انهيار الاشتراكية.

 والنتيجة الحتمية هي تقليص سيادة الدولة، وتهميش دورها، وتصبح أمور إدارة الدولة قاسمًا مشتركًا بين الحكومة من جهة، والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية من جهةٍ أخرى، ولهذا أسماها المفكر الفرنسي (تييري ميسان) ديمقراطية السوق.

العولمة هي السبب في ارتفاع معدلات النمو دون أن يشعر بها الفقراء؛ فالغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرًا، كما قال ميشيل تشوسودوفيسكي في كتابه (عولمة الفقر).. وتستمر الدولة في فقدان سيادتها على أراضيها، إلى أن تصبح عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.

يحدث هذا تدريجيًّا ولكن بسرعة، حتى تتحول الدولة من راعية لمصالح المواطنين، إلى حارس لليبرالية السوق، وحامية لرأس المال الخارجي والمحلي، فتزداد الفجوة بين الدولة والشعب.

وما أن يشتد عود العولمة، حتى تصبح الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الاجتماعية، كالتأمين الصحي، والخدمات التعليمية، والرعاية الصحية، وحماية البيئة وخلافه، وتلعب هنا قوانين السلطة الثلاثية (صندوق النقد الدولي- البنك الدولي- منظمة التجارة العالمية) الدور الرئيسي في عجز الدولة أمام مواطنيها.

وفي مراحل متقدمة من الانصياع للعولمة، تصبح الدولة غير قادرة على حماية رؤوس الأموال الأجنبية، فيتجه هؤلاء للشكوى إلى المنظمات الدولية، ويبدأ التدخل الدولي في السيادة، فيزداد السخط الشعبي على الحكومات، وتتدهور الأخلاقيات والثقافات، ويسود الفساد، ويزداد الخلل في توزيع الدخول والثروات، فتنهار الدول، بعد أن يفقد الشعب ثقته في أنظمته الحاكمة التي تواجه بتهم الفساد، رغم كونها أحد ضحايا النظام العالمي الجديد، مثلها مثل غيرها من حكومات العالم التي دخلت مجبرة في محراب العولمة، حتى لا تخرج من السباق.

أما الدولة التي ما هي إلا وسيلة لتنظيم السلوك البشري، وفرض المبادئ السلوكية التي ينبغي أن ينظم الأفراد حياتهم على أساسها، فهي التي تصدر القوانين، وتعاقب من يخرج عليها، كما أنها تملك فرض النظام لضمان طاعتها من قبل الأفراد والجماعات المندرجة تحت ظلها.

وفي ظل العولمة وبيادقها من المنظمات الدولية وغير الحكومية، تبدأ في التحول من مرحلة تفريغ الدولة ما بحوزتها من نفوذٍ على أراضيها، إلى مرحلة إسقاط أركان الدولة الرئيسية (الشعب- الإقليم- النظام السياسي) عبر خطط  إضعاف مجالات الأمن القومي المتعددة: السياسي- الاقتصادي- الاجتماعي-المعلوماتي- العسكري.

فإن مفهوم الأمن القومي في أبسط صورة وفقًا لعلماء الاجتماع؛ هي قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية، وإن سبل اختراق الأمن القومي، مرتبط بإضعاف واحدة أو بعض من هذه المجالات.

وبعولمة هذه المجالات، يتم اختراق الأمن القومي للدول المستهدفة، وفي نهاية المطاف تغيب الدولة القومية، وتفتح أبوابها على مصاريعها دون شرطٍ أو قيد لمطامع الشركات الكوربوقراطية.

الكوربوقراطية... تدمير ذاتي للدول القومية

كتب (زبغنيو برجينسكي) المؤسس المشارك للهيئة الثلاثية مع (ديفيد روكفلر) في كتابه الصادر عام 1971 (بين فترتين) عن دور أمريكا في العصر التقني قائلًا:

 «لم تعد الدولة القومية كوحدةٍ أساسية من الحياة المنظمة للإنسان، هي القوة الإبداعية الرئيسية، فالصناديق الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، تعمل وتخطط وفق شروطٍ بعيدة للغاية عن المفاهيم السياسية للدولة القومية»(2).

إذًا لا ندعي على أحد؛ فالحقيقة كما أقرها برجينسكي؛ هذه الشركات (أي الكوربوقراطية) عابرة للقوميات، تعمل على تهميش المفاهيم الأساسية للدولة القومية، والسيادة الوطنية، لصالح الإمبراطورية الكونية التي تحكمها بارونات المال من الكوربوقراط.

