الأحد 17 يناير 2021 الموافق 04 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
حسام الحداد
حسام الحداد

أبو بكر الرازي.. الحاوي في الطب وسلطة العقل التجريبي

الخميس 26/نوفمبر/2020 - 11:40 ص
طباعة

منذ القدم وحتى اليوم لم تهدأ أو تستكين معركة الظلاميين مع نور العقل، تتغير أحيانا آلياتهم، يسكنون أحيانا، لكنهم سرعان ما يخرجون من جحورهم، ينشدون علينا الفتاوى الشاذة، والتفسيرات المغرضة والمتشددة لنصوص الكتب المقدسة، رافعين دائما سلاح التكفير في وجه من يعترضهم، وفي وجه من يفكر، بطلنا اليوم هو واحد ممن تم اتهامهم بالزندقة لأنه قدم للحضارة الإنسانية معارف علمية شتى، بطلنا هو أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي، من علماء القرن الثالث الهجري، ولد بمدينة الري جنوبي طهران بفارس في سنة 250-251 هـ / 864-865  (250-864). وسمي بالرازي نسبة إلى هذه المدينة.

 

ينتمي أبو بكر الرازي إلى القرن الثالث الهجري، وتنقل في معيشته بين مدينة الري وبغداد، ثم استقر به الحال في بغداد في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله جعفر بن المعتضد عضد الدولة، اهتم الرازي بأمور كثيرة منها علاقة البيئة بالسلامة، واستخدم تلك الموهبة عندما استشاره الخليفة "المعتضد بالله" عن الموقع الذي من الممكن بناء مستشفى فيه، وبذكائه قام الرازي بتوزيع قطع من اللحم في أماكن مختلفة من ضواحي مدينة بغداد، وانتظر عدة أيام، بعدها طاف على الأماكن التي وضع القطع فيها ليرى تأثير الجو والزمن عليها، فإذا تَلِفَتْ القطعة بسرعة اعتبر أن هذه المنطقة لا تصلح لإقامة المستشفى، أما إذا ظلت قطعة اللحم كما هي دون أن يصيبها التلف، أو تأخرت، فهذا دليل على طيب هواء المنطقة، وصلاحيتها لإقامة المشروع.  وعندما أنشأ الخليفة مستشفى الري (عام 279-289هـ /892- 902 م) جمع أشهر الأطباء (فاق عددهم المائة طبيب)، واختار خمسين منهم ليكونوا طاقم المستشفى فكان الرازي منهم، ثمّ انتقى عشرة أطباء كرؤساء للأقسام فكان الرازي أبرزهم، ونظراً لمهارته وخبرته جعله رئيساً لأطباء المستشفى.

 

 عمل الرازي في بداية حياته بالصرافة، وكان يحب الموسيقى و يضرب علي العود ويغني وينظم الشعر في صغره، واعتبر المؤرخون القدامى هذه الموهبة ميزة من ميزات الرازي، ومقدرة خاصة.

 

كان الرازي من أعظم الأطباء المسلمين في العصور الوسطى، تتلمذ في علوم الطب على يد علي بن زين الطبري (صاحب أول موسوعة طبية عالمية "فردوس الحكمة")، والفلسفة على يد البلخي، وكان الرازي متقناً لمهنة الطب، عارفاً بأوضاعها وقوانينها، حتى اشتهر وأصبح معروفاً فأخذ الطلبة وطالبي العلم من جميع الجهات يقصدونه لكي يتعلموا منه، وكان يصر على طلابه أن يواصلوا الدراسات العليا في الطب لإثراء ذلك الميدان من العلوم، حيث أصبح بعد ذلك مرجعاً أساسياً لمعظم الحالات المرضية الصعبة والمستعصية لذلك  لقب "بجالينوس العرب".

 

وفي كتاب "سر الأسرار" الذي ألَّفه الرازي الطبيب، الذي يُعتبر مؤسِّسَ علم الكيمياء الحديثة في الشرق والغرب، تبيانٌ واضح لطريقة إجراء التجارب الكيميائية، فهو يصف المواد المستخدمة، والأدوات والآلات التي يستعملها، وبعد ذلك يصف طريقة تحضير كل مادة، مبينًا نتائجَ التجربة، وعلى هذا النحو وصف ما يزيد على 20 جهازًا، بعضها زجاجي والبعض الآخر معدني، على غرار المستخدم الآن في معامل الكيمياء الحديثة.

 

وكان الرازي بعد ذلك يشرح كيفية تركيب الجهاز، ويدعم شرحه بالتعليمات الواضحة الجلية، وقام الرازي بتحضير عددٍ من الأحماض، ولا زالت الطرق التي استخدمها في تحضير هذه الأحماض هي الطريقة المتبعة الآن، ولعله أول من ذكر حامض الكبريتيك، وأطلق عليه اسم "زيت الزاج أو الزاج الأخضر"، وقام بنقله إلى الأوروبيين "ألبير الكبير" وسماه "كبريت الفلاسفة".

