الإثنين 01 مارس 2021 الموافق 17 رجب 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
حسام العادلي
حسام العادلي

من سيرة صقر قريش (3)

الإثنين 18/يناير/2021 - 02:30 م
طباعة

كلٌ مُتشح بالسواد: الرايات المرفرفة فوق الرماح المشهرة، ومن تحتها الجند المدرعين، حتى سروج الخيل المترسنة تغط في سواد قاتم، وكأنهم قدُوًا من سماء ديجورا، هم في طِباقها يجوسون بمناغزهم يقبضون الأرواح لتنحشر بين مخاشرها الصَمَّاء .

عَبر النافذة وعلى مرمى البصر، كان عبد الرحمن يرقب الكتلة الغاشمة السوداء - وهي تتحرك بتؤدة الواثقين وجبروت الغازين، تقصده بدقة مهتدية ببوصلة الوشاية التي لا تزيغ أبدًا؛ فقد أتى المنذور لرأسه ورأس أخيه ثماره.. وما أنكى من الخونة المُفَرطين حين تُملئ غرائرهم بالمال ويتملق الوعد فساد ذممهم .

هواجسه تتراكم كالطود العظيم، شيء في داخله يتأبى على الاستسلام متمردًا علي الانهزام؛ شملته نوبة تحدٍ شبّت في أوصاله تفور، غمرت وهاد سرائره القاحلة - تسقيها من معين النضال جسارة وثبات، تشحذ نفسه فبَصُّرَت عيناه سراج نوارًا تحت طنافس غمامات الرمد المتحلقة بمُقلتيه، انتصبت قامته بأعصاب مشدودة عن آخرها لتجشُم الصعاب وملاقاة الأهوال.. شَدَ للأمر مئزره؛ وتأهب بقلب ذكي وذهن جامع وحَدس ثاقب، جابه مخاوفه دفعة واحدة بعريكة صَلدة وهمة لا تلين، دخل عليه أخوه هشام مذعورًا آخذهُ الرعب، ردد بصوت مرتعش وهو يتبلع ريقه كنقيع السُم : - لقد أدركونا.. الهلاك آتٍ لا محالة ..

طالعه عبد الرحمن بوَجه العزم الوضاء ومَسَّه بروح المثابرة، بصوت حاسم النبرة جازم اللهجة عنفهُ :

- أدركونا بلي.. إنما الهلاك في استسلامنا ..

سَمدِ صدره، ورفع منكبيه - مردفًا بحِس فَخيم يغشاه إصرار المقاتلين :

- فلتواجه بني أمية أقدراها.. فما نجلنا أبائنا رجالًا كي ننعم بالترف ورغد العيش وحدهما.. لو ادبر الزمان عنا تخشنا وتوعرنا واستأسدنا حتى نكسر شوكته ونذلل شأفته ونُنْيِّخ مُطيه .. لإن قُتلنا وكنا شبابًا ومُزِقنا بين دروعنا ونحن نرفع السيوف، لأشرف لنا من حياة الضيم والغبن والموت شيوخًا حتف أنوفنا .. 

جَمع المال وودع طفله "سليمان"، شَمَر عن ساعد الجَد والعزم، وَلّى وأخاه وجهيهما شطر الفرات؛ لتدركهما خيول العباسيين بعدما خاضا عبابه لبلوغ الشط الآخر؛ فعسكروًا عند حافة النهر، نزل من فوق فرسه قائد اللواء ورهط من الجنود ووقفوًا علي حافة النهر ينادونهما :

- يا عبد الرحمن.. ويا هشام .. يا أبناء بني أمية .. يا أولاد العم .. اَن ارجعا ولكما الأمان ..

في وسط النهر كان هشامًا يضرب الماء بذراعين واهنين والنداء يغويه بالعودة فنادى عبد الرحمن بإشفاق ورجاء :

- أنعود يا أخي .. فقد أقسموا أنهم لن يؤذونا بشيء ..

طَفِق عبد الرحمن يستنهض همته الخائرة ويرجوه متطيرًا :

- أستحلفك أن لا تعد يا أخي وإلا أنهم سوف يقتلونك ..

"اَن ارجعا ولكما الأمان "نداءٌ لا زال يتردد بغير انقطاع، صادحًا فيه صوت السلام ، يغمره رنين العفو المقرونة بآيات التسامح ودلائلها القاطعة؛ لم يصغ هشام ابن الثالثة عشر من عمره لنصيحة عبد الرحمن، ولما كان قد تعب من السباحة وأَثَّر فيه نداء العباسيين وتشدقهم بنسب جدهم الأكبر بن عبد مناف القُرشي؛ حَنَّ ورَقَّ واستدار عائدًا للشط مرة أخرى متوسمًا في مناديه السِلمِ وحُسن اللقاء، وما إن أمسك به العباسيون حتى اَعمَلوًا فيه السيف، انقضوًا على الغلام الشابل، مرغوًا وجهه الأمرد وشطروًا جسمه نصفين، ونُحِّر الرأس الصغير أمام عيني عبد الرحمن المفجوعة، لتختلط دموعه المنسجلة بمياه النهر، دماء أخيه الطافية تبلغه طافية فوق صفحة المياه لتعاجله بشقوة العُمر.

ads
ads
ads
ads