الخميس 28 يناير 2021 الموافق 15 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

"حولوا العالم إلى برتقالي".. الكاتبة الفلسطنية لينا النابلسي تكتب: «مجرد بنت»

الخميس 03/ديسمبر/2020 - 06:28 م
الهلال اليوم
طباعة
بمناسبة اليوم العالمي  لمناهضة العنف ضد المرأة، والذي بدأت فعالياته في 25 من نوفمبر الجاري، وتستمر لمدة 16 يوم تحت شعار "حولوا العالم إلى برتقالي"، تنشر بوابة "الهلال اليوم"، عددًا من المقالات لمبدعات يقدمن شهادتهن حول ما تتعرض له المرأة من أشكال عنف في المجتمعات العربية.

مجرد بنت

قالت لي: لإني مجرد بنت أخري في هذه العائلة وبدأت في وصلة طويلة من البكاء. لم أستطيع بأي حال من الأحوال أن أواسيها.. لفت الكلمات ودارت في عقلي كأنها تبحث عن وسيلة للخروج لكنها لم تجد.. مواساتي لها معلقة بين السماء والأرض لا أستطيع أن أخبرها أن الرسول صلي الله عليه وسلم وصى المرء ببناته ولا أن أهدهد روحها وأكذب بابتسامه عريضة واثقه وبأن الأمور سوف تستقيم يوماً وأنها ستمتلك الحرية الكاملة باختيار الزوج والمسكن والوظيفة وأنها ستسافر إن كانت تملك المال لتلف العالم وتكتب كتاب رحلات مثل "ابن بطوطة" وستحقق كل طموحاتها التي علقتها كزينة على شجرة عيد الميلاد وهي طفلة، لقد كانت محقة، فهي فتاة في شهادة الميلاد وكل الأوراق الثبوتية وإن حالفها الحظ في النهاية فيجب أن تعمل ثلاثة أضعاف الرجل في أي شيء لتثبت بأنها تستحقه. الحقيقة على الأرض الإسمنتية الجافة.. أنت يا عزيزتي مجرد بنت.. يجب أن تعمل بجهد مضاعف لتثبت أنها ليست مجرد رقم زائد عن الحد، وأنها تستحق كل الإمتيازات الغير مميزة على الإطلاق التي تحصل عليها بالولادة.

سأحكي تلك الحدوتة المعادة لأخرجها من عقلي علها ترحل يوماً ما وتتركني بسلام، فأنا الإبنة الثانية لعائلة حلم فيها الأب من البداية بأن يكون له ولد ليحقق اللقب، الذي حصل عليه لمجرد أن اسمه حسن فقد تزوج والدي بهدف رئيسي مجتمعي مفروض، وهو أن يصبح في أقرب وقت ممكن "أبو علي"، ولأني البنت الثانية فلزم على تحمل الغضب الذي صاحب مولدي وترك أبي المستشفى ورفض أن يراني.. لمجرد أني بنت فقط.

هذه القصة ليست قصتي وحدي فهي تتكرر كل يوم، كمقدمة يومية، كشريط سينمائي صباحي يذكرك أن وجودك في هذا العالم قد يكون غير مرغوب فيه على الإطلاق بمجرد خروج الطبيب من غرفة الولادة ليقول لأحدهم "مبروك بنت".

طفولتي كانت كبندول ساعة، محاولاتي المستمرة لأكسب حب هذا الأب الذي لم أحب رجلاً مثله في حياتي جعلتني أبرع وأتفوق في كل ما برع فيه الأولاد، بداية من قصة الشعر القصيرة وإصراري على ارتداء البناطيل مروراً بلعب كره القدم في الشارع مع الأولاد.

لقد شعر حسن "أبو علي" بالندم وأحبني كما لم يحب أحدًا ابنته في هذا العالم لكن كم من الرجال تغير أو ندم أو أحب ابنته كما أحبني أبي؟

لا تصغي لتلك المعتقدات اليائسة التي تخبرك بأن الابنة أقل قيمة وأهمية وأنها لا تستطيع أن تقف في هذه الحياة "وقفة راجل" فكم من رجل حمل لقب لا يقدر عليه ولا يمثله، وكم من فتاة في هذا العالم بألف رجل حملت اللقب كما يستحق أن يحمل وعملت بجدية واهتمام وكانت مثال يحتذي به لرجال ونساء؟!

نظرت إليها وهي تبكي وناولتها منديل ورقي ووضعت يدي على كتفها لتهدأ.. ابتسمت ابتسامه عريضة كأنها شمس تحاول أن تشرق بعد يوم مطر وقالت "ولا يهمك أنا إتعودت".. لم أبدالها الابتسامة وقلت لها بحده "لا متتعوديش لو سمحتي".

لا تعتادي عزيزتي أن تفرطي في حقوقك لمجرد إرضاء المجتمع، أو لأن بعض المعارك عدم الخوض فيها يعتبر راحة نفسيه مؤقته.. طالبي بكل حقوقك.. في البيت.. في الشارع.. في المدرسة.. في الجامعة.. في العمل.

أعلم بأن أحدكم الأن يقرأ كلماتي ويقول في نفسه بأني لم أختبر المعارك التي تقوم على التمييز العنصري لأعلم جيداً أن الخاسر هو الفتاة في النهاية حتى وإن حصلت على حقها المادي فقد سلبها المجتمع حقها معنوياً تحت غطاء شعار "البنات المتربية متعملش كده".. سأخبرك ما يحاول المجتمع أن يخفيه عنك تحت السجادة "البنت المتربية بتجيب حقها" لا تصغي لأحد سوي قلبك.. لن يعيق طريقك حرب أخري لتضاف إلى قائمة الحروب التي إنتصرتي فيها. قامت ووقفت وهي تبتسم بإصرار هذه المرة "يعني إنتي شايفه كده؟" أجبتها بدون تردد"طبعاً".

تركتني ودخلت الي مكتب مدير القسم في الجامعة لتطالب بحقها في الترقية التي حرمت منها وذهبت لزميلها الأقل تحصيل علمي لمجرد أنه ولد وأن مدير القسم مشهور بتحيزه لكل ما هو ذكور، أو تركتني لتطالب بحقها في لعب رياضة رفع الأثقال.

أو ربما تركتني لتدخل قسم الشرطة لتحرر محضر تحرش ضد أحدهم من مجهولي الهوية الذي يعتبر المرأة سلعه معروضة للمس، وربما تركتني لتطالب مديرها بيوم إجازة مدفوع لأنها تعاني من ألام "الزائرة الشهرية".

لا أعلم إن كانت ستنتصر في معركتها تلك لكن مجرد خوض بعض المعارك انتصار ومجرد المشي في بعض الطرق وصول.. لا يهم النتيجة، لا تضعي رأسك المثقل بكم هائل من الأفكار ليلاً على الوسادة وتتركي حقك مع الملابس في سلة الغسيل.. لا تقنعي بدرجة أقل لأنك" مجرد بنت".