وقد كشف برجينسكي في كتابه، كيف تدير البنوك والشركات متعددة الجنسيات دوائر حول ضحاياها من الدول القومية، وهي ليست ببعيدة عما كشف عنه جون بركنز في كتابه (اغتيال قاتل اقتصادي) المشار له في الجزء الأول من المؤلف.

كما أنها تتطابق مع اعترافات أحد بارونات المال (ديفيد روكفلر) المدونة في صفحة رقم (405) داخل مذكراته، حيث كتب يقول:

«يعتقد البعض أننا (عائلة روكفلر) جزء من عصابة سرية تعمل ضد المصالح الفضلى للولايات المتحدة، وتصف عائلتي وأنا، بالأممية، وبالتآمر مع الآخرين حول العالم، لبناء هيكلٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ عالمي متكامل - عالم واحد ، إذا صح التعبير، إذا كانت هذه هي التهمة، فأنا مذنب، وأنا فخور بذلك»(3).

أفكار برجينسكي السابقة، كانت النموذج الملهم للعديد من النخب في واشنطن، خلال تنظيرهم للعولمة، واقتصاد السوق الحرة، خاصة من قبل فرانسيس فوكوياما، وصمويل هينتنجتون، والأخير كان أكثر تأويلًا للسياسة الكونية للتنويريين، إذ كتب يقول في كتابه (صدام الحضارات):

«فالعولمة إذًا هي غياب البعد الوطني، أو القومي، كفاعلٍ مؤثر، كما كان الحال في الرأسمالية السابقة، فالمؤسسات أو الشركات العابرة للقارات، تخترق وحدة الدول القومية، وتقوم بتحطيم قدرات الدول على مواجهة الغزو الجديد الناتج عن قوانين السوق، وتضخيم الصراعات والنزاعات المناوئة للدولة، مثل المشاكل العنصرية والدينية، من أجل تفكيك الدول وتحويلها إلى دويلاتٍ عاجزة أمام سيادة السوق العالمية»(4).

وهذا ما فعلته العولمة بالضبط، من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تفككت الدول القومية إلى دويلات راكعة تحت رحمة اقتصاد السوق؛ وهنا لا نشير إلى تفككٍ جغرافي، بل إلى تحلل النظم الاقتصادية للدولة الوطنية، وإدماجها في فضاءٍ اقتصاديٍّ واسع، لا تملك معه الدولة من قرارها شيئًا، سوى الانصياع التام لقوانين الفضاء.. وعلى هذا كانت للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة الاقتصادية على عالمٍ أحادي القطبية.

صدام الحضارات يفلسف الهيمنة الثقافية

مثلما برع (فرانسيس فوكوياما) على الجبهة الاقتصادية، برع أيضًا (صمويل هنتنجتون) في فلسفة حروب الأفكار على الجبهة الثقافية، عبر سطور كتابه الأشهر (صدام الحضارات).. فبعد تحلل الاتحاد السوفيتي، بدأت حقبة جديدة ترتكز على السياسة الكونية، أو النموذج الكوني الخاص بالآباء المؤسسين، وشهدت السنوات التالية تغييرًا حادًّا في هويات الشعوب.

كان التحدي الأمريكي الجديد بعد تحلل الاتحاد السوفيتي، كيف يمكن إعادة تشكل السياسة الكونية على خطوطٍ ثقافيةٍ مختلفة؟ أو بالأحرى، كيف يتم فرض النظام العالمي الجديد في ظل تغير موازين القوى بين الحضارات المختلفة؟ فبمنظور (هنتنجتون) الحضارة الغربية تدهور تأثيرها نسبيًّا، والحضارة الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بينما الحضارة الإسلامية تدخل في صراعاتٍ على الحدود بين الدول الإسلامية، بينما سعت باقي الحضارات غير الغربية للتأكيد على هويتها الخاصة.

أثناء الحرب الباردة كانت السياسة الكونية ثنائية القطبية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وقُسم العالم إلى ثلاثة مجتمعات على حد وصف (هنتنجتون) في كتابه (صدام الحضارات) الصادر عام 1996.

