الثلاثاء 26 يناير 2021 الموافق 13 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
د. حسين علي
د. حسين علي

بلاش فلسفة

الخميس 03/ديسمبر/2020 - 09:08 ص
طباعة

الفلسفة في بلادنا سيئة السمعة، وهذا أمر ليس بمستغرب في مجتمع يتخذ موقفًا عدائيًا من العقل، ويطمئن أقصى غايات الطمأنينة للخرافات.

فالناس في بلادنا لا يتفقون على شيء قدر اتفاقهم على الشك في الفلسفة وقيمتها وجدواها.. فالفيلسوف عندهم رجل سفسطائي ثرثار، أو ملازم لبرجه العاجي بعيدًا عن الواقع العملي الملموس، وإذا أحسنوا به الظن فهو متخصص في المجرد والعام.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا لا نكاد نعرف اسمًا لفرع من فروع المعرفة قد أصابه ما أصاب الفلسفة من عداء وتندر واستنكار عند الكثرة الغالبة من الناس، ولذلك كثيرًا ما نسمع العبارة الآتية تتردد في حياتنا اليومية: «بلاش فلسفة».

إن الجهل بمعنى الفلسفة جعل العبارة السابقة تتردد على لسان جمهور العامة، كما أن الجهل بمعناها جعل لفظ الفلسفة يرتبط في أذهان الناس بمفاهيم هي أبعد ما تكون عن الروح الحقة للفلسفة.

واللافت للنظر أن الرجل العادي لا يقول للمتخصص في الرياضيات «بلاش رياضيات»، ولا يقول للمتخصص في الطبيعيات: «بلاش طبيعيات»؛ لأن الرجل العادي يدرك أنه لا علم له بالرياضيات أو الطبيعيات.. أما فيما يتعلق بالفلسفة، فهو يعتقد خطأً أنه يعرف معنى الفلسفة، في حين أن جهله بالفلسفة لا يقل على الإطلاق عن جهله بالرياضيات أو الطبيعيات.

إن عبارة «بلاش فلسفة» غالبًا ما تأتى على لسان بعض أبطال مسلسلات وأفلام التليفزيون لتعبر بطريقة ضمنية عن أن ما هو فلسفة ليس سوى خليط من حجج غامضة يكتنفها ضباب دون أن يكون لها معنى مفهوم.. قد يقال دفاعًا عن ورود هذه العبارة في المسلسلات والأفلام: إن المؤلف أو كاتب السـيناريو أراد أن يكشف عن جهل شخصية ما ونقص ثقافة صاحبها، فجعل من يمثلها ينطق بعبارة «بلاش فلسفة» تعبيرًا عن جهل الشخصية بالمعنى الحقيقي للفلسفة لا تعبيرًا عن عيب أو نقص في الفلسفة ذاتها.

ولكن ماذا نقول عن حرص مذيع رياضي، أثناء وصفه لمباريات كرة القدم بالتليفزيون على ربط الفلسفة بـ «الجهل» أو «البلاهة» أو «التعقيد»، وكأن هذه المعاني السيئة هي مرادفات للفلسفة.. فعندما يفشل أحد اللاعبين في تسديد الكرة أو تمريرها على نحو جيد، تفاجأ بهذا المذيع يصرخ ساخطًا: «.. بلاش فلسفة.. عايز يتفلسف».

ولقد ظننت في بادئ الأمر أن ربط الفلسفة بهذه المعاني السيئة هو زلة لسان من جانب المذيع، فمن غير المعقول أن يؤتمن شخص على مخاطبة ملايين المشاهدين وهو لا يملك القدرة على التمييز بين معانى الألفاظ، ولكن من خلال متابعتي لهذا المذيع اتضح أنني كنت مبالغًا في حسن ظني، إذ إن كثرة ترديده لعبارة «بلاش فلسفة.. عايز يتفلسف..» حين يخفق أحد اللاعبين، إنما يكشف عن أن الأمر ليس مجرد زلة لسان، بقدر ما هو اعتقاد بأن الفلسفة هي بالفعل جهل وبلاهة وتعقيد، ومن هنا كان حرص المذيع على نصح اللاعبين بضرورة الابتعاد عن الفلسفة والتفلسف.

ألا يعلم أولئك الذين يسيئون الظن بالفلسفة، عن عمد في بعض الأحيان وعن جهل في أغلب الأحيان أن الفلسفة في أحد تعريفاتها هي محبة الحكمة، وأن كل التعريفات المتعددة التي أعطيت للفظ فلسفة على مر العصور لم يكن من بينها تعريف واحد يربط بين الفلسفة من جانب والجهل والبلاهة أو الغموض من جانب آخر؟! إن استقراء تاريخ الفلسفة إنما يكشف لنا عن عكس ذلك، إذ يكشف لنا أن عددًا كبيرًا من الفلاسفة جعل من الفلسفة مرادفًا للوضوح والدقة والإحكام.

إن أخطر ما نعانى منه هو أننا كثيرًا ما نتكلم لا لنقول شيئًا له معنى، بل نتكلم لمجرد أن لدينا القدرة على الكلام.. إن هواية مضغ الهواء وتحريك اللسان في الحلق التي يحلو لبعضنا أن يمارسها، إنما هي تضر أكثر مما تنفع بخاصةٍ إذا كانت ممارستنا لها تتم على الهواء مباشرةً وأمام ملايين المشاهدين.

 إنني أعتقد متفقًا في ذلك مع الفيلسوف المعاصر «لدفيج فتجنشتين» Wittgenstein« ١٨٨٩ - ١٩٥١»: «إن ما يمكن قوله على الإطلاق، يمكن قوله بوضوح، أما ما لا نستطيع أن نتحدث عنه، فلا بد أن نصمت عنه».

ads
ads
ads
ads
ads