الأحد 07 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح
هويدا عطا
هويدا عطا

تمام الكلام

الإثنين 22/فبراير/2021 - 01:06 م
طباعة
ترى لماذا دائماً نشعر بقيمة أكبر لمن نحب عندما يرحلون عن حياتنا، سواء كانوا أزواجا؛ زوجات، أخوة؛ أخوات، أقرباء، قريبات، أصدقاء وصديقات، حتى الأب والأم لم يفلتا أيضاً من هذا الأمر الغريب، ثم نندم كل الندم بعد الفراق؛ وهو وقت غالبا لا يجدي فيه أي ندم. 

أتساءل هل هذه طبيعة بشرية أم نتيجة ظروف الحياة المتسارعة خاصة بعصرنا الحالي الذي أزاح قوة العلاقات الإنسانية عن عرشها بكل سهولة، وأبدلها بعلاقات النت الافتراضية التي لا تدوم إلا باستدامة شحن الكارت والواي فاي؟ .

نعم إن العلاقات الإنسانية باتت تعتمد كليا على ضغطة الزر الذي يتكفل بإرسال السؤال عن الأحوال والاطمئنان دون تبادل الزيارات الحميمية والسعادة برؤية الوجوه المألوفة.. هذا على مستوى علاقات القربى، أما ما على مستوى المحبة الإنسانية العامة فهذه هي الأكثر معاناة.. فالتباعد بات فسيحاً وقويا والفجوة اتسعت لتشمل تغييب الشخصيات العامة والمشاهير بكل المجالات، حيث نفاجئ من وقت لآخر بموت بعضهم دون أن نعرف أنهم كانوا أحياء بيننا، ثم نصدم بنشر نعيهم على الصفحات الورقية والإلكترونية وعلى الفضائيات، وهذا بالطبع من شدة التجاهل والتعتيم الإعلامي الذي يمارس نفس العادة الغريبة وهي تجاهل من كانوا يوما علامات مضيئة ثقافيا وفنيا، لمجرد أن قطار العمر والصحة مضى بهم بعيدا إلى محطات الشيخوخة والعزلة.

 ثم بعد الوفاة نجد وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع والصحف والمجلات وقد غرقت بكتابات النعي والعزاء ومآثر الراحل التي لا تعد ولا تحصى، وسرد المعاناة الحياتية بعد انكماش ظلال الشهرة عنه والخاتمة المرضية المبكية التي عاشها، ولم تستطع أقوى الافلام التراجيدية محاكاتها. 

وأتساءل أيضا: أين كانت هذه الكلمات والاحتفاء والإضاءات عندما كان الراحلون في أشد الحاجة إلى نصفها، عندما كانوا يستحقون الدعم النفسي ليواصلوا عطائهم. 

أسماءً كثيرة بعالم الفن والأدب والسياسة كنا نحسبهم أمواتا منذ سنوات طويلة، لكننا نصدم برحليهم الآني من خلال صفحات "الفيس بوك" والمواقع الإلكترونية؛ وقد حدث معي شخصيا هذا الأمر من  خلال لقائي بالروائي الكبير الراحل إدوارد الخراط، حينما أجريت لقاء معه بعد انقطاع لعشر سنوات عن الظهور والمشاركة الأدبية؛ حتى أن البعض من الأدباء كانوا يظنون أنه رحل منذ سنوات، وكثيرون تحدثوا عن المفاجأة بهذا الحوار، وقاموا على إثره بتكريمه وزيارته، لكنني والحمد لله كنت قد سبقتهم وقمت بتكريمه قبلهم في بيته.. فكيف لقامة أدبية مثله أن تسكن العتمة والتجاهل قبل رحيله الحقيقي عن الحياة.

ابحثوا عن هؤلاء الذين أضاءوا بحياتهم وأعمالهم وأفكارهم وأقلامهم حياتنا وعقولنا، تابعوهم ولا تغفلوا عنهم، كرموهم في حياتهم حتى ولو على سرير المرض الأخير، امنحوهم فرحة ابتسامة كاملة غير منقوصة قبل أن يرحلوا فعليا عن الحياة. وفِي قلوبهم غصة ومرارة التجاهل وعدم الوفاء.
ads
ads
ads
ads