الإثنين 01 مارس 2021 الموافق 17 رجب 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
سليمان عبد العظيم
سليمان عبد العظيم

«الأسطى».. موسى صبري !

الأربعاء 27/يناير/2021 - 12:07 م
طباعة

خلال مشواري الصحفي الممتد من عام 1979 إلى العام 2019 تعرفت على شخصيات سياسية وثقافية واقتصادية بارزة ما كنت أحلم بالجلوس إليها أو التعامل معها عن قرب لو كان قدري ألا أدخل بلاط صاحبة الجلالة.

 أربعون عاماً بالتمام والكمال قضيتها أمارس مهنة الصحافة، ومازلت.. البداية كانت محررا تحت التمرين في الأهرام عام 1979 مع الأستاذ الجليل صلاح جلال رئيس القسم العلمي والطبي الذي كان أول قسم طبي وعلمي في المؤسسات الصحفية المصرية..

وإذا جاز لي أن أحدد من هو الصحفي الذي كنت أتمنى أن أكونه في سنوات التكوين الصحفي الأولى لقلت على الفور إما الأستاذ محمد حسنين هيكل.. أو الأستاذ موسى صبري ! ..

سوف يقول البعض متعجبا: موسى صبري !؟.. وأرد على هؤلاء وبالفم المليان : نعم موسى صبري.. الأسطى.. أشطر أسطى حقيقي عرفته الصحافة العربية قاطبة وليس المصرية فحسب .

 أول مرة رأيت فيها الأستاذ الأسطى كانت في صالة تحرير الأخبار عندما كنت أزور صديقاي الحميمين مجدي نجيب رحمه الله ومحمد درويش متعه الله بالصحة والعافية.. كان ذلك في عام 1979.. ويومها لفت وجودي داخل الصالة نظره.. أي نعم رحب بي ولكنه نظر طويلاً إلى مجدي ودرويش نظرة قال فيها كل شيء.. أسطى بقى ..!

ذاكرتي ما زالت تحتفظ بثلاثة حكايات شخصية عن الأستاذ موسى كنت فيها طرفاً .

 الحكاية الأولى كانت عندما لبى الأستاذ موسى عقب خروجه عام 1984 من منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأخبار ورئيس تحرير الأخبار، دعوة الأستاذ مكرم لحوار ساخن وجرئ لمجلة المصور.. كانت أسئلة هذا الحوار شائكة للغاية وتتجاوز بمراحل كل ما هو ممنوع .

سبع ساعات كاملة غير منقوصة كان فيها الحوار سجالاً شديداً بين الأستاذ مكرم وأسرة تحرير المصور من جانب.. والأسطى الحريف على الجانب الآخر من مائدة الحوار.

ونظرا لسخونة الأسئلة من جانبنا وحدة وشهرة المواقف السياسية التي سخر فيها الأستاذ موسى قلمه وأفكاره وجريدته لصالح سنوات حكم الرئيس أنور السادات جاءت نهاية هذا الحوار خطيرة.. خطيرة لأقصى الحدود..!

لقد بكى الأستاذ موسى خلال تلك الساعات السبعة ثلاثة مرات.. بكى الأستاذ موسي صبري بكاءً شديداً، وهو من هو، عندما شرع في إجابة سؤالنا عن لحظة سماعه لأول وهلة خبر اغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة.

وبكى عندما سأله رئيس التحرير عن لحظة موت زوجته  بعد مرض عضال أسكنها الفراش سنوات وسنوات ما بين  المستشفيات.. وشقته في حي الزمالك..!

 وجاء بكائه لثالث مرة عندما سألناه عن موقفه السياسي من قرار الرئيس السادات باعتقال 1536 سياسياً معارضاً في 5 سبتمبر 1981 .

 كان لي شرف تفريغ أحد شرائط الحوار الذي استمتعت به أثناء وجودي في قاعة الحوار وأثناء قيامي بعملية تفريغ هذا الشريط الذي كلفني به شخصياً الأستاذ مكرم حيث أنه كان أهم شرائط الحوار وأكثرها حدة وإثارة من جانبنا.. وصراحة من جانب موسى صبري مع حفظ الألقاب !..

 جرى هذا الحوار المثير يوم سبت وتكلم فيه الأستاذ موسى كما لم يتكلم من قبل وأجاب لأول مرة عن أسئلة صدامية وشائكة للغاية لم يكن بالتأكيد يتوقع أن تكون بكل هذه الصراحة وبكل هذه الشقاوة ! .

بعد انتهاء هذه الساعات السبع التي كنا قد خططنا للبحث عن الجانب الخفي في شخصية موسي صبري طلب الأستاذ موسي من رئيس التحرير أن يراجع الحوار بنفسه قبل نشره.. وبالفعل كان الأستاذ موسى يدخل باب "دار الهلال" صباح يوم الاثنين حيث دخل نفس قاعة الحوار ليقرأ الحوار في شكله النهائي.. والحقيقة أنه لم يشطب سوى سؤال واحد وحيد عن قصة حبه وهيامه بالمطربة صباح في سنوات بدايته الصحفية !.