 المجتمع الأول: ضم مجموعة من المجتمعات الأكثر ثروة وديمقراطية بقيادة أمريكا، وقد انغمست في تنافسٍ أيديولوجيٍّ واقتصاديٍّ وسياسيٍّ عام (أي الدول الرأسمالية والصناعية).

 المجتمع الثاني: يجسد المجتمعات الأفقر نسبيًّا والمرتبطة بالاتحاد السوفيتي.

وعلى هذا، تحالفت الدول في كلا المعسكرين على خلفيةٍ أيديولوجية، رغم تباين الحضارات فيما بينها، خاصةً بين دول الاتحاد السوفيتي متعددة الثقافات، والحضارات المتباينة.

المجتمع الثالث: ويمثل دول العالم الثالث حديثة التحرر، والأكثر فقرًا، غير المستقرة سياسيًّا، والتي تحولت أراضيها إلى مسرحٍ للأحداث الكامنة، وحروب بالوكالة، وأخرى مباشرة، بين كلا المعسكرين السابقين خلال الحرب الباردة.

أما في عالم ما بعد السوفيتية، فبالمنظور الأمريكي، وبعد تلاشي صراع الأيديولوجيات، يجب إعادة تشكيل الخريطة العالمية التي تتناثر عليها الحضارات، بما يضمن الهيمنة الأمريكية.. فشعوب العالم بعد سقوط الأيديولوجيات، لا بد أن تبدأ في البحث عن هويتها؛ فهي تُعرف نفسها من خلال العرق والدين واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد، ويتطابقون مع الجماعات الثقافية (جماعات إثنية – قبائل – أمم – جماعات دينية) ومع الحضارة بالمستوى الأعلى.

وعلى هذا ستتحول الصراعات بمفهوم (هنتنجتون) من صراعات بين طبقاتٍ اجتماعية مختلفة، أو بين أغنياءٍ وفقراء، إلى صراعاتٍ بين شعوبٍ وقبائل، وإثنيات مختلفة ثقافيًّا، تحشد جماعاتها المتقاربة للتحارب ضد الأخرى.

فبينما كان صراع الأيديولوجيات خلال الحرب الباردة بين الديمقراطية الليبرالية الغربية، والماركسية اللينينية السوفيتية، حاضرًا طوال الوقت في الحرب الأفغانية، تستقطب دول العالم الإسلامي لصالح الغرب، في مواجهة الشيوعية، كانت الصراعات الدموية بين الحضارات ما بعد السوفيتية حاضرة في (البوسنة، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وكشمير) وانتشرت على نطاقٍ أوسع تستقطب جماعاتها المتقاربة ثقافيًّا.

ويشير (هنتنجتون) إلى نموذج الحرب في يوغسلافيا، كمثالٍ حي على هذا الصراع الجديد؛ فبينما دعمت روسيا الصرب دبلوماسيًّا، كانت المملكة العربية السعودية، وتركيا، وإيران، وليبيا، تقدم للبوسنيين السلاح والمال، لا من أجل مغزى سياسي أو بُعد اقتصادي، بل لتقارب الثقافات.

 وظهر تعبير (المذابح الجماعية) في السنوات التي تلت سقوط جدار برلين، وتفكك الشيوعية كأيديولوجية، بشكلٍ أكثر حدة مقارنة بسنوات الحرب الباردة.. فمثلًا منذ بدايات عام 1993، كان هناك ما يقرب من (48 حربًا عرقية) حول العالم،  بالإضافة إلى (164 شكوى وصراعًا عرقيًّا) على الحدود بين دول الاتحاد السوفيتي السابق، ثلاثين منهم تتضمن شكلًا من أشكال الصراع المسلح.

من كل ما سبق انتقد (صمويل هنتنجتون) أفكار تلميذه النجيب (فرانسيس فوكوياما) فالعالم من وجهة نظر هنتنجتون لم يصبح أكثر توافقًا وانسجامًا، بنهاية صراع الأيديولوجيات وسقوط الشيوعية، كما قال فوكوياما عام 1992(هناك عالم واحد منسجم تحت راية الليبرالية الغربية) بل تحول إلى صراعاتٍ أكثر دموية تقودها الحضارات المتباينة.

