الأحد 28 فبراير 2021 الموافق 16 رجب 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
حسين متولي
حسين متولي

زواج التجربة وتجربة الزواج

الجمعة 22/يناير/2021 - 07:09 م
طباعة

نقولها ألف مرة إن نواباً وأعضاء مجالس ومنظمات وناشطات بآرائهم المنقوصة فى تشريعات الأحوال الشخصية والأسرة والطفل، أكثر خطراً من تداعيات مشهد يقترب من حرب مجتمعية بين أطراف علاقة الزواج والطلاق والتى تعززها وتشعلها مزايدات مفتعلة على مصير العائلات المصرية بين الحين والآخر.


وفى مناسبة مزايدة جديدة على واقع مأسوي يعيشه مواطنون مع مشروع الزواج، حضرت من داخل مكتب أحدهم فكرة "زواج التجربة"، كنوع من الفقاعات التى لا يفجرها سوى أرباب الشو رداً على فشل "تجربة الزواج" لدى البعض، ولكن قشورا من صميم المشكلة يجري تصديرها وتسطيح القضية كلها خدمة لهدف ذاتي أو رقصا على أجساد موتى إكلينيكيا بفعل أعراف وتقاليد وتشريعات بالية، وفي الأخير لا يجد أهل المعاناة من يستمع إليهم وكأنهم مفعول بهم وفقط.


في هذا المناخ؛ تتصدر المشهد أفكار ومبادرات نشطاء ومحامين وأصحاب دكتوراه "فشخرية" المشهد عند الحديث عن مصيبة عقود الزواج وقضايا الطلاق وما يصاحبها من إجراءات استرداد أو انتزاع حقوق شرعية أو قانونية، ولا يهتم إعلام أو مؤسسة دينية سوى بالرد عليهم وحدهم، متجاهلين الكارثة فيما آلت إليه أحوال الميثاق الغليظ، وقد سادت في حواراتهم كافة أكذوبة "تلك نقرة أخرى".


أكثر المتفائلين يذكرنا بأن عقود الزواج فى مصر ربما كتبت على ورق طلاق، ذلك بفعل مجتمعي خاطيء وتطبيق تشريعي منحرف للشريعة وتجاهل متعمد لدستور المساواة وإتفاقيات دولية ذات صلة، والأقل تفاؤلا بين أرباب الرأي والمبادرات يعرف صيده السهل فى منفعة مؤقتة ولو على حساب المستقبل الجماعي، وفى سبيل ذلك تهدر قيمة الزواج مشروعا وتجربة وتظهر فكرة "زواج التجربة" منقوصة ساخرة من أهل المشكلة، أو قل المجتمع كله.


لم يقل أحدنا إن زواجا مشروطا لا يمكن القبول به، فجملة العقد شروط واضحة لا مطاطية إن صحت أسانيدها العقلية والنقلية وغايتها الفردية أيضا، وعلى ذلك يكون الإيجاب والقبول والإشهاد والإشهار، وتكتمل الأركان بالمهر بعد تدارك أية موانع للعقد، ويكون التوثيق مجالا للفصل عند نزاع مستقبلي حوله.


وغاية العقد بالأساس اللجوء إليه عند الخلاف لا الفرحة به عند الإتفاق، وفى وثائق رسمية لا يعنى كثير منا بشروط تهدم العلاقة التعاقدية مقدما كما تهدر ثغرات قانونية حقوقا مترتبة عليها، وفى ذلك نذكر المهر بأشكاله المتعددة والهبات وقائمة المنقولات والعصمة المسلوبة بتشريع من يد أحد طرفي العقد إلى المحضرين والقضاة فى أمر التطليق قضاء.


على هذه الصورة تخلو بأيادينا عقود الزواج من شروط محتملة تترك خاناتها خالية بالوثيقة الرسمية بناء على نصح مأذون أو غيره بألا ندع "الشيطان" بيننا ثالثا، ثم تتحرك بنا عجلة الزمن فتتبدل الوجوه وتتقلب القلوب وتهدر الحقوق وتكتظ ساحات المحاكم بملفات لم نحسمها بشروطنا الخاصة المشروعة فى وثائق كنا نملك أولا صياغتها، وتحايلت على وعينا أعراف السلف القريب فأهدرت حقوقنا فيها.


هكذا تجربة الزواج فى مصر، وهكذا تحضر فكرة زواج التجربة تسطيحا للأزمة، ولو أنني أراها تشير ضمنيا إلى تقنين "تجربة علاقة" ربما كانت قائمة بالفعل وتصديرها للوعي فى صورة تعاقدية درءا للشبهات، ولا نحمل ظنا آثما تجاه أصحابها بالتأكيد لكننا نتدارك مع رعاة تلك العلاقات خطورة تداخلات أفكارهم مع تجربة الزواج كمشروع يعاني تصدعات لا ينكرها مضارون ومنتفعون على السواء.