أذهب بكم الآن إلى حكايتي الثانية مع الأسطى.. في عام 1989 إن لم تخني ذاكرتي كانت معركة انتخاب نقيب الصحفيين حامية الوطيس.. استعد الأستاذ مكرم واستعد أيضاً الأستاذ كامل زهيري الملقب بـ"نقيب النقباء"..  كان شعار كامل زهيري قائماً على أساس أنه الرجل الذي منع الرئيس السادات عام 1979 من تنفيذ قراره ووعيده بتحويل نقابة الصحفيين إلى نادي يجلس فيه الصحفيون وأسرهم كنادي اجتماعي.. ليس أكثر !.

يومها اقترحت على الأستاذ مكرم إجراء حوار مع السيد منصور حسن وزير الإعلام الذي جرت في عهده محاولة السادات الفاشلة لتحويل النقابة إلى نادي.. كنت أعرف أن هناك صحفيين كبار وقفوا ضده تحويل النقابة إلي نادي .. وكنت أعرف أنهم التفوا حول منصور حسن وسعوا معه لإجهاض تلك الفكرة الشيطانية.. وكان كشف المستور عن تلك الشخصيات أمرا لابد منه في معركة النقيب الجديد للصحفيين.. لاسيما أنه كان من بين تلك الشخصيات مكرم محمد أحمد وجلال عيسى وعبده مباشر ومحمود المراغي.. وآخرون.

بذكائه المفرط طلب مني الأستاذ مكرم اصطحاب بعض الزملاء من المؤسسات الصحفية الأخرى إلى هذا الحوار.. وبالفعل ذهبنا: هدايت عبد النبي وسيد علي وحاتم نصر فريد وآخرون من كل المؤسسات الصحفية إلى شقة منصور حسن في الزمالك حيث أجرينا الحوار.

أعددت الحوار للنشر على حلقتين في جريدة الأنباء حيث فضلت عدم إقحام الصحف المصرية في أتون انتخابات نقيب الصحفيين.. ولكن الأستاذ مكرم تردد كثيرا في نشره بجريدة الأنباء.. لماذا؟!..لأنه يعرف جيداً مدى سوء العلاقة بين الرئيس مبارك ومنصور حسن.. وخشى أن يغضب الرئيس ولذا اتصل بالأستاذ موسى حتى يجس نبض الرئاسة.. وطلب مني في سرية تامة تسليم الأستاذ موسى صبري نسخة من الحلقتين.

انصرف الأستاذ موسي من الأخبار بعد تأخري عن الموعد..  وكلف سكرتير مكتبه بأن أذهب إليه في شقته بالزمالك.. هناك ألح عليّ في الدخول.. قائلا ما يصحش كده يا زميلي العزيز. ياه ياه .. معقولة.. هي دي بقا شقة موسى صبري اللي مدوخ الدنيا كلها ؟!.. شقة 3 غرف وصالة لا تزيد مساحتها عن 100 متر.. إلا بالكاد..!!

الحوار حلو.. ها أشوف وها أكلم الأستاذ مكرم.. شكراً يا أستاذ سليمان.. أنا شفتك قبل كده..اه..أنت اللي خلتني أوجه لفت نظر لأصدقائك الاثنين في الأخبار.. فاكر شكلك كويس.. ياه ياه..لسه فاكر يا أستاذ موسى حاجة حصلت من 10 سنين.. ذاكرتك جبارة للدرجة دي.. قلتها وقتها طبعاً في نفسي .

المهم في هذه القصة أنني تعرفت واقتربت من الأستاذ موسى.. نعم لم ينشر حوار منصور حسن رغم تدخل رئيس رؤساء التحرير كما كان يحلو للرئيس مبارك أن يناديه.. ولكني تعرفت عن قرب على هذا العملاق.. وبصراحة شديدة أقول كان نفسي أشتغل مع هذا الأسطى الذي صنع نجوماً ولم يشعر أبداً بأي غيرة منهم كما فعل بعض زملائه ..وكما يفعل الآن بعض رؤساء التحرير !!.

دعوني أصطحبكم الآن إلى الحكاية الثالثة التي عمقت إعجابي الكبير بالأسطى موسى صبري.. ذات يوم طلبني كعادته شبه اليومية صديقي الصدوق محمد درويش مدير تحرير الأخبار.. كنت بازور الأستاذ موسى في المستشفى.. صحته في النازل يا سليمان.. تتصور قال لنا إيه.. نفسي أشوف صلاح عيسي..!!.. ياه على إنسانية الأسطى..درويش قال: الأستاذ موسى قالنا صلاح صحفي شجاع جسور صاحب قلم كان نفسي يكون زميل لنا في الأخبار.. الله عليك يا أستاذ موسى.. صحفي كبير وإنسان كبير أيضاً.

على طول اتصلت بالرجل الذي تمنى الأسطي أن يراه: عم صلاح الأستاذ موسى نفسه قوي يشوفك.. أرجوك روح شوفه.. سكون تام وكأنني كنت أكلم نفسي.. شوية وسمعت عمنا صلاح بيعيط.. بيبكي.. الأستاذ موسى بقاله يومين عاوز يشوفني.. بس أنا مش قادر.. مش قادر.. أنا عارف ومتأكد أد إيه هو بيحبني رغم أنه هو اللي أطلق تعبير عصابة الأربعة التي تدير جريدة الأهالي عليا وعلى أمينة النقاش وحسين عبد الرازق وفريدة النقاش! .

ads
ads
ads
ads