كل هذه الاجتهادات التي شرع هنتنجتون في إبرازها، هي لي واضحة الحقائق؛ إذ أن محاولة الدفع بمساندة الدول الإسلامية للبوسنة، على حساب دعمٍ دبلوماسي للصرب من قبل روسيا، إبان الحرب اليوغوسلافية، وكأن المسألة صدام حضارات، أو تقارب وتباين في الثقافات، يُعد لي متعمدًا للحقائق.. فالأمر لا يعدو كونه صراعًا أيديولوجيًّا تاريخيًّا بين روسيا والسعودية، مدفوعًا دفعًا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، التي نسجت خيوطه منذ العام 1979، ولا يزال هذا العام يلقي بظلاله على العالم بأسرة حتى الآن.

ونسأل هنتنجتون.. هل حرب الخليج الثانية عام 1991، وحرب أفغانستان عام 2001، وحرب العراق عام 2003، كانت صدامًا بين حضارات؟ أم صراعًا من أجل السيطرة والاستحواذ على حقول النفط، ومن ثمة ضمان الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط بأدبيات هنري كيسنجر، وقطع الطريق عن لاعبي الشرق (روسيا - الصين) على رقعة الأوراسيا؟

وماذا عن قتال المسلمين بعضهم البعض خلال ثورات الربيع العبري، في كلٍّ من ليبيا، وسورية، والعراق، واليمن، ومصر، بدعمٍ كامل من دولٍ خليجية، وتركيا، وإيران، والسودان، والقائمة طويلة من دول العالم الإسلامي؟

هل كانت حروبًا بمنظورٍ حضاريٍّ أو ثقافيٍّ متباين، أم خرجت من رحم صراعٍ أيديولوجي، منذ أن جر اليمين المتشدد في الولايات المتحدة هؤلاء الإسلاميين إلى الحرب الأفغانية عام 1979، بغرض مواجهة الأيديولوجية التعسفية للاتحاد السوفيتي؟ وبصياغةٍ أخرى؛ هل هو صدام حضارات، أم صراع بين القومية العربية، والأيديولوجية الأصولية الخاصة بتيار الإسلام السياسي المدعوم على طول الخط من واشنطن؟

هل الصراع القائم بين اليابان والصين، يُعد صراعًا بين الحضارة اليابانية، والحضارة الكونفشيوسية ؟ وهل الصراع المحتدم بين الصين والهند، هو صراع بين الحضارة الكونفشيوسية، والحضارة الهندية؟ أم هو صراع قديم على النفوذ في منطقة الشرق الأقصى، كما هو حال الصراع المشتعل في بحر الصين الجنوبي بين الصين وأمريكا؟

هل الصراع القائم الآن بين دول الحضارة الواحدة في القارة العجوز، بين الشرق والغرب الأوروبي، والتي تديره بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) لصالح أهدافٍ أمريكية جيوسياسية، هو صدام حضارات، أم هو صراع على الهوية القومية واحترام سيادة الدول الوطنية؟

هل الصراعات بين دول أفريقيا، اندلعت على أسسٍ من الحضارة الأفريقية، أم هي صراعات مصطنعة من قبل الغرب، لنهب الموارد الطبيعية، والثروات المعدنية للقارة السمراء؟

هل الصراع بين روسيا والغرب، على أراضي أوكرانيا، يُعد صدامًا بين الحضارة الأرثوذكسية والحضارة الغربية، أم صراعًا على الغاز، ومقاومة زحف النفوذ السياسي الروسي على شرق أوروبا؟

 لن نسمع إجابات من هنتنجتون الذي رحل عن عالمنا عام 2008، بعد أن عكف لسنواتٍ على تسويق فكرة صدام الحضارات، ومحاولة تسمية الأشياء بمسميات جديدة، بعد تفريغها من المضمون، من أجل إبعاد العالم عن الرواية الأصلية؛ رواية الخداع الأمريكي لشعوب العالم بانتهاء الحرب الباردة، والاستعداد للسلام العالمي تحت راية الإمبراطورية الكونية.

ومن جانبٍ آخر، إبعاد التهمة عن أي تورطٍ أمريكي في صراعٍ قادم بعد سقوط جدار برلين؛ على اعتبار أن الحروب والصراعات القادمة هي صراعات بين دول، نتيجة تباين الثقافات والحضارات، وفي الحقيقة هي صراعات اصطنعتها أمريكا اصطناعًا، لضمان الهيمنة على رقعة الأوراسيا، ومن ثم بقاؤها كقطبٍ أوحد في عالمٍ أحادي القطبية.