 

وقام أبو بكر الرازي بتقطير الكحول من المواد السكرية والنشوية المتخمِّرة، وكان الكحول يستخدم في الصيدليات وصناعة الأدوية من أجل العلاج. وأول من نقل طريقة أبي بكر الرازي في تقطير الكحول إلى الأوروبيين "أرنودو فيلينتف". وقد تُرجم كتاب الرازي "سر الأسرار" إلى اللغة اللاتينية بواسطة "كريمونا" في أواخر القرن الثانيَ عشرَ الميلادي، وكان المرجع المعتمد في مدارس أوروبا مدةً طويلة.

 

وبواسطة المنهج التجريبِي العلمي، استطاع العلماء المسلمون أن يحضِّروا كثيرًا من المواد الكيماوية، التي تدخل الآن في الصناعات الحديثة؛ مثل صناعة الورق، والصابون، والحرير، والمفرقعات، والأصباغ والسماد الصناعي.

 

ومن أعظم و أشهر كتبه الطبية  "تاريخ الطب" حيث جمع فيه مقتطفات من مصنفات الإغريق و العرب. ولقد قام  الطبيب اليهودي بصقلية فرج بن سالم في عام 1279 م بترجمته إلى اللاتينية.  وقد بحث الرازي في هذا الكتاب أمراض الرأس وأوجاع العصب والتشنج، كما عني فيه بأمراض العيون والأنف والأسنان بالإضافة إلى أمور أخرى.  

 

كما كتب الرازي كتاب المنصوري في علم الطب وذلك للمنصور بن إسحاق صاحب خراسان، وهو كتاب مختصرا نسبيا إلا انه كان مؤثرا في الطب سواء في الدولة الإسلامية أو الأوروبية حيث ظل الأطباء في أوروبا يعتمدون عليه حتى القرن السابع عشر الهجري، جعله الرازي في عشرة أبواب في الطب.

 

ذكر الرازي في القسم الثامن أو التاسع منه تجارب أجراها على الحيوانات لاختبار أساليب جديدة في العلاج و للكشف عن فاعليه بعض الأدوية، وذلك قبل أن يجربها على الإنسان، ولقد كان هذا الجزء من الكتاب يوزع منفصلا تحت اسم Liber nouns ad Almansorem.

 

كما ضم هذا الكتاب وصفا دقيقا لتشريح أعضاء الجسم كله وطبع لأول مرة في "ميلانو" عام 886هـ  1481م، وأعيد طبعه مرات عديدة، وترجمت أجزاء منه إلى الفرنسية والألمانية، وكذلك إلى اللاتينية بواسطة جيرارد في عام 1187م.  

 

ويعتبر أجمل كتب الرازي وأعظمها في صناعة الطب " كتاب الحاوي في الطب "، حيث يعتبر موسوعة شاملة في الطب، لقد سجَّل فيه ملحقات عديدة لمؤلفين في الطب الهندي والفارسي والإغريقي والعربي. يقع الكتاب في ثلاثين جزءا تتضمن ذكر الأمراض ومداواتها مما هو موجود في سائر الكتب الطبية التي صنفها السابقون ومن أتى بعدهم حتى أيامه.

 

ومما يدل على خلقه وأمانته العلمية والتزامه بآداب المهنة أنه كان ينسب كل شيء نقله إلى صاحبه، وقد سماه (الرازي) الحاوي لأن كتابه هذا يعد موسوعة علمية طبية تحوي كل الكتب والأقاويل الطبية القديمة من أهل صناعة الطب، ويقع في عشرين مجلدًا.

 

والمادة الرئيسية في كتاب "الحاوي في الطب" هي مذكرات شخصية سجل الرازي فيها آراءه الخاصة، وقصص مرضاه، حيث دون فيه أكثر من 1000 حالة من الحالات السريرية التي قام بمتابعتها و تسجيل ملاحظاته وتجاربه الشخصية مع المرضى لدعم النظريات السابقة أو لدحضها، حيث كانت هذه المعلومات قيمة جدا لكل الأطباء في عصره ومن أتوا بعده، ويوحي ترتيب المادة العلمية في هذه المذكرات بأن الرازي كان يدون ملاحظاته في كراسات يضعها في حافظات، وكانت كل حافظة من حافظات الأوراق مخصصة لموضوع من الموضوعات الطبية. وكتابه الحاوي في علم التداوي ترجم إلى اللاتينية وطبع لأول مرة في بريشيا في شمال إيطاليا عام 891هـ -  1486م  وهو أضخم كتاب طبع بعد اختراع المطبعة مباشرة أعيد طبعه مرارًا في البندقية في القرن 10هـ - 16م. وقسم كتاب الحاوي في الطبعة اللاتينية إلى خمسة وعشرين مجلدا. تتضح مهارة الرازي في هذا المؤلف الضخم وتتجلى دقة ملاحظاته وغزارة علمه وقوة استنتاجه.

 

إلا إن بعض المؤرخين يقولون إن الرازي لم يتم الكتاب بنفسه ولكن تلاميذه هم الذين أكملوه، حيث ذكر أنه بعد وفاة الرازي قام ركن الدولة في عام 327هـ/939م بشراء مذكرات الحاوي من شقيقته خديجة، وطلب من طلبة الرازي أن يقوموا بوضع هذه المذكرات في طريقة تسلسلية تحت عناوين للأمراض المختلفة مع أجزاء منفصلة عن مادة الأدوية (يعادل حجم الكتاب وفصوله 23 جزء من الطبعات الحديثة في الكتب.)