ثمة حاجة ماسة إلى تشريعات مجتمعية وقوانين منضبطة جعلت التعبير عن مظاهر المعاناة الحياتية مع تجارب زواج تطفو مناقشاتها على الساحة، تعزز حضورها أرقام وإحصائيات رسمية سنوية عن الطلاق وتقديرات متفاوتة عن القضايا التالية عليه، بخلاف النظام القانوني الذي يحكم أمر التقاضي والإدعاء بشأن هذه الحقوق، وفى جانب آخر مصيبة الشقاق العائلي والثأر المجتمعي الناشئ عن تشريع يعزز قطع الأرحام ويبتعد بالطفل عن أحد والديه وأهليته، ومعه باتت حلول الأفراد والقوة أسهل عند كثيرين من المطالبة بإصلاح قوانين، وأصبحت فضائح التوترات العائلية على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة وداخل مؤسساتها كحال مراكز رؤية أطفال الشقاق بعد صلاة الجمعة كل أسبوع وما تشهده من إهانة لآدمية المستضعفين. 


ليس إنكارا لحق التفكير وإنما تدقيقا فى الغاية منه؛ يمكن أن تأخذ من أرباب فكرة زواج التجربة وضحايا كثر لتجارب زواج فاشلة وترد عليهم، لكن عليك أن تعي أن كارثة ألمت بقطاع كبير مستغرق فى أزمة لن يكون لها حل دون تصور واضح منهم يستمع إليه متخذو القرار، وعلى هذا يمكن أن تقارن موقف المداعبين لموكليهم والمراودين لبنود عقود قانونية تعيد الاستخفاف بالأمر ولو دون قصد؛ برؤية عالم خبير ببواطنه يرى إن حوارا مباشرا مع المسئول الأول والأعلى فى الدولة حول مستقبل الأسرة المصرية سيكون مثمرا، هكذا كان طرح الدكتور هشام ماجد الطبيب النفسي والخبير المعروف فى هذا الخصوص؛ الذي أشعل مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات القليلة الماضية بمعقوليته.


ذلك أن نطاقا واسعا يتحرك فيه أهل العلم والخبرة والدراسة والتجربة يحتمل استيعاب كل الرؤى لكافة أطراف القضية، ومعه تتشكل حالة الحوار التى لا تنكر على أحد وجوده وحقه ولا تبتعد عن أدق التفاصيل لصالح عناوين براقة جذابة تشد المهووسين بالفرقعات وأهل الضجيج، فهؤلاء لا تبتعد أعينهم عن مصلحة وطنية جامعة، بينما أولئك يستثنون بعضنا من الوجود والاعتراف لحساب مكتسبات رخيصة زائلة، فيظل الوطن فى ركن أخير داخل قلوب حائرة وعقول تائهة ببقاء الأزمة وتراكم المحن.


لم أتعجب من كون الشكوى الأولى التى تصل مجلس النواب الجديد من رجل وأب مضار من تشريعات الأحوال الشخصية، يطالب فيها النواب بحراك بعد صمت سنوات لإنهاء الأزمة وإحياء آمال الملايين فى إستقامة حياتهم، ولم أهتم كثيرا لفرقعة زواج التجربة التى استهل بها البعض موسما جديدا للمزايدة على واقع مأزوم، تتلوها آلاف المزايدات المتوقعة المفتعلة الساعية للحفاظ على مكتسبات لا نهائية يدفع ثمنها أصحاب البيوت الخربة والعلاقات الاجتماعية المدمرة، ويسدد ضريبتها وطن يبحث عن مستقبل وسط تقلبات لا ينكرها عالم ولا توقفها مؤامرات.


هي دعوة متجددة نكررها لأصحاب قرار يبتغون به وجه الوطن، وقد أنهكت الأزمة أصحابها، أن يستيقظ أهل العقل ويمنحون أنفسهم ووطنهم الفرصة لإثبات وجودهم وحقه لديهم، فنهاية الأزمات لا تحضر بحراك أحادي، ونهاية المجتمعات لا تقع بغير بغي أهلها على أنفسهم، ولا أظن الحوار حول البداية صعبا بل يحتاج لقرار، ولا أظن الحياة تحتمل تجربة ثانية على طريقة المضللين، ولا العائلة المصرية قد بقي فيها هواة الشقاق.


ads
ads
ads
ads