اليانكي يبتلع الحضارات المتناثرة

يستمر هنتنجتون في سرد أضحوكته (صدام الحضارات) متسائلًا: كيف سيتم إعادة تشكل السياسة الكونية على كل هذه الخطوط الثقافية، بما يضمن لواشنطن السيطرة والهيمنة على عالم ما بعد الحرب الباردة؟ وبصورةٍ أخرى لم يعد هناك وجود للمجتمعات الثلاثة المشار لها إبان الحرب الباردة، بل هناك ثماني حضارات رئيسية متناثرة على الخريطة العالمية بعنوان (عالم متعدد الحضارات).. يجب السيطرة عليه وإخضاعه للهيمنة الأمريكية.

شرع المفكر الأمريكي مفلسف أهداف الكوربوقراطية، في إعادة صياغة الخريطة العالمية بمنظور تعدد الحضارات، وبدلًا من تسمية الدول على الخريطة العالمية، رُسمت الخريطة بتكتلاتٍ حضارية على كامل مساحتها، ما بين حضارات العالم الرئيسية (الغربية – الإسلامية – الأرثوذكسية – الصينية – البوذية – الهندية – اللاتينية – اليابانية) في تحدٍّ واضح من قبل هنتنجتون للدول القومية.. فحرب الأفكار هذه كحربٍ ناعمة، تعمل على إضعاف الدولة القومية، وعبر المؤسسات الدولية التابعة للكوربوقراطية، تُفقد هذه الدول سيادتها على أراضيها.

وعلى هذا، عولمة الثقافة الغربية، وسيطرة اقتصاد السوق الحرة، وتطبيقات نظرية جوبلز التي أشرنا لها في الجزء الأول من المؤلف؛ كلها أدوات تُسهم في رسم عالمٍ غارق في الفوضى، لصالح نموذج الكونية، الذي يؤكد على: انهيار الحكومات - تفكك الدول - احتدام الصراعات العرقية والإثنية والدينية - انتشار مافيا الجرائم الدولية - تزايد أعداد اللاجئين بعشرات الملايين – انتشار الأسلحة النووية والإرهاب، وتفشي المذابح، والتطهير العرقي.

ولنأخذ مثالًا من أطروحة هنتنجتون، حينما وقف بقلمه على مساحةٍ شاسعة على الخريطة العالمية، ورسم دائرة حول دول العالم الإسلامي، كتب عليها (الحضارة الإسلامية).

اختص (هنتنجتون) الحضارة الإسلامية في كتابه بمزيدٍ من الإبحار في ثقافتها، ودراسة نقاط القوى والضعف بها، وكيف يمكن السيطرة على هذه الحضارة؛ بمعنى أشمل، كيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على هذا العالم الإسلامي وتطويعه، بما يخدم مصالحها الجيوسياسية، والتأثير في ثقافة المجتمعات الإسلامية ومحاولة تغيير ملامحها؟

وفي محاولةٍ جديدة للي الحقائق، يرى (هنتنجتون) أن الولاء السياسي في الحضارة الغربية يميل إلى الدولة القومية، على العكس من العالم الإسلامي، فالولاء للقبيلة والعشيرة؛ وعلى هذا فالإسلام هو السلطة المجمعة والأقوى لتجميع القبائل والعشائر، وليس الدولة القومية، وإن الوعي الإسلامي دون التماسك، يُعد مصدر ضعفٍ للإسلام، كما أنه مصدر تهديدٍ للحضارات الأخرى، والسؤال المطروح؛ كيف يمكن التغلب على الإسلام ذي الوعي دون تماسك، حتى لا يهدد الحضارات الأخرى التي يحرص هنتينجتون على بقائها؟

اقترح المفكر الأمريكي، ضرورة وجود دولة (مركز للإسلام) ذات موارد اقتصادية، وقوة عسكرية، وكفاءة تنظيمية، وهوية إسلامية، على أن تلتزم بأن تكون قيادة سياسية ودينية للأمة الإسلامية.. وقد وقع اختيار هنتنجتون على تركيا كدولةٍ مركزية؛ وكأن العالم الإسلامي مقبل على إعادة إنتاج الدولة العثمانية القديمة بآليات العصر الحديث!!

