الأحد 07 مارس 2021 الموافق 23 رجب 1442
رئيس مجلس الإدارة
أحمد عمر
رئيس التحرير
خالد ناجح

فتحي محفوظ يكتب: تجليات الزمن في شعرية السمّاح عبد الله

الثلاثاء 23/فبراير/2021 - 12:36 م
فتحي محفوظ
فتحي محفوظ
طباعة
يرجع الشاعر السماح عبد الله فى قصائده إلى زمن يمتد من الماضي الي الحاضر استشرافا للمستقبل. ففي قصيدته "المقابر" تبدو تلك المحاولات والتي منيت بالفشل الذريع بعد أن حاول أن يبتعد عن مساره الزمني وهو يأخذ خطواته الي الخلف في أحد حالات النكوص هربا من موت محتوم، بينما كان ينتظره علي الطرف الآخر مقبرة في انتظار لحظة السقوط، فلا يتوانى النص لحظة واحدة لكي يثبت أن هناك خطأ ما يدعوه النص بخلل المواقيت.

وفي قصيدة "أربعاءات الشقة الضيقة" يبني النص فوق معاييره المختزلة فضاءه المحدود فوق يوم واحد هو يوم الأربعاء، من بين أسابيعه الممتدة وسنواته العابرة، ومكانه الأكثر اختزالا داخل شقة ضيقة، أغلق عليه الباب ليقتطع أجزاء من مساحته المتاحة، ليتجرع مرارة ضيقه بالزمان والمكان وذكريات الهجران المذلة، فالزمن يبدو قضية من عدة وجوه:
هجرتْك وقد بللتْ جسمكَ المُرّ بالشجْوِ
 واخترمتْ ذكرياتِكَ
 واقتطعتْ من فضا أربعائكَ ما يتّم القلبَ
 ها أنت تغلق بابك كل مساءٍ إذا جاءك الأربعاءُ
 وتحصي الهواءَ ولا تتصيّدُ ذكرى
 ولا تنتشي بالمراثي ولا بالدخان الكثيرِ
 وشايُكَ يبردُ
 هل أنتَ وحدك؟.
وفي قصيدة "القرويون ليلة رأس السنة" تتبدي تلك الوجوه من خلال اجتياز الزمن عتبته القديمة مسترسلا في جريانه المحتوم من نهاية سنة قديمة إلي بداية سنة جديدة، والإنسان ذلك المخلوق التائه في جماعة يفقد ملامحه الخاصة ليرتدي وشاح الجماعة، فيصبح هو الفرد في الجماعة، والمشهد يبدأ في فندق، والإنسان فرد من بين أفراد الجماعة العاملة في الفندق: 

كانوا قد أعادوا طلاء الحوائط
بلونٍ برتقاليٍّ بهيجْ
وزيَّنوا السقفَ بالبالونِ والمصابيحِ الملوَّنة

فالحركة دائبة من أجل استقبال مرور الزمن، يجئ الزوار إلي بهو الفندق، إنهم جماعة أيضا يطلق عليهم النص السيّدون البهيجون والسيّداتُ الفرحاتُ، إنهم جماعة تتحلي بالغبطة والمرح، ينتظمون كما تنتظم الكراسي المرصوصة:
السيّدون البهيجون والسيّداتُ الفرحاتُ في بهو الفندق العريضِ
يكونون تماما في عمق اللحظة العالية
مشتجرين في أوتار العيدان
وذائبين في ورود العسل المنساب.
وجماعة أخري تفد الي الفندق، أطلق النص عليهم القرويون:

القرويّون يكونون قد انسلوا من بيوتهم
وعبّأوا جيوبهم بالذكريات الذبيحة
ومرّوا على الشوارع الجانبية
والأشجار الماشية
والعربات الطوّافة
حتى وصلوا إلى عتبات الفندق المزدان
فدلفوا إلى البهو الوسيع
وانسلّوا إلى الدرجات المؤديةِ إلى السطح.

إن تميمة الزمن بالنسبة لهؤلاء القرويين تنتمي الي ذلك الجزء المسمى بالذكريات الذبيحة، إذ لم يكن الموضوع يخص جماعة خرجت من القرية وذهبت الي فندق للاحتفال بولادة عام جديد، في حين أن العام لن ينصرم قبل أن يترك في القلوب ذكريات ذبيحة، فكان طريقهم إلي الفندق رأسا إلي سطحه.  

يزدحم الفندق الآن بعدة جماعات، السيّدون البهيجون والسيّداتُ الفرحاتُ في البهو من أسفل يتبادلون الابتسامات والإشارات والغمزات المسروقة والنكات الخارجة، وجماعة القرويين في أعلي السطح برفقة ذكرياتهم الذبيحة، وجماعة أخري تخرج عن حدود التصنيف هي جماعة العاملين بالفندق.

ليس من شك ان سلوكيات القرويين تختلف عن سلوكيات الآخرين، إنها متباينة، تتباعد، لا لكي تصبح ميدانا للصراع، ولكنها تتباين وفق موقعها من الزمن، القرويون يحملون أطياف الماضي علي اعتاقهم، الماضي لديهم هو جزء من اللحظة، والآخرون فيما عدا عمال الفندق:
ورشّوا على المكانِ بهجةً وضيئةً
وفرحا يليق بالعام الجديد

إنهم يحتفلون بتوهج اللحظة الآنية وصخبها، فلم يرتق السلوك الي حد الصراع بين أيديولوجيات متناقضة، ولما كان المشهد برمته قد غرق في طوفان الفانتازيا، وكان علي النص أن يباعد بين تصنيفات تلك الجماعات المتباين سلوكها، فقد كان عليه أن يستغرق تماما في الموقف الفانتازي:
ويخترجون الذكريات الذبيحة
يفردونها على أصابعهم
ويبدأون في النشيج بنهنهةٍ واطئةٍ
ثم بأنينٍ مكتومٍ
ثم بصراخٍ عالٍ
وتسيل الدموع.