 

أحدى أقدم المخطوطات لهذا الكتاب موجود في المكتبة الوطنية للطب في بريطانيا، وهو ذلك الجزء الخاص بأمراض الجهاز الهضمي. وكذلك الصفحة الأخيرة من الكتاب المذكور فيه بأن تاريخ الانتهاء من تدوين هذا الكتاب كان في 19 ذي القعدة 487 هـ الموافق 30 نوفمبر 1094. تعتبر هذه المخطوطة هي ثالث أقدم مخطوطة عربية طبية محفوظة إلي يومنا هذا.

اهتم الرازي بالتجربة؛ ذلك لأنها تعتمد على الملاحظة الدقيقة، وتكون النتائج التي يتوصل إليها عن طريقها مقبولة ومعقولة، وفضلاً عن هذا وذاك فإن استخدام التجربة والقياس وسيلة من وسائل دفع المعرفة إلى الأمام؛ فهي تعمل على تحرير العقل من الجمود والتقليد، وهذا لا يعفى من تمحيص الآراء والنتائج المجمع عليها أو التي يتم التوصل إليها عن طريق البسطاء من الناس نتيجة لكثرة ملاحظاتهم.

 

 وإليه يرجع الفضل في استخدام حيوانات التجارب بالنسبة للأدوية التي تطبق على الإنسان، فكان يجري تجارب الأدوية على الحيوانات قبل تطبيقها على الإنسان والتوصية بها في علاجه، فاستخدم القرد كحيوان للتجارب، وكان يعطى الحيوان كوباً من الخمر ليجرب الدواء عليه وهو في هذه الحالة أحياناً، فقد كان يرفض تجريب الدواء على الانسان المريض.

 

ولاشك في أن العلم الحديث قد أيد ذلك، نظراً لما يمكن أن يكون لهذه المواد من آثار جانبية لا يتحملها الإنسان، وهي بطبيعة الحال تختلف من شخص لآخر، كما كان يرى أن اللصوص وأدعياء الطب سواء، بل ربما كان اللصوص أقل خطراً من أدعياء الطب، الذين يعرضون حياة الناس للخطر.

 

ولما كان المجتمع العربي في تلك الأثناء يحتم على الطبيب أن يدرس الفلسفة، وأن يلم إلماماً جيداً بها، فقد اتجه الرازي إلى دراسة هذا الفن، ولقد نحابها نحواً جديدًا، فلم يجعلها قاصرة على مجرد تحصيل علم المنطق، والبحث في قضاياه ومسائله، بل نطر إليها من مفهوم عام، فامتد مفهومها عنده ليشمل كل العلوم التي تنشط الذهن وتقوى ملكاته، وتعينه على التصور والإدراك، فهي تشمل العلوم الرياضية والطبيعية والمنطقية، فهذه الفروع جميعاً تجعل صاحبها أقدر على الاستنتاج والتحليل، فضلاً عن قدرته على التفسير والتعليل.

 

ولقد أصبحت الفلسفة عنده تعنى المشاركة الفعالة في الحياة، بدلاً من الانزواء والانطواء، والبعد عن معايشة المجتمع والمشاركة في حل قضاياه، فكان الرازي يرى أن من شروط الفيلسوف أن تكون له مهنة شريفة يتكسب منها؛ حتى لا يكون عالة على الناس، ولقد سرت هذه النظرية العامة إليه من دراسته لعلم الكيمياء، فالكيمياء يمتد مفهومها ليشمل تلك التفاعلات الحياتية التي تمتد بين الإنسان ومجتمعه ولا تقتصر على مجرد التفاعلات التي تحدث في المادة فحسب.

 

من بين كل هذا، نجد في فلسفة الرازي إعلاءً لشأن العقل وأنه هو المرجع والمرجعية وليس أدل على ذلك اكثر من ذلك الاقتباس من كتابه "الطب الروحاني" حيث يقول: "إن البارئ – عز اسمه – إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به المنافع العاجلة والآجلة، غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه، وأنه أعظم نعم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا.. وبالعقل أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا.. وبه وصلنا إلى معرفة البارئ عز وجل الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما اصبنا.. وإذا كان هذا مقداره ومحله وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطه عن رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله – وهو الحاكم – محكوما عليه، ولا – وهو الزمام – مزموما، ولا – وهو المتبوع – تابعا، بل نرجع الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنمضيها على إمضائه، ونوقفها على إيقافه"

ومن هنا حسب الرازي، لا نكون في حاجة إلى سلطة دينية خارجة عن سلطة العقل لكي ترشدنا ماذا نفعل وما لا نفعل، سواء كان مجسد هذه السلطة شيخ أو قديس أو راهب، فالسلطة التي يعترف بها الرازي إنما هي سلطة العقل وحده.

 

ads
ads
ads
ads
ads
ads