لم يقدم هنتنجتون ما يقنع القارئ بمقومات هذه الدولة المركزية بالنسبة للعالم الإسلامي؛ إذ أن تركيا كدولة خلافةٍ جديدة، هي في الأساس دولة تائهة بين الهوية الإسلامية، والهوية الأطلسية - كما أنها تحتضن مقر حلف شمال الأطلسي، الذي هو الذراع العسكرية الأمريكية المسلطة على رقاب شعوب العالم الإسلامي بأسره - كما أن قيم المجتمع التركي الذي يحمي حقوق الشواذ، ويمنح بيوت الدعارة رخصة ممارسة نشاط الدعارة، لا يتفق مع تعاليم الدين الإسلامي، مع ذلك فالدور التركي بالمنظور الأمريكي يمكن أن يلعب دورًا بارزًا، يمكن معه انصهار العالم الإسلامي في النظام العالمي الجديد.

على أي حالٍ، ظل هنتنجتون في دراسته لحضارات العالم عبر فصول كتابه، يتمحور حول انصهار جميع حضارات العالم الرئيسية داخل بوتقة اليانكي الأمريكي، أو بالأحرى، ما هي طرق السيطرة على هذه الحضارات حيث تصبح في نهاية المطاف تحت عباءة الحضارة الأمريكية؟ وكأن الولايات المتحدة دولة ذات حضارةٍ عريقة، يمكن أن تؤثر فيها وتنصهر بين جنباتها حضارات أخرى عريقة، فما شرع فيه هنتنجتون، هو عولمة لما اعتقد هو أنها الحضارة الأمريكية، من أجل بقاء الهيمنة الأمريكية كقطبٍ أوحد في الهيمنة العالمية.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة، يمكن القول أن الصراع القادم الذي وصفه هنتنجتون بـ (صدام الحضارات) بين دولٍ وتكتلاتٍ متناثرة على الخريطة، لم يكن سوى حرب عالمية ثالثة بمفهوم حرب الأفكار؛ أي حربٍ باردة ثقافية جديدة، أرادت واشنطن إشعالها على الخريطة العالمية، من أجل طمس الهوية القومية، وفناء الحضارات، وإدماج الثقافات الأخرى في ثقافة اليانكي الأمريكي، ومن ثمة خضوع دول العالم إلى نموذج العولمة في نسخته الكونية الخاصة بـ (باكس أمريكانا).

هذا النظام العالمي الجديد، شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة، وحينما تحلل الاتحاد السوفيتي، وأصبح العالم أحادي القطبية، كان النظام العالمي قد بدأ في التبلور باتجاهاته الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، وأصبح جاهزًا لدفع الإمبراطورية الكونية إلى الصف الأول، ومن خلفها باقي دول العالم، ونستدعي هنا عبارة بوش الابن (من ليس معنا فهو ضدنا).

 هذا هو المبدأ الذى أدارت به أمريكا عالم ما بعد السوفيتية؛ فالدولة التي ليست مع الولايات المتحدة، أي التي تقاوم الدخول في مضمار العولمة، عليها مواجهة حصارٍ اقتصادي، أو حرب عملات، أو تدخل عسكري، أو حرب اللاعنف لزعزعة الاستقرار وإسقاط الأنظمة الحاكمة.

 وهكذا مع كل دورةٍ من دورات الزمن، تترسخ معتقدات شعب أمريكا، أو (إنجلترا الجديدة).. فإذا كان هو شعب الله المختار، فحتمًا العالم أمام أمةٍ لا تخطئ، لأنها مؤيدة من الله، وحتمًا كل من ينتقد سياساتهم أو يعاديهم، هم أناس من الأشرار، وأعداء لله من وجهة النظر الأمريكية، وبمفهوم (نحن... وهم).

وهكذا بتحلل الاتحاد السوفيتي تحققت نبوءة (بنجامين فرانكلين) أحد الآباء المؤسسين حينما قال: «إن الولايات المتحدة سوف تلد مجتمعًا شاملًا يعم الكون... فالمؤسسات، والعادات، والمبادئ الأمريكية، مكرسة كي يتم تطبيقها في كل مكان». وباعتباره بلدًا نموذجيًّا، كانت أمريكا بالنسبة لمواطنيها تسمو على كل الأمم الأخرى، ومن أجل ذلك كانت مدعوة كي تحل في نهاية الأمر محل تلك الأمم بشكلٍ نهائي، ولم يتبق سوى مواجهة الأنظمة الحاكمة التي لا تريد الاندماج في باكس أمريكانا أو الإمبراطورية الكونية للآباء المؤسسين، أي حكومة العالم الأوحد لآدم وايسهاوبت.