إن الموقف الفانتازي يمثل في حد ذاته سعيا محموما لإحداث التطهير، وما كان ذرف الدموع سوي البداية إلي ذلك، يذكر النص أن دموع القرويين علت حتي غطت الأرجل وبللت الثياب وساحت إلي فوق السور وهطلت علي الحيطان، وفي نهاية المشهد خرجوا متأبّطي الأذرع ومبتسمي الشفاه، يسجل النص قيام الجماعة بالاحتفال بنهاية حقبة من الزمن كل عام، إنه زمن مكروه طالما ناصبه "السماح عبد الله" كل العداء، لسبب يراه ماثلا أمامه، وهو ارتباط الزمن بفناء الكائنات، وربما كان هذا ما يقض مضجعه.

وانطلاقا من العراء، وانطلاقا من اللا شيء، ينسج الشاعر السماح عبد الله قصيدته الرائعة "الواحدة في عراء ذكرياتها"، وهي تحكي عن حالة امرأة مع ذكرياتها، القصيدة بهذا العنوان مألوفة، وربما كانت متكررة في اعتياديتها، ومسارها المطروق بلايين المرات، إنها تكرار لنمط ينسخ نفسه، حكاية منسوجة برقة بالغة تكاد تحاكي وشي المنمنمات، وفي مجموعها فهي تلك الحكايات المستمرة والمتكررة منذ أن خلق الله آدم وحواء، فالقصيدة لا تحتمل الزحام، إنها فقط حكاية مطروقة بطلاها رجل وامرأة، ورجل يقف خلفهما علي استحياء هو الواعظ، ولماذا، لأنه يعظ ويوجه صيرورة الأفعال:
إذا رأيتِ رجلا يهبط من عليائه
كأنما يهبط من فوق الجبلْ
مُغَبَّرا وضيِّقَ الخُطَا
وصامتا طول الطريقِ
فاخلعي قميصَكِ المبلَّلْ
وانزلي البحرَ

ومسألة الوعظ مطروقة بحرفية كبيرة، فالوعظ يحل محل الغريزة، والغريزة تتوجه بأفعالها ومن بينها العري، والعري يأتي استجابة للنوازع والنزعات، و في مضمونه تكمن قصة الخلق . انها قصة بلا شك تشكل الغريزة أسلوبا للفرار، والفرار قرار:

اسبحي للشاطئ الآخرِ
وابتني من الرمل ثلاثاء وموعدا ورغفانا ودارا
وانتظارا وأملْ.

ها هو الواعظ يتتبع نهج الغريزة، في تلك المرة، فهو يوجه الأفعال الي نقطة مألوفة ومحددة: الغريزة تحكم وثاقها من خلال سلوكيات الجذب بالتباعد لإضرام نيران اللحاق والمواصلة، ثم إقامة أساليب العيش، والواعظ يحدد أساليب العيش في الغذاء والمأوي، لأنه حكيم ومدرب، ينتهج نهج الغريزة ولا يحيد عنها، المأوي هو بناء من الرمل يطلق عليه الثلاثاء، الرمل يتناسب عضويا مع وجودهما علي الشاطئ، البيت محدد بمعرفة المكان، وبذا فالبيت قد تحدد مكانه، والثلاثاء اسم يرتبط بالزمن، وبذا فالبيت قد تحدد زمانه، المكان والزمان حددا موقع البيت، ولم يبق سوي انتظار وصول الرجل، وحتي يجيء، علي المرأة أن تتذرع بالأمل، إذا ما كانت تريد بناء العش فهي مسألة وقت فقط، من جديد يعود الشاعر لوضع الزمن ضمن بواعثه، إنه مغرم بتأطيره وصياغته بطريقته الأنيقة، ها هو الواعظ يبدو في سمته سيد القصيدة، ينذر ويرعد مشيرا إلي فضائل العفة، الجانب الأخلاقي في القصيدة مطروق، فهو إحدي دعائم البيت:

لأنه من قبل أن يلمسَ ناهديكِ في عريهما المبلول
من قبل أن يرشّ عطرَه المُرَّ المؤجّلْ
ويطلق العصافيرَ على نجوم شعرك الطويلْ.

واللمس ورش العطر صفات مؤجلة لنفس تلك النوازع الأخلاقية، إننا لا نتحدث الآن فقط عن آليات التكاثر المؤجلة، وإنما الحديث برمته ينضوي تحت آليات قانون الاجتماع البشري قاطبة، إنه تعميم حصده الواعظ وأقامه فوق حالة واحدة، فالوضع لم يكن يتعلق ببيت واحد يحمل عنوانه من الرمل والثلاثاء، وإنما يمتد ليحتوي علي مضمونه الأعمق من الرمال ووالثلاثاءاتِ، إنها قضية العمران البشري.

سيسند اغترابه الكبير للصخرة
ويمد رجليه على امتدادِ هذه الثلاثاءاتِ
كي تحكي له الحكايا كلها
من أول العطرِ الذي دوخَ سقفَ الدار
حتى سكن الخفاشٌ أرجاءَ الطللْ.